خريفية لم تثنها رياح الحياة – جائزة الحل للإبداع الصحفي

  • تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة القصة الصحفية (المركز الأول) للصحفية اليمنية، أمة الرحمن العفوري. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).



    في محطة نقل الركاب خط لحج – عدن، تقضي الخالة جمعة سلمان (85 عاما) معظم وقتها، تصحو لحج الخضيرة وبساتين الحوطة والحسيني على صدى كلماتها المعتادة التي تستجلب بها الركاب “شيخ _ شيخ”.

    هكذا بدأ المشهد عندما قررت جمعة منذ سنوات طويلة تحدي الثقافة الذكورية، وكسر الاحتكار الذي فرضه المجتمع من خلال امتهان مهن لم تترك فيها حصة للنساء، بافتراض عدم قدرتهن على أدائها، حتى بات هذا الاحتكار يشكل صورة نمطية عشنا معها طويلا، فعرفت اليوم بأول امرأة تعمل في هذه المهنة “الكراني” أو كما يعرف “محصّل باصات”.تن

تحديات وإصرار

لم يكن الطريق أمام الخالة جمعة سهلا ومكللا بالورود، فواجهت من الصعوبات والتحديات ما يجعلها طريحة الفراش، لكنها أبت إلا أن تقف بثقة وتقتحم هذا المجال بعزيمة فريدة رغم كبر السن، فهناك أسرة بأكملها تحمل مسؤوليتها وهو ما أثقل كاهلها ماديا.

 “الشغل مش عيب”، شعار جعلته نصب عيناها كلما شعرت بالإحباط تجاه نظرة المجتمع لها ونعتها بأوصاف الرجل؛ كونها أول امرأة يمنية تعمل في هذه المهنة “كرّاني”.

تحرص الخالة جمعة أن يكون عملها  متقنا، فهي ترتّبُ حافلات النقل في الفرزة بحسب الدور، وتحصيل النقود، وتجميع الركاب مع الاهتمام بالنساء بشكل خاص، وذلك باختيار المقاعد المناسبة لهن، فهي تنبض بالإنسانية رغم واقعها الملغوم بأشكال العنف كافة ضد المرأة، والذي تواجهه وغيرها كل يوم.

تستمر في سرد قصتها منذ بدايتها، فتقول بأنها عملت ضمن قوات تابعة لوزارة الدفاع سابقا منذ عام 1971، ثم عملت كحارسة في الاستهلاكي، بعدها انتقلت إلى معسكر العند، وثم إلى الأمن، وما تزال حتى اليوم تعمل برتبة ضابط في الأمن، لكن مرتبها الذي يصل إليها بعد أشهر طويلة، جعلها تعتمد اعتمادا كليا على عملها في محطة الباصات، رغم عدم تقدير عملها من قبل سائقي الباصات، وما تواجهه من قلة احترام رغم سنها الذي يحتم على الجميع احترامها.

“هذه لقمة العيش التي كتبها الله لي العيش عليها، وسط الباصات لا أحدَ يعطيك وأنت جالس”، تقول الخالة جمعة. لقد أجبرتها ظروفها على اقتحام مهنة تخص الرجال في مجتمع ترسخت فيه بعض الثوابت والأعراف الخاصة والمتعلقة بالمهن التي كانت حكرا على الرجال، ثم أصبحت المرأة تجيدها من أجل تحقيق الاستقلالية الذاتية، وأثبتت جدارتها في سوق العمل، و أن من حقها أن تنافس الرجل فيما أتاح لها العرف، ومساواته في الحقوق والواجبات. 

ساعات عمل طويلة

تحسست مفاصل رجلها قائلة: “أعاني من ألم في مفصلي نتيجة السقوط المتكرر بين الباصات”، فهي تقف ساعات طويلة متنقلة بين الباصات غير مبالية بمتاعبها وصحتها، وتعود إلى بيتها لتنتظرها أعماله المنزلية، فتجد نفسها في معمعتها حتى تنتهي منها.

بأنفاس متقطعة ونبرة أسى تقول الخالة جمعة: “من كثرة التعب والإنهاك لم أعد أشتهي أن آكل شيئا”. 

أجبرت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي أفرزتها الحروب والصراعات، العديد من النساء اليمنيات للعمل بمهن الرجال، كمهنة الحلاقة، والبائعات المتجولات، وغيرها لكسب لقمة العيش الحلال، وإعالة أسرهن، ليحافظن على كرامتهن من اللجوء إلى التسول، أو طرق الكسب غير المشروعة أمثال جمعة.

أثمار خان، مدربة في النوع الاجتماعي تقول: “إن الشغل عمره ما كان عيبا، وطالما أن المرأة تعمل بشرف؛ أفضل لها بكثير من أن تمد يدها للآخرين، وتهان وتقلل من نفسها”.

من جهة أخرى يقول أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة “تعز”، محمود البكاري “طبعا من حيث النوع الاجتماعي تستطيع المرأة أن تقوم بالكثير من الأعمال التي يقوم بها الرجال، وخاصة التي لا تتطلب مجهودا بدنيا شاقا، وقد أثبتت النساء أنهن أكثر قدرة على تحمل ضغوط العمل من الرجال”.

يضيف “المرأة لها وظيفة منزلية باعتبارها ربة أسرة، وأم أطفال تفرض عليها الصبر والتحمل للمسؤولية، ولذلك فإن ما يعتبره بعض الناس من الأعمال معيبا أن تقوم به النساء هو حُكم خاطئ على قدرات النساء، وللمرأة أن تقوم بالعمل الذي ترغب به، سواء في الزراعة أو غيرها من أعمال النساء في الريف، أو في الوظائف الإدارية أو الصناعية أو التجارية أو الأمنية، كل ذلك متاح ومناسب للمرأة، فقط ربما يكون العمل في المجال العسكري أكثر صعوبة على المرأة، وعدم تقبله من المجتمع، ما عدا ذلك فإن ما يقوم به الرجل من أعمال يمكن أن تقوم به المرأة، والمسألة في الأخير هي قرار شخصي تتخذه المرأة فيما يناسبها من المهن والأعمال”.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم