وجها لوجه.. من يتحمل مسؤولية غلاء الأسعار في سوريا؟

غلاء الأسعار في سوريا
غلاء الأسعار في سوريا

غلاء الأسعار هو واحد من أبرز المشاكل التي تواجه المواطنين السوريين في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تضرب سوريا منذ سنوات، فالأسعار تشهد ارتفاعات مستمرة وغير مسبوقة في تاريخ البلاد، ما أثّر سلبا على مستوى المعيشة والرفاهية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب السوري.

إجابة الأسئلة المحورية والتي تتبادر إلى أذهان الكثيرين، حول مَن يتحمل مسؤولية غلاء الأسعار في سوريا، وهل هي الحكومة التي تلعب دورا رئيسيا في تحديد السياسات الاقتصادية والنقدية والضريبية والتجارية، أم هو الفساد الذي ينخر جسد القطاعات المالية والتجارية ويسهّل التلاعب بالأسعار والسوق السوداء، أو هي الليرة السورية التي تعاني من انهيار كبير في قيمتها محليا ودوليا وتزيد من معدل التضخم، ما تزال ضبابية لدى المسؤولين، في حين أن إجابتها معروفة لديهم.

هل للحكومة دور؟

بمجرد اتخاذ الحكومة قرارات رفع الدعم عن العديد من السلع الأساسية في منتصف آب/أغسطس الفائت، ارتفعت أسعار مختلف السلع في السوق بنسب كبيرة، وانتشرت في الأسواق فوضى التسعير التي انعكست إما بارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الأساسيات، وإما في لجوء العديد من المتاجر إلى الإقفال إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

اليوم ندخل إلى عالم يسكنه الكثيرون، حيث يعاني الناس من مشكلة لا تعرف حدودا جغرافية داخل البلاد، وهي مشكلة غلاء الأسعار، في سوريا كما في العديد من الأماكن الأخرى، يُعتبر غلاء الأسعار تحدّيا يؤثر على الحياة اليومية للكثيرين، ويطرح تساؤلات حول مَن يتحمل المسؤولية عن هذه الأوضاع المعقّدة.

إن تصاعد غلاء الأسعار في سوريا ليس مجرد مشكلة بقعة محلية معينة، بل هو جزء من تحديات تؤثر على الناس في جميع أنحاء المحافظات السورية، فالأسعار داخل البلاد تتأثر بمجموعة معقدة من العوامل والأسباب، بعضها داخلي وبعضها خارجي، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي، بعضها موضوعي وبعضها ذاتي.

طبقا لمؤشر “قاسيون” المحلي، لتكاليف المعيشة، فقد ارتفع وسطي تكاليف المعيشة لأُسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، ليقفز إلى أكثر من 10.3 مليون ليرة سورية أما الحد الأدنى فقد وصل إلى 6.489.694 ليرة سورية، بينما ارتفع الحد الأدنى للأجور ظاهريا ليصل إلى 185.940 ليرة سورية أي أقل من 12.6 دولار شهريا.

طبقا لما حصل عليه “الحل نت” من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، فإن الحكومة السورية تلعب دورا رئيسيا في غلاء الأسعار من خلال عدة إجراءات وقرارات اتخذتها في السنوات الأخيرة، والتي تؤثر على الاقتصاد والنقد والتجارة والموازنة. 

بعض هذه الإجراءات والقرارات هي رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والمياه والخبز وغيرها من السلع الأساسية، ما يزيد من تكاليف الإنتاج والنقل والاستهلاك للمواطنين والمنتجين والتجار، وإصدار قرار رقم 1070 في عام 2022، الذي يُلزم المستوردين بتمويل مستورداتهم عن طريق شركات الصِرافة المختصة، ما يسبب ضغطا على سوق الصرف ويقلل من العرض ويزيد من الطلب على العملات الأجنبية.

علاوة على ذلك، طباعة كميات كبيرة من النقود دون تغطية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع معدل التضخم، وفرض ضرائب و رسوم وغرامات على القطاعات الاقتصادية والتجارية والمهنية، ما يزيد من العبء المالي على المواطنين والمنشآت ويقلل من الحوافز للإنتاج والاستثمار.

وأخيرا، عدم اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة الفساد والمحسوبية والسوق السوداء، والتي تسهّل التلاعب بالأسعار و المضاربة والاحتكار والتهريب.

