تفاعلات عراقية تركية لاحتواء أزمة المياه.. ما النتائج؟

تفاعلات عراقية تركية لاحتواء أزمة المياه.. ما النتائج؟
أستمع للمادة

في خضم الأزمة المائية التي يعيشها العراق، ووصولها إلى مستويات خطرة، حيث أن ثروة البلد المائية مهددة بالنضوب، وأرضه مهددة بمزيد من الجفاف، ووصول العراق وتركيا خلال الأشهر الماضية إلى مرحلة التهديد بقطع العلاقات على إثر العديد من المشاكل بين البلدين، ولا سيما مشكلة استغلال مياه نهري “دجلة والفرات” من الجانب التركي، شهد الشهر الجاري اتصالات متتالية مع تركيا، منها مكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ناقشا فيها تأمين حصة العراق من مياه نهري “دجلة والفرات”.

البلدان اتفقا مبدئيا على تشكيل لجنة مشتركة لحل مشكلة المياه والهجمات التركية المتكررة على الحدود، حيث التقى الوفد العراقي برئاسة محسن المندلاوي، النائب الأول لرئيس “مجلس النواب”، رئيس” مجلس الأمة” التركي مصطفى شنطوب، على هامش مشاركة الوفد في أعمال الجمعية البرلمانية الآسيوية في مدينة أنطاليا التركية، الأسبوع الماضي حسب “وكالة الأنباء العراقية” (واع).

بالتالي، تبرز عدة تساؤلات حول فرص حل مشاكل أزمة المياه بين العراق وتركيا، وما إذا كانت تركيا ستلتزم حيال الأمر الذي سيتم الاتفاق عليه، بالإضافة إلى تداعيات عدم التوصل إلى توافق بشأن أزمة المياه وسط التغيرات المناخية مثل الجفاف وقلة الأمطار.

تفاعلات سطحية

الأحاديث والأنباء التي تُدار حول إجراء اتصالات دبلوماسية عراقية تركية في الأيام الأخيرة لحل أزمة نقص المياه الحادة التي يعاني منها العراق تبعث الآمال في إمكانية حل هذه المعضلة التي تتطلب اتفاقا لتحديد حصص مياه نهري “دجلة والفرات” اللذين ينبعان من الأراضي التركية.

الرئيسين، العراقي شياع السوداني والتركي أردوغان، ناقشا في اتصال هاتفي، “تأمين حصة العراق من مياه نهري دجلة والفرات” والجهود المشتركة لملاحقة “الجماعات الإرهابية” على طول الحدود بين البلدين.

في السياق، أفادت “واع”، بأنه “جرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا، وبُحث عدد من الملفات، لاسيما حصة العراق المائية، والاعتداءات المتكررة على الحدود العراقية”، مشيرا إلى أنه “تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لمعالجة هذه المشاكل، وتعزيز التعاون في كافة المجالات، لتحقيق مصالح البلدين وفق مبدأ الاحترام المتبادل”.

هذا وكانت وزارة “الموارد المائية العراقية”، قالت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إنها وضعت خطة مكونة من محورَين لتقليل آثار شح المياه في البلاد.

المتحدث باسم الوزارة، علي راضي، أوضح أن “المحور الأول داخلي، وهو ضمان عدالة توزيع المياه لكافة القطاعات، منها القطاعات الزراعية وقطاع المياه الخام لمحطات الإسالة، إضافة إلى كل الاستخدامات الأخرى وحصة الأهوار وكذلك حصة البصرة لدفع اللسان الملحي”.

قد يهمك: الانفتاح العربي على العراق.. نقطة شروع لتوازنات دولية جديدة؟

راضي أشار إلى أن “المحور الثاني خارجي، والذي يتضمن انفتاح العراق بشكل كبير في العلاقات مع دول المنبع، من خلال لجان التفاوض والتواصل مع الجارتين تركيا وإيران وكذلك سوريا لتدعيم ملف المياه، التي تضمن حقوق العراق المائية وتطبيقا لكل المواثيق والأعراف الدولية”.

الباحث السياسي العراقي الدكتور محمد نعناع، يقول إنه عند الحديث عن احتمالات حل أزمة المياه بين العراق وتركيا يجب الحديث عن الجوانب الفنية والسياسية.

من الناحية الفنية، وفق تقدير نعناع لموقع “الحل نت”، تتفوق أنقرة فيما يتعلق بالمعايير التي تضعها لتقنين حصة المياه وتطرح العديد من الإشكالات على بغداد. بعضها واقعي والبعض الآخر غير واقعي، وهذا أمر يوكل به المختصون، إذ يقدرون أن ما تتحدث عنه تركيا، أن النفاثات المائية، إذا تم إطلاقها، قد لا تفيد العراق بسبب عدم وجود بنية تحتية مناسبة لها.

لكن، استيعاب هذه المدفوعات المائية وفق المختصين، فإن تركيا تبالغ في بعض الأحيان، لذلك فإن هذا يشير إلى وجود سبب سياسي وراء معوّقات تركيا بحبس حصة بغداد من مياه نهري “دجلة والفرات”، وعدم الاتفاق مع العراق بخصوص هذا، وفق الباحث السياسي العراقي.

العراق يعاني بشدة من نقص المياه، لا سيما بسبب سد “إيليسو” التركي الذي بُني عند منبع نهر “دجلة”، والسدود التركية الأخرى التي بُنيت على روافد أصغر.

أسباب سياسية

من الناحية السياسية، حسب نعناع، فإن البيئة الداخلية العراقية غير مهيئة لدعم الحكومة في تصعيد هذا الملف والضغط على تركيا، والأخيرة تفهم وتدرك أن الجبهة الداخلية العراقية مشتتة ولا تستطيع أن تتفق على اتفاقات استراتيجية التي من شأنها أن تمكّن الحكومة العراقية من تصعيد هذا الملف والمطالبة به على نطاق واسع.

سد “إيليسو” “إنترنت”

أهم مفردة في هذا الموضوع، وفق نعناع، أن تركيا تستغل هذا الأمر لصالحها وتواصل الضغط على الدولة العراقية، خاصة وأن أنقرة تطالب بغداد باتخاذ موقف صريح من “حزب العمال الكردستاني” التركي، لتلبية مطالب تركيا في هذا الصدد، في مقابل الإفراج عن مدفوعات المياه الاستحقاقية للعراق.

لذلك، من السابق لأوانه الحديث عن عقد اتفاقيات بخصوص أزمة المياه. ومهما تشكلت لجان أو مجالس عُليا للمياه والطاقة بين البلدين، فإن مشكلة المياه ستبقى ورقة ضغط على العراق، وفق تقدير نعناع.

تركيا لا تلتزم

الخبراء يرون أن توصل العراق وتركيا لاتفاقية بخصوص أزمة المياه يُعد “خطوة مهمة”، وذلك لنقص المياه الواردة للعراق على خلفية احتجاز تركيا للمياه في السدود التي بنتها. وضرورة تشكيل لجان مشتركة يمكن لها الذهاب إلى قواعد القانون الدولي التي تنظّم تقسيم وتوزيع المياه بين الدول المتشاطئة بصورة عادلة.

كما أنه ما أن يتم توزيع المياه بصورة عادلة باتفاقات موثّقة لدى “الأمم المتحدة”، فإن هذا سيضمن استقرار العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين العراق وتركيا، لا سيما مع بلوغ حجم التبادل التجاري سنويا 20 مليار دولار، والعراق مستورد كبير من تركيا للمنتجات الزراعية والغذائية والتكنولوجيا.

غير أن الباحث السياسي العراقي، يرى أنه حتى لو أقرت تركيا اتفاقا مع العراق بشأن أزمة المياه، فإنها لن تلتزم به، بالنظر إلى أنها ترى نفسها متسلطة على العراق. وهذه الأخيرة ليس لها طموحاتها الوطنية والإقليمية، وبالتالي فإن هذا الضغط والابتزاز التركي سيستمر حتى تصبح الدولة العراقية قوية وقادرة على تصعيد القضية وأخذ حقوقها وفق القوانين الدولية.

لذلك، على الحكومة العراقية أن تتبع مسارين؛ الأول تشكيل جبهة وطنية معنية بقضية المياه، والثاني هو أن تنفتح الحكومة العراقية على القوانين الدولية في هذا الشأن، بالإضافة إلى حل مشاكلها السياسية الداخلية، وفق تعبير نعناع.

تداعيات كارثية

خلال السنوات الماضية، كان هناك نقص في المياه بشكل غير مسبوق في شبكة الأنهار، وفي جداول نهري “دجلة والفرات”.

قد يهمك: إيرادات النفط.. نعمة أم نقمة على العراقيين؟

بينما لجأت دول مثل تركيا إلى أنشطة بناء السدود على نطاق واسع لتأمين المياه للزراعة والطاقة الكهرومائية، تحملت البلدان المجاورة تبعات هذا النقص، حيث أدى بناء السدود إلى تفاقم التحديات الحالية التي يفرضها تغير المناخ. وكان العراق على وجه الخصوص الأكثر تضررا من نقص المياه، إذ واجه في سنوات متتالية أزمات حادة في أجزاء مختلفة من البلاد.

بالعودة للباحث السياسي العراقي، فإن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن أزمة المياه سيُبقي العراق ضعيفا أمام تركيا ويفقده الكثير من حيازته للدفاعات المائية، وسيؤثر ذلك على العديد من قطاعات الحياة ، من الزراعة والثروة الحيوانية، وبالتالي الإضرار بالوضع الاقتصادي والمعيشي ككل، خاصة بالتزامن مع التغيرات المناخية، من شح للأمطار وارتفاع درجات الحرارة لأرقام غير مسبوقة.

مما يعني أن العراق سيلجأ إلى استيراد الكثير من الموارد، وسط تدهور القطاع الزراعي وغيره، وهذا أيضا يفيد تركيا، خصوصا وأن العراق يستورد بنسبة كبير من تركيا، وفق نعناع.

كما ويعاني العراق للعام الثالث على التوالي من انخفاض في الأمطار ومستوى الأنهار؛ ما تسبب في تداعيات كارثية، حيث شهدت 25 بالمئة من الأُسر تراجعا كبيرا في محاصيلها الزراعية، حسب استبيان صادر عن منظمة “المجلس النرويجي للاجئين” غير الحكومية.

الجفاف أجبر العديد من الأُسر العراقية بالتوجه إلى الاعتماد على المساعدات الغذائية بعد نقص المحاصيل، كما أُجبر 35 بالمئة من العائلات على تخفيض استهلاكها الغذائي. في حين يبلغ إنتاج العائلات 42 بالمئة من الشعير والفاكهة والخضار تراجع بالمقارنة مع المواسم السابقة.

 حبس تركيا لحصص المياه

تركيا، بدأت بتشغيل سد “إيليسو” وهو مشروع ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر دجلة ويهدف إلى توليد 1200 ميغاوات من الكهرباء لجنوب شرق تركيا، في السنوات الأخيرة.

كما بدأت ببناء السد في عام 2006، وأشارت تقارير إلى أنه بدأ يعمل بكامل طاقته في كانون الأول/ديسمبر 2020. ويُعد سد “إيليسو” ثاني أكبر سد في تركيا بعد سد “أتاتورك” على نهر “الفرات”، والذي اكتمل بناؤه عام 1990.

تقرير لشبكة “بي بي سي“، قالت بأن السّدان يُعتبران جزءا أساسيا من مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا، وهي خطة ضخمة على مدى عدة عقود لتوفير المياه اللازمة للري وتوليد الكهرباء في المنطقة الأقل نموا في البلاد، والتي تهدف لبناء 22 سدا و19 محطة لتوليد الطاقة.

كما وأثارت العواقب الوخيمة لبناء سد “إيليسو” على التراث الثقافي اهتماما واسعا وإدانات من المنظمات غير الحكومية والنقابات والنواب المعارضين على مدار سنوات.

كذلك، أدى ارتفاع منسوب المياه من السد إلى غرق بلدة حصن كيفا، التي يبلغ عمرها 12 ألف عام، في شباط/فبراير 2020، مما أدى إلى إغراق عشرات القرى وتشريد عشرات الآلاف من السكان المحليين.

العراق تقول من جانبها، إن تركيا هي السبب في قلة مواردها المائية، وسعت الحكومة العراقية مرارا إلى معالجة القضايا التي تسببها السدود المقامة على منابع الأنهار وفي نقاط معينة، ووصلت التوترات إلى ذروتها بشأن هذه المسألة، لكن دون جدوى أو نتائج إيجابية حتى اليوم.

على إثر أزمة المياه في العراق، تسبب مزيج من تضاؤل موارد المياه والتلوث في وفيات جماعية بين تجمعات الأسماك في نهر “الفرات”، فضلا عن زيادة نسبة التصحر في العراق، وأدت إلى اضطرابات هيكلية وأزمات كبيرة.

بالتالي فإن عدم التوصل لاتفاقية لحل أزمة المياه، سوف يُدخل العراق في دوامة خطيرة، لا سيما على صعيد قطاع الزراعة الذي ينعكس سلبا على مستويات الاقتصاد الوطني، على إثر غياب التخطيط وانعدام الأمطار وإيقاف الإطلاقات المائية من دول الجوار، سواء تركيا أو إيران، اللذين يوشكان أن يتسببا بأزمة غذائية ومائية، على إثر سلوكهما العدائي تجاه بغداد.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة