الجغرافيا الاجتماعية والسياسية للاحتجاجات التونسية.. إلى أين تتجه الأوضاع؟

الجغرافيا الاجتماعية والسياسية للاحتجاجات التونسية.. إلى أين تتجه الأوضاع؟
أستمع للمادة

بعد الدعوات لعصيان ضريبي، وانتشار حالة عدم الرضا عن سياسات الرئيس التونسي قيس سعيّد، لا سيما فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي في البلاد، يبدو أن تونس مقبِلة على احتجاجات واسعة تزامنا مع تراجع الأوضاع المعيشية.

الاحتجاجات هذه المرة استهدفت مباشرة الرئيس التونسي، وهي امتداد للانتقادات التي بدأت ضد السلطات في البلاد، منذ إقرار قانون الموازنة للعام الجديد، وتراجع المؤشرات الاقتصادية في البلاد، وارتفاع نسبة الفقر ومعدلات البطالة، فإلي أين تتجه الأوضاع في تونس.

مظاهرات في تونس

يوم السبت الفائت، شهدت البلاد خروج مظاهرات عديدة في أنحاء البلاد، في الذكرى 12 لسقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، تعبيرا عن رفض مشروع الرئيس قيس سعيّد والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة.

خلال الأسبوع الماضي، دعت حركة “النهضة” المعارضة، التونسيين إلى النزول للمشاركة في الاحتجاجات الرافضة، للإجراءات التي يتخذها الرئيس التونسي، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، كما طالبت بعض التظاهرات بتنحّي سعيّد وإقامة انتخابات مبكّرة.

وزارة الداخلية التونسية، قالت في بيان نقله موقع “العربية نت”، إن التعامل الأمني مع الاحتجاجات في العاصمة التونسية، “تم في ظروف عادي”.

 قبل ساعات قليلة من مظاهرات السبت، تجول  الرئيس قيس سعيّد، في شارع الحبيب بورقيبة بتونس، وقال إنه “لا مكان للخونة والعملاء في البلاد”، مضيفا أن “من يتهم البلاد بالبوليسية والدكتاتورية هو من يريد تدميرها”، حسب قوله.

الكاتبة والمحللة السياسية التونسية عايدة بن عمر، رأت أن تصاعد الاحتجاجات في تونس أمرٌ طبيعي بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، مشيرة إلى وجود انقسام في السلطة حول التعامل مع التظاهرات، وموقف مفاصل الدولة من الرئيس قيس سعيّد.

الوضع الاقتصادي

بن عمر قالت في حديث خاص مع “الحل نت”، “تصاعد الاحتجاجات هو شيء طبيعي بعد انكشاف الخدع التي يسوقها قيس سعيّد، إضافة الى التلاعب بفقدان المواد الغذائية وتفاقم البطالة وارتفاع الضرائب ومرابح البنوك، وانتشار رأي عام بأن قيس سعيّد لا يهمه لا فقير ولا غفير ولا غني والكل سواسية في التنكيل بهم”.

برأي بن عمر فإن سياسة الرئيس التونسي، تسببت بشكل متعمد في تراجع الأوضاع المعيشية للمواطن التونسي، وأضافت “المعطيات الموجودة على أرض الواقع تقول إن قيس سعيّد، ليس فاشل وليس عاجز، وإنما هو يتعمد إذلال الشعب وينكل بهم، حتى إن الصورة أصبحت واضحة بسجن علي العريض دون البقية، مثل الشاهد والفخفاخ وغيره من رؤساء الحكومات الذين أخطأوا”.

قد يهمك: التكيف مع الانتقاد السياسي.. دور للأحزاب في الاصلاحات والإنعاش الاقتصادي بالجزائر؟

حول مستقبل تعامل السلطات مع احتجاجات التونسيين، أوضحت بن عمر أن مفاصل الدولة منقسمة إلى قسمين، إذ يرى القسم الأول أن الرئيس التونسي، لن يتمكن بالتأكيد من اتباع سياسة الرئيس الأسبق بن علي مع الاحتجاجات، عبر زج المعارضين في السجن، لأن كل شيء أصبح مكشوف، وهو ما جعل الأمن التونسي يتخذ موقف الحياد، وهذا واضح من طريقة التعامل مع المظاهرات خلال الفترة الماضية”.

موقف مفاصل الدولة

أما الشق الآخر، فيرى وفق رؤية بن عمر أن “قيس سعيّد قد انكشف، ويصعب الذهاب معه في مغامرة مكشوفة، وحتى فرنسا أعطت أوامرها لثكناتها للتحرك ضد قيس سعيّد حتى تسوق صورة براءتها من التحكم في المشهد التونسي، وفي الكواليس جالسة تحضر البديل، وهذا يُرى بالعين المجردة على الميدان، من خلال تحريك مبادرات الحوار وخروج بعض الوجوه في الإعلام وعلى الساحة السياسية”.

