تداعيات وأبعاد الاحتجاجات الإيرانية إقليمياً ودولياً

أستمع للمادة

خلال العقود الأربعة الماضية، عمل نظام الملالي على بناء هيكل محدد للسلطة في إيران، لقيادة البلاد والسيطرة على دفة الحكم لأطول فترة ممكنة، إذ وضع إيران في بوتقة ضيقة من خلال وضع أسس ومجموعة من القوانين التي قامت بتهميش وقمع العديد من القوميات، بجانب الأساليب الأمنية المتشددة، حتى صار يحكم البلاد بقبضة من حديد، بحيث يصعب على المرء أن يتوقع سقوطه بهذه السهولة.

لكن اليوم ومع استمرار الاحتجاجات الشعبية الإيرانية الحالية، والتي تُعد الأخطر من بين التظاهرات المتكررة منذ “الحركة الخضراء” عام 2009، والتي اندلعت على خلفية رفض نتائج الانتخابات المزورة التي فاز بها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، أو احتجاجات ارتفاع أسعار الوقود بين 2018-2019، باتت كل الاحتمالات مفتوحة الآن أمام استمرار الجمهورية الإسلامية من عدمه أو إمكانية تغيير سياسة هذا النظام، خاصة وأن هذه التظاهرات تتميز بغياب تمثيل سياسي معين أو تنظيم وكيان يقودها، إلى جانب التطورات السريعة على الأرض التي تدفع للبحث عن تداعياتها وتأثيراتها إقليميا ودوليا، بما فيه مناطق تمدد الميليشيات الإيرانية، ولا سيما سوريا، بعد أن قالت بعض التقارير إن إيران قامت بسحب بعض ميليشياتها من سوريا وتوظيفهم لقمع المظاهرات في إيران.

واقع الحال، فإن هذه التطورات جاءت في ظل بيئة داخلية محتقنة على خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المضطربة، وعلى رغم انحسار هذه الاحتجاجات على مدار الأسابيع الأخيرة، في ظل حملة القمع الدامية، ما زال المتظاهرون الإيرانيون يتّحدون السلطات بعد أربعة أشهر من انطلاقها، على اعتبار أنها تعكس الطابع الديني والاجتماعي للعملية الاحتجاجية في إيران، وتعكس كذلك اتساع نطاق حالة الغضب والاحتقان الجماهيري والشعور بالحرمان والظلم، كما تعكس الفجوة المتّسعة بين النظام وهُويّته التي يحاول أن يفرضها من خلال القمع، والمجتمع الذي يتطلع إلى تحسين شروط حياته على المستويات الاجتماعية والثقافية والتحرر من خلال التركيز على إسقاط حكم الملالي، وليس فقط التنديد بمقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني.

بات جليا أن طهران تعاني من أزمة كبيرة، وسط عجزها على إخماد أصوات الشعب الإيراني، رغم ممارستها لأدوات القمع واعتقال آلاف المتظاهرين، بجانب إصدار قرار حل “شرطة الأخلاق”، إلا أن هذا الأمر ككل يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول أبعاد هذه الاحتجاجات وتداعياتها، من خلال تشريح البيئة التي اندلعت فيها هذه الاحتجاجات، ولاسيما الجانب الديني والاجتماعي الذي بدا وثيق الصلة بالشرارة التي اندلعت على إثرها العملية الاحتجاجية، والعقبات التي تقف أمام النظام الإيراني في سياق القضاء على تلك الاحتجاجات، فضلا عن مدى إمكانية تغير السلوك الإيراني تجاه الدول الخليجية ومدى إمكانية تغير استراتيجيتها تجاه الدول الإقليمية، هذا فضلا عن الأبعاد الدولية ومعرفة تبعاتها على القضايا الرئيسية، الاتفاقية النووية، والعلاقة مع الغرب والصين وروسيا، ومصير نفوذها في الدول الأربعة، سوريا ولبنان والعراق واليمن.