 الفساد في القطاعات المالية والتجارية

كثُر الحديث بين التجار وأصحاب المحال في سوريا عن قضية الضرائب، ووصولها إلى أرقام باهظة وقاصمة للظهر، ونرى تلك الشكايات خصوصا في قطاع المطاعم والوجبات السريعة والشعبية. 

العديد من أصحاب المطاعم الشعبية يشكون من ارتفاع الضرائب مؤخرا بشكل كبير، محذرين من حالات الإغلاق العديدة جراء عدم القدرة على دفع الضرائب من جهة، وعلى مواجهة ارتفاع مستلزمات العمل من جهة ثانية. 

تعقيبا على ذلك، أكد أمين سر جمعية المطاعم في اللاذقية، عمار أحمد، تسجيل حالات إغلاق مؤخرا وعدم تجديد سوى 5 أعضاء من الجمعية من أصل 400 عضو بسبب صعوبات العمل نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وعدم القدرة على تأمينها إضافة للارتفاع الضريبي الجنوني سواء من البلدية أو من المالية. 

في حديثه بخصوص الضرائب، ذكر أحمد أن الضرائب ارتفعت نحو 1000 بالمئة، مبينا أن ضرائب المالية دخل مقطوع كانت في السابق 8 آلاف ليرة ثم ارتفعت إلى 100 ألف ليرة، وحاليا إلى مليون ليرة والبعض تصل ضريبته إلى مليون ونصف المليون، معتبرا أنها باتت ضربا من الخيال. 

بحسب حديث الخبير الاقتصادي، ماجد الحمصي، لـ”الحل نت”، فإن الفساد في القطاعات المالية والتجارية يؤدي إلى غلاء الأسعار بعدة طرق، أبرزها أنه يسهل الفساد التلاعب بالأسعار والمضاربة والاحتكار والتهريب، ما يخلق نقصا في السلع والخدمات ويزيد من الطلب عليها، وبالتالي يرفع الأسعار.

كما أنه يقلل الفساد من الإيرادات الضريبية للدولة، ما يضعف قدرتها على تمويل الإنفاق العام والاستثمار في البنية التحتية والتنمية، ويدفعها إلى الاقتراض وزيادة الدين العام، ما يرفع تكاليف الاقتراض ويزيد من الضغط على الليرة.

فضلا عن أن الفساد يقلل من الثقة في الحكومة والمؤسسات والقانون، ما يؤثر سلبا على الاستثمارات الداخلية والخارجية والنمو الاقتصادي، ويزيد من الفقر وعدم المساواة والاحتجاجات الاجتماعية.

عدم قبول الليرة محليا ودوليا

حسب المعلومات التي وصلت لـ”الحل نت”، فإن أحد العوامل التي تساهم في غلاء الأسعار في سوريا، هو عدم قبول الليرة السورية محليا ودوليا، وتراجع الطلب على الليرة وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، ما يضعف قيمة الليرة ويزيد من معدل التضخم.

هذا بدوره أدى إلى تزايد الصعوبات في استيراد السلع والخدمات الضرورية من الخارج، بسبب عدم توفر العملة الصعبة أو ارتفاع سعرها، ما ينعكس على نقص في العرض وارتفاع في الأسعار، وهذا كان نتاجه تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية للمواطنين السوريين، الذين يجدون صعوبة في تحويل أموالهم أو تلقي حوالات من الخارج، أو في السفر أو الدراسة أو العلاج خارج البلاد.

في النهاية تظهر النتيجة أن غلاء الأسعار في سوريا يعود إلى مجموعة من الأسباب المعقدة، وهناك عدة جهات تتحمل مسؤولية هذه الأزمة، من بين هذه الجهات، يأتي دور الحكومة في مقدمة القائمة، حيث تلعب دورا رئيسيا في توجيه السياسات الاقتصادية والتجارية وضمان استقرار الأسعار، ولكن هناك أيضا عوامل أخرى مثل الفساد في القطاعات المالية والتجارية، وعدم قبول الليرة السورية على الصعيدين المحلي والدولي، والتي تلعب دورا حاسما في تفاقم المشكلة.

رامز الحمصي

رامز الحمصي

الرئيس السابق لتحرير موقع "الحل نت"، صحفي مختص بالمواجز التحليلية والتحقيق في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشّأن السّوري وسياسات الشّرق الأوسط….

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم