منطقة غرب إفريقيا تعيش حالة من اللا استقرار وجملة من الاضطرابات الداخلية، فضلا عن أنها مهددة بزيادة أنشطة الجماعات المتطرفة والصراعات الداخلية، خاصة في ظل الأزمات السياسية العنيفة التي تعيشها، وغياب الحكم الرشيد في عدد من دول الأقاليم، الذي كان عاملا رئيسيا في تكرار الانقلابات العسكرية.
وسط كل ذلك، اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، روسيا مؤخرا بنشاط “مفترس” في إفريقيا. كما أشارت تقارير عديدة إلى أن المرتزقة الروس يؤججون العنف والانقلابات وانتهاكات حقوق الإنسان والإرهاب في جميع أنحاء غرب إفريقيا.
الانسحابات الدولية المتتالية التي حدثت في تلك الدول وخاصة الانسحاب الأخير للقوات الفرنسية، قد دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي بات يستغل هذا الفراغ في تلك الدول من خلال عقد صفقات مع ديكتاتوريين أفارقة يأملون في الاحتفاظ بالسلطة وسط مخاوف من انقلابات عسكرية. وفي السنوات الخمس الماضية، جاء ما يقرب من نصف الأسلحة الإفريقية من روسيا.
بالتالي، تثار عدة تساؤلات حول ما إذا كانت إفريقيا قد أصبحت الضحية التالية لطموحات بوتين الإمبريالية، وما إذا كان افتقار روسيا إلى الماضي الاستعماري يؤدي إلى تسهيل مهمتها الاستراتيجية ووضع مرتزقة “فاغنر” مقابل المساعدة الأمنية لتلك البلدان.
هذا بالإضافة إلى التساؤل الأهم، وهو فيما إذا استمرت روسيا في كسب معاقل لها داخل القارة السمراء، ما تأثير ذلك على تنمية إفريقيا.
استراتيجية جديدة بعد 2011
على مدى عقود، اتسمت الحكومات الإفريقية بالفساد وعدم الاستقرار، مما تسبب في نقص الثقة بين السياسيين والمدنيين. وفقا لتقرير لـ”ذا هيل“، كما ويعتقد 70 بالمئة من الأفارقة أن الديمقراطية هي أفضل شكل للحكومة، ومع ذلك يقول 60 بالمئة، إن الفساد قد زاد في بلادهم العام الماضي.

ضمن هذا السياق، يقول الخبير في الشأن الروسي، سامر إلياس، إن النقطة الأهم هناك تركيزا روسياً على استعادة وهم إرث الاتحاد السوفيتي، وهذا واضح منذ عام 2012 في الاستراتيجية المتّبعة من قِبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما إن افتقار روسيا إلى الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في البلدان الإفريقية يجعل الأمر أكثر سهولة بالنسبة لروسيا في علاقاتها مع هذه البلدان.
بالإضافة إلى ذلك، وبحسب تقدير إلياس لموقع “الحل نت”، فقد بات الجانب الروسي المصدر الرئيسي لـ “الأسلحة في القارة الإفريقية”، وبالتالي تعتمد روسيا على هذا النهج أو تستغل أن الأفارقة ربما أصبحوا أقل ثقة بالشركاء الغربيين وعدم تزويدهم بالمساعدة الكافية.
كما ويأتي التركيز الروسي دائما وأبدا في اتجاه إيجاد معاقل لها في القارة الإفريقية، لا سيما الظروف كانت مناسبة لهذا الاستغلال الروسي، بجانب منافستها للقوى الدولية الموجودة في تلك الأقاليم.
قد يهمك: تصاعد التوتر بين صربيا وكوسفو.. حرب جديدة في البلقان؟
بدوره رأى مدير “المركز العربي للدراسات السياسية” والمحاضر الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية محمد صادق اسماعيل، أن لروسيا استراتيجية جديدة خاصة بعد عام 2011 تجاه بعض الدول وبسط نفوذها إلى دول الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو حتى أمنيا.. وبالطبع وفق ما تحدث لموقع “الحل نت”، أنه شُهد ذلك بوضوح من خلال تدشين علاقاتها مع بعض الدول العربية، سواء بشكل سياسي أو من خلال الوجود العسكري كما حدث في سوريا.
البحث عن المصالح
الباحث السياسي، سامر إلياس أشار إلى أن روسيا من خلال هيمنتها على هذه الدول تُزيد من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، لا سيما في السنوات الأخيرة. بطبيعة الحال، فإن عدم وجود ماضٍ استعماري روسي في القارة الإفريقية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أدى ربما إلى زيادة قبول الدور الروسي من قبل بعض الجماعات في غرب إفريقيا، خاصة وأن روسيا ليس لديها اعتراض على الانقلابات العسكرية التي حصلت، وتبني علاقاتها على أسس المصالح فقط.
قد يهمك: منطق العلاقات الاقتصادية الخليجية الصينية.. لعبة بكين الكبرى في الشرق الأوسط؟
في حين وبالنظر إلى أن العالم أصبح متعدد الأقطاب، يعتقد صادق إسماعيل، أنه بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبح لموسكو اتجاه جديد تسعى من خلاله إلى التنافس مع القوى الدولية في القارة الإفريقية، وإيجاد نوع من التفاعل داخل القارة السمراء، على اعتبارها تحتوي على نسبة كبيرة من الموارد الطبيعية، وبالطبع تسعى روسيا لإيجاد موطئ قدم في تلك الدول، على أساس نوع من تبادل المصالح، وبطيعة الحال هذا يعتمد على مدى إمكانية تحقيق نوع من شراكات استراتيجية وتعاون مشترك مع دول القارة الإفريقية.
بوتين في السنوات الأخيرة وقع أكثر من عشرين اتفاقية تعاون أمني في إفريقيا، مما يضمن الوصول إلى العمليات البحرية المستقبلية في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وهي طرق مثالية للانتشار الانتهازي للقوات شبه العسكرية الروسية.
أما عن إرسال روسيا لمرتزقة “فاغنر” إلى القارة الإفريقية، بحسب تقدير إلياس فقد كان يهدف إلى البحث عن مصالح الشركات الروسية في تلك الدول، وهو كان باب التغلغل الروسي عبر الشركات الأمنية الروسية ومرتزقة “فاغنر”، وبيعهم للأسلحة لدول القارة الإفريقية.
“فشل محتم”
بحسب تقدير إلياس، ليس لدى الجانب الروسي الكثير ليقدمه لدول القارة، وهذا بات واضحا تماما مع المنافسين الدوليين الآخرين. حيث أن موسكو ربما تراهن على وجودها من خلال تصدير الأسلحة ووجود شركات الاستثمار الروسية، خاصة وأن القارة تحتوي على نسبة كبيرة من الثروة الباطنية من الذهب والمعادن الثمينة، وهو ما دفع مرتزقة “فاغنر” بالتوسع نحو تلك الدول، بالإضافة إلى وجود شركات الطاقة والنفط الروسية هناك، وبالتالي تعتمد سياسة روسيا هناك على كيفية الهيمنة والاستيلاء على الخيرات، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي في التأثير على المفاوضات مع الدول الغربية.

لكن بشكل عام، روسيا ليست رائدة في منافسة الدول الكبرى في القارة الإفريقية، وبالتالي فهي لن تساهم في تنمية القارة، رغم كل الادعاءات التي تتحدث بها من تقديم الدعم لدول القارة، أي أن الوجود الروسي يقتصر على “تسليح الجماعات المتطرفة لنهب موارد تلك الدول والاستيلاء عليها”، على حد قول إلياس.
كما أن روسيا تطمح إلى جعل القارة الإفريقية سوقا للمواد الروسية، لكن روسيا لا تستطيع منافسة القوى الكبرى، لأنها تفتقر إلى التقنيات وتعتبر دولة متخلفة في هذا المجال، والعقوبات التي فُرضت عليها مؤخرا جرّاء غزوها لجارتها الغربية أوكرانيا، بجانب الوضع الاقتصادي الهش فيها يمنعها من استثمار مبالغ طائلة هناك.
كما أن عدم موسكو لقضايا حقوق الإنسان، الأمر الذي ينذر بإحداث عدد من الاحتجاجات الشعبية أو تأجيج الوضع الداخلي، سواء في دول القارة الإفريقية أو حتى داخل روسيا، ضد سياسة موسكو الحالية، وسوريا خير مثال على ذلك، فبالتالي، فإن توجه روسيا لملء الفراغ في غرب إفريقيا سيكون بمثابة “الفشل التام”، إضافة إلى خلق أزمات وفوضى داخلية كثيرة لتلك الدول الهشّة أصلا، هذا فضلا عن تبعات ذلك خارج حدود القارة الإفريقية.