عوامل اندلاع الاحتجاجات

في منتصف أيلول/سبتمبر 2022، أفاد ناشطون حقوقيون بأن شابة إيرانية تبلغ 22 سنة دخلت في غيبوبة بعد يومين من توقيفها في طهران من قبل “شرطة الأخلاق” لانتهاكها قواعد اللباس الصارمة في البلاد، لا سيما ارتداء الحجاب.

حينها، أكدت شرطة طهران أن الشابة “تعرضت لنوبة قلبية”، وطلب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي فتح تحقيق. وفي اليوم التالي، توفيت مهسا أميني في المستشفى بعد ثلاثة أيام من دخولها في غيبوبة. وأكد ناشطون أن الضحية تلقت ضربة على الرأس، لكن شرطة طهران شددت، في بيان، على “عدم حصول احتكاك جسدي” بين الضباط وأميني.

بعد أن دُفنت أميني في 17 أيلول/سبتمبر الماضي في مدينة سقز مسقط رأسها بمحافظة كردستان، شمال غربي إيران، خرجت تظاهرة بعد التشييع، ومن ثم خرجت تظاهرات جديدة امتدت إلى جميع أنحاء البلاد في الأيام التي تلت، خصوصا في العاصمة طهران ومشهد، هذا بالإضافة إلى التظاهرات والتكاتفات والتضامنات في جميع دول العالم تقريبا، سواء من النشطاء أو المنظمات الحقوقية أو حتى الدول، بجانب العقوبات والإدانات الدولية.

على الرغم من أن مقتل أميني كان الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات في عددٍ من المدن الإيرانية وصولا إلى عموم البلاد، غير أن ثمة عوامل أخرى هيّجت هذا التحرك، ولعل أبرزها التوجهات الدينية والثقافية المتشددة، لحكومة إبراهيم رئيسي، والتي تعود جذور هذه الأزمة إلى عام 2005 بشأن الحجاب والعفة، وذلك في إطار مقاومة الهجوم الممنهج للنيل من ثقافة المجتمع وطابعه الثوري من قِبَل القوى الخارجية المعادية.

هذا التشدد يعود إلى استراتيجيات تنمية ثقافة العفة، التي تبناها النظام في عام 2004م أثناء ولاية الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، إذ يعد هذا القرار الأساس القانوني لتشكيل “دورية الإرشاد” أو “شرطة الأخلاق”، وهي الجهة التي أخذ يتزايد دورها ونشاطها، لاسيّما تجاه النساء، حتى وصلت حد نشر سبعة آلاف عنصرٍ سري للنهوض بهذه الخطة الأخلاقية والتي على رأسها الالتزام بما سُمي بالحجاب الإسلامي بشكل كامل، وفق دراسة لـ”المعهد الدولي للدراسات الإيرانية”.

قد يهمك: إيران تعزز أسلحتها الجوية.. ما الانعكاسات على المواجهات المحتملة في المنطقة؟

مع تشديد الرقابة على لباس ومظاهر السكان في إيران، وتحديدا النساء، وجد المجتمع نفسه في مواجهة مع سياسة قمعية لفرض ثقافة ومظاهر معينة على المجتمع النسوي حصرا، وهو ما أدى إلى اندلاع شرارة الغضب في حكم الملالي، والمطالبة بإسقاطه مع تدرج الاحتجاجات واتساع رقعته.

بجانب عوامل السلطة المتشددة في إيران، هناك عوامل أخرى حثت على خروج الإيرانيين إلى الشارع والمطالبة بحقوقه الشرعية، ألا وهو الوضع الاقتصادي والسياسي المتأزم في البلاد، لا سيما بعد إخفاق السلطات في التعاطي مع الأزمات الداخلية، فضلا عن قلة الخبرة في التعاطي مع الملفات الخارجية وخصوصا فيما يتعلق بالتعثر في المفاوضات الخاصة بإحياء الاتفاق النووي.

غير أن الوضع الاقتصادي والمعيشي المتهالك، كان من أبرز العوامل، التي لعبت دورا مهما في تفسير سرعة الاحتقان الداخلي واشتعاله مع أي محرك، حيث تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية بإيران في الوقت الراهن إلى مستويات غير مسبوقة.