بن عمر ختمت حديثها بالقول، “في كلا الحالتين لن يستطيع قيس سعيّد إجبار القيادات الميدانية بأن تأخذ المنحى العنيف لإسكات الاحتجاجات المتصاعدة، لأن هناك وعي داخل الإدارة التونسية وهناك معلومة حصرية، أن الثورة تعقبها ثورات أخرى وأكيد أن الخوف كبير من المحاسبة”.

من المؤشرات التي دلت على الحياد النسبي لقوات الأمن في التظاهرات، انتشار قوات الأمن في كافة الشوارع الرئيسية وسط العاصمة لتأمين هذه المظاهرات، كما دعت وزارة الداخلية الجهات المحتجّة إلى احترام المسالك والمواقيت المحددة وتحمّل مسؤولية تأطير أتباعها لمنع حصول المشاحنات وأعمال الشغب وتبادل العنف بينها.

المعارضة السياسية تسعى من وراء الدعوة للمظاهرات، العودة من جديد إلى الحكم وإشراكهم في العملية السياسية وفي خارطة الطريق للمرحلة المقبلة، وذلك بعد رفضهم للقرارات السياسية والاقتصادية التي جاءت في خارطة الطريق التي أقرها الرئيس التونسي.

من جهته، حذّر الأمين العام المساعد للاتحاد العام للشغل حفيظ حفيظ، مما سماه ثورة شعب أفقرته الخيارات والسياسات اللاوطنية واللاشعبية للحكومات المتعاقبة. مؤكدا في كلمة على ولاء الاتحاد لتونس فقط ومشاغل شعبها دون أي ارتباك مهما فعلت الحكومة.

في المقابل، يمضي سعيّد قُدما في تنفيذ خارطة الطريق التي وضعها رغم الانتقادات التي وجهّت له حيال نسبة الإقبال المتدنيّة خلال الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، كذلك يواجه الرئيس التونسي والحكومة انتقادات لاذعة تتعلق بالموازنة العام والقوانين التي أقرّت مؤخرا وتتعلق بقانون جباية الضرائب على أصحاب المهن والموظفين.

الموازنة التونسية للعام الجديد، كانت قد قوبلت باستنكار واسع، بعد أن اعتمدت الحكومة زيادتها، عبر فرض المزيد من الضرائب، إذ من المتوقع أن تجمع الحكومة أكثر من 40 مليار دينار من الضرائب، أي نحو 13 مليار دولار قبل نهاية 2023، بزيادة 12.5 بالمئة عن المداخيل التي جرت تعبئتها العام الفائت.

القانون الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية العام الجاري، يواجه انتقادات واسعة من قِبل المؤسسات والأفراد، وهو الذي شهد رفع الضرائب، على شاغلي عدد من الوظائف، مثل المحامين والمهندسين والمحاسبين، من 13 إلى 19 بالمئة، فضلا عن الزيادة في غرامات التأخير على التصاريح الضريبية ورسوم تسجيل أحكام قضائية، إضافة إلى فرض ضريبة على ثروة العقار بقيمة 0.5 بالمئة.

الحكومة من جانبها تبرر فرض المزيد من الضرائب، بتوقف المباحثات مع “صندوق النقد الدولي” حول إقراض تونس، إذ كانت الحكومة تعول خلال العام الماضي، أن تحصل على قرض بقيمة نحو 1.9 مليار دولار على مدى 4 سنوات، إلا أن “صندوق النقد الدولي”، قرر إرجاء ملف تونس إلى أجل غير مسمى، فكان اللجوء إلى التقشف ورفع الضرائب.

لا يبدو أن هناك معطيات تشير إلى وجود احتمالات قوية لانفراج أزمة الاقتصاد التونسي، لكن السياسة الجديدة للحكومة، خاصة وأن حظوظ البلاد أصبحت ضعيفة للغاية في الحصول على قرض دولي، هذا يعني أن نتائج الإجراءات المحلية وحدها ستعكس الوضع الاقتصاد للفترة القادمة.

بصرف النظر عن الأوضاع السياسية في البلاد، فيبدو أن أبرز ما توجهه تونس من تحديات يتعلق بالوضع الاقتصادي، إذ أكد مراقبون أن أكثر ما قد يدفع التونسيين للنزول إلى الشوارع في المرحلة الراهنة، هو عدم رضاهم عن الوضع الاقتصادي في البلاد، خاصة بعد إقرار الموازنة وزيادة الأعباء الاقتصادية على المواطنين لصالح نفقة الحكومة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة