الأزمات الاجتماعية التي تشهدها دمشق تتوالى جراء الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث بدأت تطل برأسها، أزمة جديدة تتعلق بالارتفاع الجنوني والحاد لأسعار الإيجارات والشقق السكنية في البلاد، بعد فشل كل الجهود الحكومية لتجاوز ذلك.
بحسب المعطيات، فإن موجة جنونية من ارتفاع أسعار الإيجارات، وصفها سوريون بـ”العار” والخطيئة الكبيرة، إذ كان متوسط إيجار الشقة في أغلى مناطق دمشق بحدود 40 ألف ليرة شهريا قبل عام 2011، لكنها الآن تصل إلى الملايين ولن يقلّ إيجارها اليوم عن 8 ملايين شهريا.
هذه الزيادة الكبيرة في أسعار الإيجارات تضع الكثير من السوريين في مأزق، حيث لا يستطيعون تحمّل هذه الزيادة، مما يدفعهم إلى البحث عن سكن أقل تكلفة، أو إلى مغادرة منازلهم. وعلى الرغم من أن أزمة السكن في سوريا ليست جديدة، وتفاقمت في السنوات الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية، إلا أن أنها تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي.
الحد الأقصى للراتب لا يؤجر شقة
سوريا تشهد في الآونة الأخيرة هجرة جماعية للعمال والموظفين من المدن الرئيسية إلى الأرياف. ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار الإيجارات في المدن الرئيسية، والتي باتت تفوق القدرة الشرائية لمعظم الناس.

ففي دمشق، على سبيل المثال، يبلغ متوسط سعر إيجار شقة صغيرة 500 ألف ليرة سورية شهريا. وهذا المبلغ يعادل ما يقرب من 50 دولار أميركي، وهو مبلغ كبير بالنسبة لمعظم الناس، الذين يتقاضون رواتب شهرية لا تتجاوز 100 ألف ليرة سورية.
نتيجة لارتفاع أسعار الإيجارات، بات من الصعب على الكثير من الناس في المدن الرئيسية تحمّل تكاليف المعيشة. ولذلك، بدأوا في الهجرة إلى الأرياف، حيث تكون أسعار الإيجارات أقل.
محمد، وهو عامل في مدينة دمشق، قال لـ”الحل نت”، إنه كان يدفع 50000 ليرة سورية شهريا في إيجار شقته. ولكن مع ارتفاع الأسعار، أصبح لا يستطيع تحمّل هذا المبلغ، واضطر إلى الانتقال إلى منزل أصغر في ضواحي المدينة، لأن المؤجِّر طلب منه رفع المبلغ إلى 300 ألف.
من جهته يقول أحمد، وهو موظف في مدينة حلب، لـ”الحل نت”، إنه كان يدفع 70000 ليرة سورية شهريا في إيجار شقته. ولكن مع ارتفاع الأسعار، أصبح لا يستطيع تحمّل مبلغ 600 ألف ليرة الذي طلبه مالك البيت مؤخرا، واضطر إلى الانتقال إلى منزل أصغر في إحدى القرى المجاورة.
هذه الظاهرة تُعتبر من الظواهر الخطيرة التي تهدد مستقبل المدن الرئيسية في سوريا، فإذا استمرت هذه الظاهرة، فستصبح هذه المدن عبارة عن مدن أشباح. ويبدو أن الحكومة غير قادرة على حلّ هذه المشكلة، لأنها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة.
نتيجة لأزمة السكن في سوريا، بات الكثير من الناس يعيشون في ظروف صعبة. فبعضهم يعيش في الأحياء العشوائية، التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وبعضهم الآخر يعيش في منازل ضيقة ومكتظة.
مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، كشفت أن أزمة السكن في سوريا هي واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه البلاد. إذ ستؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية، مثل الفقر والبطالة والجريمة. مشيرة إلى أن أزمة السكن تدفع الناس إلى الهجرة إلى الخارج، مما يتسبب بفقدان البلاد لثرواتها البشرية.
ارتفاع بنسبة 300 بالمئة
أزمة السكن في سوريا تطرح العديد من الأسئلة، حول جدوى السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة، وحول مدى قدرة الحكومة على حلّ هذه الأزمة التي تتفاقم يوما بعد يوم. حاولت الحكومة السورية التدخل في حل أزمة السكن، من خلال إصدار قانون يحدد سقفا أعلى لأسعار الإيجارات، ولكن هذا القانون لم يحقق أي نتائج، حيث واصل أصحاب العقارات رفع أسعار الإيجارات بشكل جنوني.

يبدو أن أسعار الشقق السكنية قد ارتفعت كثيرا في السنوات الماضية، ولكن في الواقع لم ترتفع الأسعار، بل يمكن القول إنها انخفضت كثيرا. ومن المثير للدهشة أن الغالبية من الناس يتعاملون مع أصحاب الشقق السكنية وكأنهم “مصاصو دماء” يستغلون الأزمة لتحقيق أرباح فاحشة.
بحسب موقع “غلوبال نيوز” المحلي، فإن الناس يتناسون أن عددا كبيرا من المواطنين تعتمد شققهم السكنية على مصدر دخلهم الوحيد ولتأمين مستلزمات حياتهم اليومية. والدليل على ذلك أن الأشخاص الميسورين ماديا لا يؤجّرون شققهم ولا يبيعونها ويبقونها مغلقة، بل إن الكثيرين منهم يملكون عدة شقق لم تطأها أقدامهم منذ سنوات.
مثلما قامت الجهات الحكومية والفعاليات التجارية والصناعية وأصحاب الحرف والمِهن، وحتى باعة الأرصفة بتعديل أسعار السلع والخدمات حسب آخر سعر للصرف الرسمي أو الأسود، فمن الطبيعي أن يقوم أصحاب الشقق السكنية أيضا بتعديل بدلات إيجارها وأسعار بيعها حسب سعر الصرف سواء الرسمي أم الأسود.
لكن المشكلة هي تراجع دخل الغالبية العظمى من المواطنين من جهة، وتدهور سعر صرف الليرة من جهة أخرى، وليست في كثرة الطلب وشح المعروض واستغلال الظروف. فنسبة ارتفاع سعر الإيجار تجاوزت أكثر من 300 بالمئة.
إذا كانت الحكومات المتعاقبة رفضت تعديل الأجور والرواتب حسب آخر سعر للصرف، ورفضت بيع سلعها وخدماتها حسب أسعار عام 2010، فعلى سبيل المثال، إذا طُلب من أصحاب الشقق تأجيرها أو بيعها حسب القدرة الشرائية لملايين العاملين بأجر، فإنهم سيستشهدون بوزارة الأشغال والإسكان في مشاريع الادخار والسكن الشبابي والتي رفضت ذلك.
أسباب الأسمنت وتوابعه غير صحيحة
إيجار الشقة في بعض أحياء دمشق ارتفع من 15 ألف ليرة عام 2010 إلى مليون ليرة حاليا. وفي أحياء أخرى تجاوز هذا الرقم بكثير.

قد يبدو أن هذا ارتفاعٌ كبير، ولكن إذا ما تم النظر إلى الأرقام الواقعية، فالقيمة الحقيقية للإيجار قد انخفضت. ففي عام 2010، كان مبلغ الـ 15 ألف ليرة يساوي 320 دولارا. أما اليوم، فيعادل المليون ليرة فقط 108 دولارات في السوق الرسمي، و100 دولار في السوق الموازي.
كان متوسط إيجار الشقة في أغلى مناطق دمشق بحدود 40 ألف ليرة شهريا ما يعادل 851 دولارا، فإذا التزم صاحبها بالقوة الشرائية لإيجارها في عام 2010 فهذا يعني بأن بدل إيجارها لن يقل اليوم عن 8 ملايين شهريا.
بعض الخبراء العقاريين يذكرون أن ارتفاع أسعار الإيجارات يرجع إلى ارتفاع أسعار مواد البناء. ولكن هذا غير صحيح، بحسب الموقع المحلي، فأسعار مواد البناء قد ارتفعت بالفعل، ولكن هذا الارتفاع لم يكن كبيرا بما يكفي لتفسير ارتفاع أسعار الإيجارات بهذا الشكل الكبير.
أما حول حديث الخبراء الآخرين بأن ارتفاع أسعار الإيجارات يرجع إلى زيادة الاستثمار في العقارات؛ ولكن هذا التفسير أيضا لا يمت للواقع بصلة، فسوق العقارات السوري غير جذاب للاستثمارات حاليا، والأسعار مرتفعة للغاية، والمخاطر كبيرة.
الحقيقة بحسب ما خلُصت إليه التقارير الصحفية، هي أن ارتفاع أسعار الإيجارات يرجع إلى الأزمة الاقتصادية التي تمر بها سوريا. فانخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار قد أدى إلى خفض القدرة الشرائية للمواطنين. وهذا جعل من الصعب على الكثير من الناس إيجاد سكن ملائم، فالسكن أصبح حلما للمواطن السوري.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

