ضرب زلزال مزدوج في 6 فبراير/ شباط الجاري 10 مدن تركية ومناطق شمال سوريا، وبلغت قوة الأول 7.7 درجات، بينما بلغت قوة الثاني 7.6 درجات، إضافة إلى آلاف الهزات الارتدادية العنيفة ما خلف خسائر كبيرة بالأرواح والممتلكات في البلدين، ومنذ وقوع الزلزال توالت المساعدات الدولية لمساندة تركيا، وأرسلت أكثر من 99 دولة حول العالم المساعدات العينية، كما أرسلت بعض الدول فرق إنقاذ للمساهمة في عمليات الإنقاذ في المناطق التي ضربها الزلزال.

الزلزال ألحق دماراً هائلاً في عشرةِ مدنٍ تركية ولاسيما مدينتي أنطاكيا، وكهرمان مرعش اللتين تجاوز حجم الدمار فيهما 50 بالمئة من المناطق السكنية. ومن المتوقع أن يتجاوز عدد الأبنية التي تضررت من الزلزال مئات الألوف مما قد يؤدي إلى تشريد الملايين.

بحسب الأمم المتحدة فمن المتوقع أن يعاني 13 مليون إنسان من تداعيات الزلزال في تركيا، لاسيما بعد تضرر البنية التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي، وبحسب منظمة الصحة العالمية قد ينتشر عدداً من الأمراض في مناطق الزلزال، كل هذه المعطيات تثقل كاهل الحكومة التركية في التعامل مع الفاجعة، فحجم الدمار كبير ويصعب على دول أن تتحمله، مما يضع الحكومة في وضعٍ صعبٍ، خصوصا وأن المعارضة بدأت منذ اليوم الأول لوقوع الزلزال بتحميل الحكومة مغبة عدم القدرة على احتواء الازمة، فما التداعيات المحتملة على الاقتصاد التركي.

التداعيات الاقتصادية

وضعت العديد من المؤسسات الدولية تقديرات لحجم الخسائر مثل وكالة “بلومبيرغ” المتخصصة، ومجموعة الأعمال التركية “توركونفاد”، والذين قدروا الخسائر بـ87 مليار دولار، وهذا الرقم يساوي تقريبا 10بالمئة من حجم الناتج القومي الإجمالي، وقد يكون هذا الرقم غير صحيح لأن خسائر البنية التحتية وعدد الأبنية المدمرة لم يُحصى بشكل كامل بعد، إضافةً إلى أن أجزاءً من البنية التحتية تحتاج لإعادة تهيئة.

الأهم من ذلك كله، لم يعرف حتى الآن إلى متى ستتوقف المدن العشر المتضررة من الزلزال عن الإنتاج الصناعي والزراعي والقيام بعمليات التصدير. كما تهدد الكارثة أيضاً بتضرر الإنتاج الزراعي للمنطقة المتضررة، والذي يمثل حوالي 15 بالمئة من إجمالي الإنتاج الزراعي للبلاد، ويمكن أن يؤدي تراجع الإمدادات الزراعية بدوره إلى زيادة تضخم أسعار الغذاء في تركيا، والذي بلغ 71 بالمئة في كانون الثاني/يناير من العام الحالي.

من المحتمل أيضًا أن يتأثر حجم التجارة الخارجية لتركيا، نظرًا للاضطرابات في النشاط الصناعي والنقل والخدمات اللوجستية التي دمرها الزلزال، إلى جانب فقدان القوى العاملة التي اضطرت للانتقال إلى المدن الآمنة.

في عام 2022، بلغت قيمة الصادرات من المحافظات الـ 10 التي ضربها الزلزال 21.5 مليار دولار، وتمثل 8.5 بالمئة من إجمالي الصادرات التركية، بحسب بيانات رسمية. حيث شكلت غازي عنتاب نصف هذه الصادرات، تليها مقاطعة هاتاي التي يتواجد فيها ميناء اسكندرون والذي يعمل كحلقة وصل لدول الشرق الأوسط بقيمة 4.1 مليار دولار من الصادرات.

كما أن الاضطرابات في النشاط الصناعي والتجاري ستعني أيضًا تدفق عائدات ضريبية أقل إلى خزائن الدولة، وقد أرجأت الحكومة بالفعل جميع الالتزامات الضريبية في المنطقة حتى نهاية تموز/يوليو القادم. وتُظهر البيانات الرسمية أن المدن العشر المتضررة ساهمت بنسبة 7.5 بالمئة من عائدات الضرائب التركية البالغة 2.3 تريليون ليرة (122.1 مليار دولار) العام الماضي.

هزات في اقتصاد تركيا الهش

عودة الإنتاج في تلك المناطق يترتب عليه العديد من الحسابات، وتأخر العودة يعني خسارة أكبر، والعودة السريعة يعني تدارك للخسارة. أيضا العودة مرتبطة بقدرة الدولة على إعادة الاستقرار والبناء في المدن المدمرة، وعودة المواطنين والقوى العاملة.

كما يقع على عاتق الدولة تكاليف إضافية مثل نفقات المعيشة لملايين الأشخاص المتضررين من الزلازل، فقد وصل إجمالي عدد سكان المنطقة إلى 13.4 مليون، وسيحتاج قسم كبير منهم إلى دعم الدولة لتلبية احتياجاتهم الأساسية مثل الطعام والسكن والتدفئة، بالإضافة إلى النفقات الطبية والتعليمية، كما سينعكس الزلازل على قدرة الأشخاص على العمل والاستهلاك، وحتى الآن خصصت الحكومة التركية مبلغًا أوليًا قدره 5.3 مليار دولار لإغاثة المتضررين.

المنطقة المتضررة تعد من أهم المناطق الاقتصادية في البلاد بعد المناطق المحيطة بإسطنبول، وسيكون الانتعاش تدريجيًا ولن يحدث قبل عام 2024، مما يعني أن النشاط الاقتصادي على المستوى الوطني سيتباطأ أيضًا. لذلك من الممكن خسارة 2.0-2.5 بالمئة من النمو، مما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي لتركيا سينمو بمعدل 0.0-1.0 بالمئة فقط في عام 2023.

كما قد يؤدي الزلزال إلى انخفاض طفيف في نصيب الفرد من الدخل القومي. تركيا كانت تتوقع في برنامجها الاقتصادي متوسط الأجل أن يبلغ إجمالي الناتج المحلي 867 مليار دولار في عام 2023، مما يعني أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سيبلغ 10.071 دولارًا وهو هدف من غير المرجح تحقيقه الآن نظرًا لاحتمال زيادة ضعف الليرة. لذلك من المرجح أن ينخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المقاطعات التي ضربها الزلزال والمدن الاخرى.

آفاق نمو الاقتصاد التركي بعد الزلزال 

هناك نقطة في غاية الأهمية لابد من التنويه لها، قد تؤجل تركيا تنفيذ بعض المشاريع الدولية؛ مثل رغبة الدولة في أن تكون مركز وسوق دولي لتصدير الغاز، لأن الدولة تحتاج لبناء نقطة تجميع للغاز في مدينة أدرنة لتكون مركز تصدير للدول الأوروبية.

المشروع الثاني في مدينة سينوب على البحر الأسود، فكانت الدولة في صدد البدء في بناء محطات نووية لتوليد الكهرباء. وقد يؤدي انشغال تركيا في تداعيات الزلزال على الأصعدة المختلفة إلى تأجيل تنفيذ تلك المشاريع.

في النتيجة ستعمق تداعيات الزلزال من أزمات الاقتصاد التركي الذي كان في الأصل يعاني من مشاكل على مستوى انخفاض قيمة العملة وعلى مستوى السياسة النقدية.

لذا من المحتل أن تعيش تركيا عجزا تجاريا لم تشهده البلاد خلال حقبة الرئيس أردوغان، وذلك بسبب توقف المدن العشر عن الانتاج والتصدير، كما ستتحمل الدولة جزءا كبيرا من تكلفة إعادة ما دمر في المدن العشر، مما سيشكل عباءً كبيراً على موازنة الدولة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.

الأكثر قراءة