طهران من جانبها، كانت ولا تزال تروج لرواية تقول إن التمرد الواسع ضدها في الداخل مدفوع من الخارج، من قبل الغرب وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، رغم أن كل المعطيات تشير إلى أن هذه الاحتجاجات الشعبية ليست سوى نتاج سلطة قمعية متشددة.

لماذا الاحتجاجات مختلفة هذه المرة؟

في ضوء الاحتجاجات الإيرانية التي انطلقت تحت شعار “امرأة، حياة، حرية” والتي لم تتوقف بالكامل، خاصة في محافظتي بلوشستان وكردستان، فإن هذه الاحتجاجية مختلفة تماما هذه المرة عن السابق، بالنظر إلى أنه نبع عن غضب شعبي إثر مقتل فتاة شابة في مقتبل العمر، بتهمة عدم تغطية كل الرأس بالحجاب؛ الذي أضاف مزيدا من سخط وغضب الإيرانيات بل والإيرانيين من تعاطي النظام مع قضايا المرأة.

أيضا، انتقال الاحتجاجات من الأطراف إلى العاصمة طهران، الأمر الذي اكسبها زخما وأهمية كبيرين في معقل النظام الإيراني ذاته، إذ مثّل عامل ضغط إضافي على النظام الذي يواجه أصلا جملة من التحديات الاقتصادية والمعيشية الداخلية والعزلة والضغوطات الدولية.

الأهم من ذلك، أن الاحتجاجات كانت عفوية دون قيادة وفئوية ومن مختلف الأعمار وضمت سيولة واضحة من قطاعات عديدة، طلبة ومهنيين وتجار، والتي وضعت النظام في مأزق شديد لإنهاء الوضع الاحتجاجي بالقمع أو تصفيته أو حتى تشتيت جهوده. والتعبئة الاجتماعية والزخم المحيط بهما، مرشحا للتصاعد وربما التكرار، وقد بات يركز على إسقاط حكم الملالي، وليس فقط التنديد بمقتل أميني، وبات ذلك جليا أثناء ترديد شعارات ومطالب للتعبير عن الغضب من النظام الحاكم، ولا سيما هتف المحتجين في المدن المحتجة وفي الجامعات بـ”الموت للدكتاتور”، في إشارة للمرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، كما مزقوا بل وأضرموا النيران في صور خامنئي وسليماني، ما يعني استهداف المحتجين لشرعية ورمزية النظام الإيراني ذاته، وغضبهم الشديد من سياساته وطبيعة حكمه القائمة على فرض السياسات بالقوة والغطرسة ضد أبناء الشعب الإيراني.

هذا بالإضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي الفاعل، على الرغم من تضييق السلطات الإيرانية من الوصول إلى الإنترنت، بجانب دعم المعارضة في الداخل والخارج، إذ لاقت هذه الاحتجاجات الدعم من ولي عهد إيران السابق رضا بهلوي والعديد من الأحزاب الكردية الإيرانية، وأيضا العديد من النشطاء المدنيين والسياسيين بإعلانهم الحداد والإضراب العام، وكذلك أعلنت العديد من الأحزاب السياسية المعارضة بالخارج دعمها للاحتجاجات، مثل حزب “فرشكرد”، ومنتدى “الاتحاد من أجل بداية جديدة”.

تحدي أمام “ولاية الفقيه”

من الناحية العملية، بات من الواضح أن الاحتجاجات لا يمكن لها أن تعود لنقطة اللا عودة، لا سيما بعد أن اتسعت رقعتها؛ جغرافيا واجتماعيا، التي شملت فئات مهنية مختلفة، واشترك فيها سكان المدن والأرياف، ووصلت مسقط رأس مؤسس النظام الخميني، وكذلك قم الدينية. عرقيا وإقليميا، قادها فرس والتحق بها أذريون وأكراد وعرب وبلوش، وردد صداها الإيرانيون في المهاجر في أنحاء العالم.

لم تعد الشكوى من الأوضاع الاقتصادية المتردية، وضد تسلط رجال الدين، إنما تحولت إلى رفض السلطة الدينية، الذي هو رفض للنظام. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه نظام ولاية الفقيه، اليوم، هو تراجع قداسة رجال الدين، وتزايد الكراهية للجمهورية الدينية، والأخطر على النظام تنامي هوية بديلة مع صعود الشعور القومي الإيراني، وفق تقرير لموقع “الشرق بلومبيرغ”.

يزداد هذا الخطر مع إصدار مجموعة من الناشطين في عدة مدن إيرانية، خلال الفترة الماضية، بيان مشترك للتحريض على إضراب شامل، على إثر حادث تسمم لطلبة جامعيين من قبل أذرع ميليشيا سلطة الملالي، والمثير للدهشة أن النظام الإيراني، بات يدرك رفض قطاعات واسعة من الشباب الإيراني لـ”الجمهورية الإسلامية”، ونبذ حكم “آيات الله” السياسي والأيديولوجي، بأكمله. وبالتالي بات واضحا أنه لا يملك ثمة وسيلة للمواجهة سوى بتصعيد مدى العنف إلى حدوده القصوى. وأن هذا الجيل، الذي لا يسعى إلى الإصلاح أو تخفيف القيود بل إسقاط حكم الملالي وإيجاد بدائل سياسية أخرى مغايرة.

كذلك، أحد مظاهر تظاهر وتحدي هذا النظام، هو نزع النساء الحجاب الديني، وطمس شعار النظام في العلم الإيراني. كما وصل هذا التمرد إلى لاعبي المنتخب الرسمي، وامتنعوا عن ترديد النشيد الوطني في المباراة الأولى له في مونديال قطر 2022.

بالتالي، يمكن تفسير أو وصف معارضة الرياضيين كونها رفضا للنظام السياسي لحكم الملالي برمته، ومن ثم كل هذا القمع الذي لم يقضي على هذه الحركة الاحتجاجية، بجانب انضمام كافة فئات المجتمع الإيراني لهذه التظاهرات، ليس سوى تأكيدا على نهاية أيدولوجيا “الولي الفقيه” وسط عالم متحرر وأبعد من متخيل هذا النظام.

الردود الدولية

منذ اندلاع الاحتجاجات الإيرانية وتوسعها في أنحاء البلاد، وما قابله من قمع ووحشية من قبل السلطات الإيرانية، أعربت الولايات المتحدة وكذلك دول أوروبية، عن قلقها العميق إزاء ممارسات أجهزة الأمن في طهران تجاه الاحتجاجات السلمية، بجانب تزويد الإيرانيين بخدمات الإنترنت، على خلفية انخفاض الاتصال بالإنترنت في أجزاء مختلفة من البلاد، والتي لا تزال أداةَ طهران المحببة لإسكات شعبها وتقليل وسائل الإعلام العالمية ووصول الجمهور إلى الاحتجاجات في الداخل.

قد يهمك: قلق من تصعيد عسكري في المنطقة.. ما تأثير حرب إيران – إسرائيل على الخليج العربي؟

كذلك، كانت ولا تزل هناك انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية دولية، لعل أبرزها “منظمة العفو الدولية” والتي توثق الممارسات القمعية ضد المتظاهرين في إيران، وكشفت عن جرائمه ضد المعتقلين قسرا، ولا سيما الذين واجهوا عقوبات الإعدام بمحاكمات “صورية” ودون أي وجه حق.

مع تنامي القمع الممنهج، بما فيه عقوبة الإعدام، التي تم توظيفها سياسيا من قبل النظام الإيراني تجاه الاحتجاجات الشعبية، طالت العقوبات الأممية مسؤولين وكيانات اقتصادية إيرانية. وعلى الرغم ما تشير إليه الحقائق والأرقام الاقتصادية من خسائر هائلة في الكثير من القطاعات المالية المرتبطة بالطاقة، بجانب المؤسسات الحكومية، ومنها “مكتب المرشد ووزارة النفط والدفاع والاستخبارات والأمن الوطني والبنك المركزي”، إلى جانب “الحرس الثوري” غير الحكومية، إلا أن طهران، التي تعتبر العقوبات بمثابة حرب نفسية يبدو وكأنها تمتص كل مرة هذه الضربات المتلاحقة والمتراكمة، ولكن كل هذه الضربات من كل بد أنها تضر بهذا النظام من الداخل بشكل كبير، وإن لم تظهر نتائجها بشكل مباشر.

مؤخرا، وقعت 30 سجينة سياسية في إيران بينهن الباحثة الفرنسية الإيرانية فريبا عادلخاه، وابنة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، مذكرة نشرت، يوم الأحد الفائت، تطالب بوقف إعدام المتظاهرين. وجاء في النص الذي تلقت وكالة الصحافة الفرنسية نسخة منه “نحن السجينات السياسيات في جناح النساء بسجن إوين بطهران، نطالب بوقف إعدام المتظاهرين وإنهاء الأحكام الجائرة بحق السجناء في إيران”.

النص أضاف “مهما كانت معتقداتنا الدينية والسياسية وأصولنا، حكم علينا جميعا بالسجن لمدة 124 عاما بعد محاكمات غير عادلة وغير شفافة. وهو ما يعادل أجيالا عدة من الحياة البشرية”.

بحسب منظمة “حقوق الإنسان في إيران”، وهي منظمة غير الحكومية ومقرها أوسلو، قتل ما لا يقل عن 481 شخصا في الاحتجاجات و109 أشخاص في الأقل مهددون بالإعدام على خلفية ما شهدته المدن الإيرانية من تحركات، مع تنفيذ حكم الإعدام شنقا بأربعة. وتعترف طهران بمئات القتلى بينهم عناصر من قوات الأمن. كما أحصت الأمم المتحدة 14 ألف حالة اعتقال في أربعة أشهر من التظاهرات التي بدأت في العام الماضي.

جراء كل هذه السلوكيات القمعية وتمدد إيران في عدائها سواء إقليميا أو دوليا، اتجه الاتحاد الأوروبي قبل مؤخرا، إلى إدراج “الحرس الثوري الإيراني” على قائمة الإرهاب التابعة للاتحاد الأوروبي بسبب قمعه للمتظاهرين وتزويد روسيا بطائرات مسيّرة.

في المقابل، حذرت إيران من الرد بالمثل على تصويت البرلمان الأوروبي لإدراج “الحرس الثوري” على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية والدعوة إلى فرض عقوبات عليه، وفق ما أكد وزير خارجيتها حسين أمير عبداللهيان.

منظمة “الحرس الثوري” تشكل بعد وقت قصير من قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، لحماية النظام الديني الشيعي الحاكم وتوفير ثقل مقابل للقوات المسلحة التقليدية. ويتبع الحرس الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي وله نحو 125 ألف مقاتل في وحدات برية وبحرية وجوية.

كما ويقود الحرس أيضا ميليشيا “الباسيج” وهي قوة من المتطوعين موالية للمؤسسة الدينية وتُستخدم في كثير من الأحيان لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة. ونفذت قوة “الباسيج” هجمات على الاحتجاجات الشعبية الإيرانية الأخيرة. ويقول محللون إن متطوعي “الباسيج” قد يصل عددهم إلى الملايين، منهم مليون عضو نشط.

التداعيات الداخلية والإقليمية

إن الاحتجاجات الإيرانية، التي تعد مختلفة تماما عن سابقاتها، تحمل في طياتها عدد من الدلالات والتداعيات تعكسُ تشابك العوامل، التي أدت إلى اندلاعها وردود الأفعال حولها، وسيظهر ذلك داخليا على مستوى النظام السياسي ومخرجاته، والعلاقة بين مكونات المجتمع الإيراني وعلاقتها بالسلطة السياسية، فضلا عن الضغوط الخارجية التي كانت إيران في غنى عنها.

لعل أهم هذه الدلالات والتداعيات، هي هواجس النظام الإيراني بشأن الهوية الثقافية والثورية، لا سيما وأن النخبة الحاكمة الإيرانية تعد مسألة الحجاب جزء لا يتجزأ من هوية إيران ما بعد الثورة الإسلامية، وأن أي تنازل عن تقنين فرضيته، وإلزام لبسه في المجال العام، سيؤدي حتما إلى حدوث خلل في تلك الهوية والثقافة، لصالح الثقافة/الهيمنة الغربية، وبالتالي بات هذا الرفض الشعبي لسياسات النظام الملالي، يشير إلى هشاشة النظام وتآكل حواضنه بسبب إخفاقاته المتعددة، على مستويات اقتصادية واجتماعية، ودينية، فلم يبقَ أمامه سوى الحلول الأمنية.

هذا بجانب التغاضي عن جملة الأزمات التي تواجه البلاد ولعل أبرزها الوضع الاقتصادي والسياسي المأزوم، والتركيز على مسائل الفقه والأيديولوجيا التي تثير المعارك الجدلية في الداخل الإيراني والشيعي لصرف الأنظار عن إخفاق النظام في تدبير شؤون الناس، وبالتالي فإن احتواء الاحتجاجات في المستقبل يبدو صعبا للغاية، خاصة وإن هذه الاحتجاجات من العوامل التي تساهم في توسيع الهوة بين المؤسسة الدينية عموما والمجتمع الإيراني، وتكشفُ تآكل الشرعية الدينية للنظام الحالي، هذا بالنسبة إلى التداعيات والأبعاد في الداخل الإيراني.

أما بالنسبة لدول الإقليم، سبقت هذ الاحتجاجات، جولات من الحوار السعودي الإيراني، عُقد معظمها في العاصمة العراقية ولم تحرز الكثير. ومع تضييق المتظاهرين الخناق على النظام صدرت عدة تصريحات من سياسيين في طهران تعلن عن الرغبة في التعاون مع الرياض، تزامنت مع تصريحات أخرى تناقضها، من مسؤولين عسكريين إيرانيين، تهدد السعودية وتتهمها بالتورط في الأحداث الداخلية.

لكن، يبدو أنه لا يوجد، بعد، ما يشير إلى أن السلطات الإيرانية تعتزم الانسحاب من مناطق الأزمات التي خلقتها، مثل اليمن. وعدم حماس الجانب الخليجي، السعودي تحديدا، يعود إلى التشكيك في جدية القيادة الإيرانية، التي يهمها فقط تأمين ظهرها وهي منشغلة تحاول السيطرة على أزمتها الداخلية دون أن تساهم في وقف حمامات الدم التي تسببت فيها في المنطقة. في اليمن، الحد الأدنى من التوقعات، أن تنهي تدخلها، وتسمح للحل السلمي للعمل على نهاية الحرب. والحل هو أن يسمح لجماعة “الحوثي” بأن يشاركوا في النظام السياسي والحكم مع بقية مكونات البلاد.

طهران التي لطالما سعت إلى تصدير أيديولوجيتها، تفقد الآن هذه القوة الدولية. وبالتالي، ستؤثر أي تغييرات داخل إيران بشكل مباشر في الديناميكيات الإقليمية. كقوة وسطى إقليمية، لا تزال إيران تمارس نفوذا كبيرا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وعدم الاستقرار السياسي داخليا سيخلف تداعيات خارجية على هذه البلدان. وفي نهاية المطاف، قد يدفع المزيد من عدم الاستقرار إيران إما إلى التخلي عن نفوذها الكبير في هذه الدول أو إعادة استثماره. وسيكون لأي من النتيجتين تأثير كبير على المسار المستقبلي للسياسة هذه الدول الأربعة.

قد يهمك: زيارات أميركية إيرانية لبغداد.. تحوط استراتيجي في سياسة طهران تجاه واشنطن؟

في إقليم كردستان العراق، أدت الاحتجاجات الإيرانية المستمرة إلى المزيد من التدهور في العلاقات بين إيران وإقليم كردستان، حيث، تخشى إيران من أن تصبح أربيل/هولير منصة للولايات المتحدة لمراقبة العراق وإيران وسوريا. ونتيجة ذلك، حولت إيران إقليم كردستان العراق إلى ساحة معركة حيث هاجمت مجموعات المعارضة ووجهت أيضا رسالة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، وفق تحليل لـ”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى“.

كما أن طهران تلوم الأكراد الإيرانيين للتحريض على الاحتجاجات وإدامتها، وصرح مسؤولون عسكريون أنه تم اعتقال 100 شخص على صلة بهذه المعارضة الكردية في إيران حتى الآن. ستستمر هجمات إيران على إقليم كردستان العراق بلا شك، ومن المحتمل أن تستخدم إيران هذه الاحتجاجات كذريعة لاحتلال مناطق من إقليم كردستان العراق وإنشاء قواعد عسكرية، كما فعلت تركيا في إقليم كردستان وشمال سوريا في السنوات الأخيرة.

كذلك، ربما تقوم إيران باستخدام الميليشيات الشيعية العراقية كورقة أخرى ضد إقليم كردستان العراق، أو قد تطلب من الحكومة العراقية حماية الحدود بين إقليم كردستان العراق وإيران عبر نشر قوات عراقية بدلا من قوات إقليم كردستان العراق. ومن المحتمل دفع الحكومة الجديدة في بغداد إلى التصعيد ضد كردستان، وتحديدا ضد “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، أحد الأحزاب الكردستانية الرائدة التي لا تتمتع بعلاقات وثيقة مع طهران مثل “الاتحاد الوطني الكردستاني” المنافس. وستكون لهذا التلاعب تداعيات كارثية على إقليم كردستان العراق والعراق.

الأمر ذاته  ينطبق على أكثر من عشرين جماعة تعمل بالوكالة عن إيران في سوريا، والتي تلقت حوالى 15 مليار دولار من إيران لأغراض التجنيد والتدريب والتجهيز بالمعدات. وعلى الرغم من أن إيران تزود هذه الجماعات بالأموال والرواتب الشهرية وحتى حقوق المواطنة والإقامة في إيران، إلا أنه نظرا لطبيعة العلاقة التبعية بشكل متزايد، والتي تكون فيها الجماعات بالوكالة ملزمة عمليا بخدمة إيران، أصبح من الصعب التنبؤ بتصرفات هذه الجماعات وباتت أقل موثوقية، لا سيما وبعد أن نُشر تقرير مؤخرا لقناة “العربية” يوضح بأن طهران قامت بسحب بعض عناصرها من الميليشيات الموالية لها من “آل ضويحي” السوريين من الأراضي السورية، بغرض دورة عقائدية على منهج “الولي الفقيه”، ولتدريبهم على الأسلحة المتطورة كالمسيرات وغيرها.

بالتالي، فإن سوء وضع النظام الإيراني داخليا سوف ينعكس سلبا على سوريا، بالنظر إلى تدخلها الواسع هناك، وجر البلاد إلى المزيد من الخراب والتعقيد.

أما الوضع في لبنان فسيكون أيضا تعيسا مثل سوريا واليمن والعراق، ولكن إذا ضاق على حكم الملالي داخليا، فمن الممكن القبول بخيار التوافق بين القوى السياسية في بيروت، و حل أزمة الشغور الرئاسية، لكن هذا لا يعني أن الواقع الاقتصادي المتدهور هناك سيتحسن. بل على العكس، قد تتبلور الأمور نحو مستويات أكثر تعقيدا وصعوبة، بحيث يصبح خارج السيطرة.

التبعات والأبعاد الدولية

في الوقت الذي تجلس طهران في الزاوية الضيقة، التي وضعتها فيها الاحتجاجات الشعبية، تريد التهدئة الخارجية المؤقتة. ولهذا سعت لاستئناف المفاوضات مع الجانب الأميركي في الأردن، وسعت كذلك لاستئناف الحوار مع الرياض. إلا أن الضغوط عليها زادت نتيجة تورطها في الحرب الأوكرانية، بعدما اتضح أنها زودت روسيا بالطائرات المسيرة، التي استخدمتها بشكل مكثف ضد التحالف الغربي، ما دفع الحكومات الأوروبية لفرض المزيد من العقوبات على طهران واعتبارها شريكا في الحرب. وبالتالي دخول ملف المفاوضات النووية إلى مسارات معقدة ولا يعرف متى يمكن لأطراف الحوار أن يجلسا على طاولة المفاوضات بشكل جدي، ولا سيما الجانب الإيراني الذي يراوغ في كل مرة لكسب الوقت وليس أكثر من ذلك.

من حيث موقف كل من الصين وروسيا، فإنهما لا يزالا على علاقة جيدة مع إيران، اعتقادا منهم بصلابته، وقدرته على البقاء لعقود مقبلة. الدافع نفسه الذي ساهم في امتناع القوى الغربية، وكذلك إسرائيل، عن مواجهة مباشرة، هو خشيتهم من قوته الميليشياوية والأيدولوجية في الداخل.

لذا يمكن القول بأن بكين، الممول الأكبر للاقتصاد الإيراني، وموسكو الحليفة العسكرية، يرون أن النظام الإيراني يعاني داخليا. لكنهم سيظلون داعمين له إلى أن يصبح ورقة مهترئة بيدهم، مثل ما حصل مع السلطة الموجودة في دمشق حاليا.

خلاصة واستنتاجات

بالنظر إلى انحسار التظاهرات الإيرانية في الشوارع على مستوى البلاد منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، فيما تسعى السلطات إلى قمع الاحتجاجات بأساليب من بينها تسليط عقوبة الإعدام وتنفيذها حتى الآن في أربعة مدانين على خلفية أحداث مرتبطة بالتظاهر، لكن الغضب الشعبي الإيراني لا يزال يشكل تهديدا محتملا للنظام الإيراني في ظل الأزمة الاقتصادية بالبلاد.

إن المسارات الثورية عادة ما تنطوي على مراحل متعاقبة من الهدوء النسبي والزخم، فمع التراجع الكبير في قيمة الريال الإيراني منذ مطلع العام الجاري، يمكن توقع احتجاجات مدفوعة بالوضع الاقتصادي قد تتحول بسرعة إلى تظاهرات سياسية كما حصل سابقا، وسط غياب أي أفق لتسوية الخلافات مع الغرب بشأن الاتفاق النووي، وعودة الولايات المتحدة لتشديد عقوباتها على إيران، حيث تتعدد عوامل الغضب والاحتقان، وتتزايد الهوة بين النظام الذي يسعى إلى تطبيق قواعد ثقافية ودينية صارمة، بينما لا يهتم بتحسين معيشة المواطنين.

هذه الاحتجاجات صحيح أنه تراجع زخمها خلال الفترة القليلة الماضية، لكن الواقع المثقل بالأزمات يرجح أن تعود التعبئة الاجتماعية من جديد مع أي حادثة مماثلة في المستقبل، أو قرار من جانب الحكومة، خصوصا أن سلسلة من الاحتجاجات الفئوية مستمرة منذ سنوات، وهي تعكس تنامي الغضب بين العديد من فئات الشعب الإيراني.

بالتالي، ومع بروز الاحتجاجات الإيرانية على مدار الأشهر الأربعة الماضية وأكثر، بات جليا أن إيران تتغير، ولا يمكنها أن تعود إلى ما كانت عليه قبل التظاهرات الحالية، ويوجد تغيير حقيقي، ويشير مراقبون باحتمالية أن تصبح إيران مثل الحالة السورية، الفوضى شبه الكاملة دون انهيار النظام الكامل. أو الحالة السوفييتية، انهيار الدولة وبقاء النظام. أو الحالة الصينية، انهيار الأيديولوجيا وبقاء الدولة والنظام. لكن غير معروف عمق هذا التغير بعد، وقد لا يظهر نتائجه خلال السنوات العشر المقبلة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة