لا يمرّ أسبوع في سوريا إلا والصواريخ الإسرائيلية تضرب عدة مواقع في أغلبها تكون ضمن ملاك الجيش السوري، ما تسفر عن وقوع ضحايا عسكريين. وما ينص عليه القانون السوري، أن الجندي في الجيش السوري، والذي يُقتل خلال أدائه الخدمة العسكرية، يتم تعويض ذويه بمبلغ مالي وراتب مستمر لأولاده؛ فضلا عن المزايا التي يحصل عليها أبناؤه في التعليم والوظائف.
إلا أن ذلك خلال الأعوام الفائتة يبدو أنه قد ذهب أدراج الرياح، خصوصا وأن أعداد القتلى من عناصر الجيش السوري في تزايد، فيما تعاني ملايين الأسر من خسائر بشرية ومادية جراء الحرب التي أودت بحياة نحو نصف مليون شخص، وأجبرت أكثر من 12 مليون شخص على النزوح داخليا أو خارجيا، وتركت آثارا مدمرة على البنية التحتية الخاصة في البلاد.
بالاستناد إلى مصادر موثوقة وإحصائيات رسمية وشهادات من داخل سوريا لـ”الحل نت”؛ هناك قوانين وقرارات لدى الجهات المعنية بهذا الشأن، وفروق بين المتضررين من الأطراف المختلفة. حيث أصبح الموت بصواريخ العدو لا تعويض له.
الجنود والمتضررون آخر أولويات الحكومة
تعويضات الحرب في سوريا هو موضوع حساس ومهم، فهو يتعلق بحقوق الملايين من السوريين في استعادة حياتهم وكرامتهم بعد سنوات من المعاناة. كما أنه يشير إلى مسؤولية الحكومة في دعم جهود إعادة الإعمار لدى المتضررين من المواطنين.

المؤتمر الصحفي لوزير الإدارة المحلية والبيئة حسين مخلوف، أمس الثلاثاء، آثار استياء العديد من الأُسر السورية، سواء التي فقدت أحد أفرادها في القصف الإسرائيلي، أو المتضررين بسبب الأعمال العسكرية والزلزال الذي ضرب سوريا في شباط/فبراير الفائت.
مخلوف أكد على دعم وتعويض المتضررين من الزلزال واستراتيجية أولويات العمل، ولكن بالنسبة للمنازل المرخصة سيتم منح مبلغ وقدره 160 مليون ليرة سورية، ويعطى على دفعتين الأولى عند تقديم الرخصة، والثانية عند تصديق عقد المقاولة أي أن المتضرر سيحصل على كامل الدعم قبل بدء العمل.
هذا التصريح آثار حفيظة ذوي القتلى بالصواريخ الإسرائيلية، والمتضررين من أصحاب المنازل والمحلات والمعامل والمصانع جراء الحرب، والذين قدموا كامل الثبوتيات منذ كانون الأول/ديسمبر 2016، حيث يرون أن الأضابير أصبحت بالأدراج منسية نتيجة مرور سنوات عديدة عليها.
التساؤل الذي طرأ مباشرة خلال المؤتمر الصحفي، متى سيُصرف التعويض لذوي العناصر والمتضررين لبناء منازلهم التي لا زالت تنتظر الفرج، أم أن هؤلاء باتوا آخر أولويات الحكومة.
حكومة بلا أموال
في 7 آب/أغسطس الجاري، أفاد التلفزيون الرسمي السوري بمقتل 4 جنود سوريين وإصابة 4 آخرين في هجوم صاروخي إسرائيلي على محيط العاصمة دمشق. وخلال الأعوام الماضية، شنّت إسرائيل مئات الضربات الجوية في سوريا، وارتفع عدد القتلى بحسب بيانات غير رسمية وصلت لـ”الحل نت”، إلى 800 جندي سوري منذ عام 2015.

طبقا لمصادر مختلفة في وزارة الإدارة المحلية والدفاع السورية، فإن المرسوم الدستوري رقم 19 لعام 2022 الصادر عن رئيس البلاد، ينص على تقديم تعويض مالي لكل جندي قتل أو أصيب خلال خدمته في الجيش السوري، سواء بالخطأ أو خلال أدائه لمهام حربية، أو ضمن معارك يخوضها الجيش داخل البلاد وخارجها على حد سواء.
ومن المفترض أن يحصل ذوو قتلى الجيش النظامي على تعويض يتراوح بين 800 ألف إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية تقررها وزارة الدفاع، في حين أخذت هذه التعويضات طابعا أهليا من خلال “جمعية البستان الخيرية” التي كان يرأسها رجل الأعمال رامي مخلوف، حيث كانت تمنح ذوي القتلى والجرحى مبالغ لم تزد عن 25 ألف ليرة سورية على فترات متباعدة.
من ثم عبر منظمّات تخضع لإشراف كبار الشخصيات في دمشق مثل “مؤسسة الشهيد” و”مؤسسة العرين” اللتين تعملان تحت مظلة أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري. حيث تقدّم “مؤسسة العرين” التي حلّت مكان “جمعية البستان الخيرية” لذوي بعض القتلى مبالغ شهرية تتراوح بين 30 – 45 ألف ليرة سورية أي نحو 2 – 3 دولارا أميركيا، دون وجود أي معايير تحدد قيمة المبلغ.
فيما أقرّت رئاسة مجلس الوزراء، تعويضا شهريا للجرحى المتضررين بنسبة من 40 بالمئة فما فوق بمبالغ شهرية تتراوح بين 80 – 120 ألف ليرة سورية في حالة العجز الكلي لعشرة أعوام. إلا أن هذه التعويضات لم تسلّم لجميع ذوي القتلى خلال الأعوام الماضية، وقطعت عن البقية منذ بداية العام الجاري، بسبب العجز المالي لدى الحكومة.
القصة بسبب مراقبة مكتب الإمارات
عدة ممارسات ارتكبتها الحكومة وفق مصادر “الحل نت”، أدى إلى اعتماد الإمارات أول مكتب تنسيقي لها للمساعدات الخارجية في سوريا، حيث صرح مساعد وزير الخارجية الإماراتي لشؤون التنمية والمنظمات الدولية، سلطان محمد الشامسي، أن مهمة المكتب هو تعزيز العمل المؤسسي لحوكمة المساعدات الخارجية، لضمان فعاليتها للمستفيدين، والمتابعة المستمرة للمشاريع والبرامج.

بحسب المصادر التي تحدثت لـ”الحل نت”، فإن تأخير بناء المنازل للمتضررين بسبب الزلزال، وتحويل خطوط المساعدات إلى جهات متنفذة تقدمها حسب “الواسطة والمحسوبية”، فضلا عن الفساد الذي حصل خلال توزيع المساعدات ووصولها للمتاجر وبيعها في الأسواق، أجبر الحكومة الإماراتية على افتتاح المكتب.
من جهته كشف الصحفي السوري، كنان وقاف، الاثنين الفائت، عن صور جديدة من مدينة طرطوس، تفيد بوجود أطنان من المساعدات الإنسانية التي أرسلتها دول الإمارات، والهند، والصين، وإندونيسيا، خلال كارثة الزلزال التي ضربت عدة مناطق في سوريا في شباط/فبراير الفائت، دفنت فيها.
اكتشاف حِزم المساعدات تم بالصدفة من قبل بعض الأطفال الذين يلعبون في منطقة “أومريت” التابعة لمحافظة طرطوس.
تم دفن هذه المواد لانتهاء صلاحيتها بعد تخزينها لفترة طويلة دون توزيعها، حسب تواريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية على العبوة.
أيضا تشير الكتابات على العبوات إلى أنها سلمت إلى السلطات السورية عبر منفذ ميناء اللاذقية من قبل الدول التي زودتها.
سبب دفنها في منطقة أومريت؛ لأنها مصنفة موقعا أثريا من قبل وزارة السياحة حيث يمنع الحفر أو البحث هناك. ويرجح أن تكون المواد مدفونة هناك لمنع أي شخص من الجرأة على الحفر أو البحث في هذه المنطقة لتجنب المساءلة.
من حيث الجوهر، يبدو أنه لا توجد لدى الحكومة السورية أي خطط لتعويض من قتلتهم ما تسميها صواريخ العدو الأول لها، أو إعادة الإعمار أو تعويض المتضررين في سوريا، ما لم يكن هناك مؤشر واضح على حل سياسي شامل. وبالتالي، سيضطر المتضررون للانضمام إلى النازحين في المخيمات أو الكفاح من أجل تحمّل غلاء المعيشة في البلاد، ولا يمكن إنكار أن هذا الإجراء سيكون له عواقب وخيمة على سوريا.

