في خضم الاضطرابات وتصاعد المواجهات في غزة بين إسرائيل وحركة “حماس”، فضلا عن الضربات الإسرائيلية على نقاطٍ تابعة لـ”حزب الله” في لبنان، وبعض التحركات الإيرانية بسوريا، فإن روسيا ودولاً أخرى مثل الصين وتركيا، لا تنفك عن استغلالها لأي ظرف كان لصالحها. ويبدو جليا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يسعى إلى صرف انتباه العالم عن غزوه لأوكرانيا، من خلال بثّ التصريحات التحريضية، بأن فشل الغرب، وخاصة واشنطن، يقف وراء كل هذا العنف حاليا في الشرق الأوسط.

ولا شك أن مكسب بوتين من إبعاد الضوء عن الحرب المستمرة في أوكرانيا، هو انشغال الغرب بدعم إسرائيل في مواجهة الأطراف والميليشيات المتحالفة مع إيران. بمعنى آخر، أن يُعاد توجيه بعض إمدادات الأسلحة الغربية إلى إسرائيل، نتيجة الوضع في الشرق الأوسط في مقابل نقص الدعم عن أوكرانيا، وبالتالي استغلال الوضع ومن ثم توجيه ضربات ضد جارتها الغربية وتحقيق ما تطمح إليه منذ سنوات.

لكن يبقى التساؤل الذي يطرح نفسه هنا: هل سيتمكن بوتين من تحقيق ذلك؟ وما مدى انشغال الغرب فعليا بالاضطرابات في غزة والمنطقة بشكل عام حتى تبتعد بوصلة اهتمامهم عن أوكرانيا، وأخيرا ما تداعيات التصعيد المستمر في غزة على الحرب الروسية الأوكرانية.

روسيا تحرّك خطوطها وأدواتها

منذ اندلاع الصراع في غزة، وروسيا تقوم ببث خطابات تحريضية، تؤجج الرأي العام، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، تجاه الولايات المتحدة، وتحمّلها مسؤولية كل ما يحدث حاليا في القطاع، ويفسّره المحللون أن موسكو حاولت تقديم هذه الصورة بغية تعزيز موقفها في المنطقة على حساب واشنطن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- “سبوتنيك”

كما تقدّم نفسها كوسيط يريد السلام للمنطقة، متناسية أنها الطرف الأساسي في استمرار الحرب المأساوية في سوريا، بجانب أنها شنّت غزوا شاملا لجارتها الغربية، وبعد حوالي 20 شهرا، تسببت الحرب الروسية في أوكرانيا بالموت والدمار على نطاق باغت العالم أجمع.

فضلا عن تزايد حدّة الصراعات والاضطرابات السياسية في القارة الإفريقية عبر ميليشياتها “فاغنر”، ودعم الجماعات المتطرفة، والمساهمة في إحداث الانقلابات في عدد من دول القارة السمراء، ولعلّ حرب السودان خير دليل على ذلك.

وقد قال بوتين قبل أيام، إن الحرب بين إسرائيل و”حماس” أظهرت “فشل سياسة واشنطن في الشرق الأوسط”، معتبرا أن إقامة دولة فلسطينية “أمر ضروري”. هذا فضلا عن تقديم مشروع “غير متكامل” في “مجلس الأمن الدولي” لوقف إطلاق النار في غزة، وهو ما لم يلقَ نجاحا.

كذلك، عند وقوع انفجار في مستشفى “المعمداني”، سارعت موسكو بمطالبة “إسرائيل، وبمشاركة شركائها الأميركيين، تقديم صور بالأقمار الصناعية تُثبت عدم تورّطها في الضربة على المستشفى الأهلي المعمداني، في مدينة غزة”، وهو ما يعني أنها تريد أن تُثبت للعالم صورة أن إسرائيل ومن خلفها يرتكبون “جرائم”، متناسية مرة أخرى أن طائراتها قصفت العديد من المراكز الطبية والحيوية في سوريا، فضلا عن قصفها المتواصل حاليا على المدنيين في شمال غربي سوريا.

علاوة على ذلك، حرّكت موسكو آلتها الإعلامية من كل الجهات، إذ ثمة مجموعة من السياسيين والكتّاب الصحفيين والدبلوماسيين ينشطون على وسائل الإعلام المتعددة، وخاصة العربية، وفي هذا الصدد، وصلت لموقع “الحل نت”، مقالات من باحثين روس يودّون أن تُنشر موادهم التي تتمحور محتواها حول إدانة إسرائيل ومن خلفها بأنهم يقومون “بتدمير ممنهج وإبادة متعمدة للسكان المدنيين”، غير ذاكرة أن هدف تل أبيب هو تدمير “حماس”، وقد نفّذت الأولى ضربات عدّة ضد “حماس وحزب الله” وبعض النقاط في سوريا، حيث النفوذ الإيراني هناك.

تدعيما لهذه الفرضية، فقد قال الدبلوماسي الروسي قسطنطين غافريلوف لصحيفة “ازفستيا” الموالية لـ”الكرملين”: “أعتقد أن هذه الأزمة ستؤثر بشكل مباشر على مجريات العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا وأن رعاة الأوكران سيتشتت انتباههم بفعل الصراع في إسرائيل. وهذا لا يعني أن الغرب سيتخلى عن الأوكرانيين. لكن حجم المساعدات العسكرية سينخفض.. ومسار العملية قد ينقلب سريعا لصالح روسيا”.

لكن يبدو أن ما تطمح إليه موسكو لن يتحقق، بالتزامن مع الاجتماع الأخير لمجموعة عمل “رامشتاين” المؤلفة من العسكريين الغربيين الداعمين لأوكرانيا بقيادة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، الذي أعلن في 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري حزمة مساعدات جديدة، وأكد أن الالتزامات تجاه أوكرانيا لن تتأثر بالمساعدات المقدّمة لإسرائيل. وحاول المعلّقون الروس تصوير المأزق الذي وصل إليه “مجلس النواب الأميركي” نتيجة الخلافات العميقة داخل الطبقة السياسية في واشنطن حول حجم التمويل لأوكرانيا.

هذا وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، اليوم الجمعة، أن القيادة الأميركية “تجمع العالم معا”، وأخبر الأميركيين ليلة الخميس أنه يجب على البلاد تعميق دعمها لأوكرانيا وإسرائيل في خضم حربين دمويتين مختلفتين إلى حدّ كبير ولا يمكن التنبؤ بهما.

وأصرّ بايدن في خطاب نادر من “البيت الأبيض” على أن هذه الصراعات تظل “حيوية للأمن القومي الأميركي” بينما كان يستعد لمطالبة “الكونغرس” بمساعدات عسكرية بمليارات الدولارات لكلا البلدين. ومن المتوقع أن يطلب 105 مليارات دولار، بما في ذلك 60 مليار دولار لأوكرانيا، وسيعمل معظمها على تجديد مخزونات الأسلحة الأميركية المقدّمة في وقت سابق.

كما سيطلب 14 مليار دولار لإسرائيل، و10 مليارات دولار للجهود الإنسانية غير المحددة، و14 مليار دولار لإدارة الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك ومكافحة تهريب “الفنتانيل”، و7 مليارات دولار لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتي تشمل تايوان، وفق وكالة “أسوشتيد برس” الأميركية.

روسيا لا تريد حربا شاملة

ويقدّر بعض المحللين أن حالة عدم الاستقرار المدروسة بعناية تخدم روسيا ربما، أي تشتيت الانتباه عن أوكرانيا، وهنا ستكون روسيا مستفيدة على المدى القصير عبر تحقيق أهداف تكتيكية، لكنها لن تستفيد من حرب شاملة بين إسرائيل وإيران تجرّ المنطقة إلى حرب واسعة النطاق، وبالتالي هناك، يجب على موسكو أن تردّ الدّين المستحق لإيران، حيث ساعدتها الأخيرة في غزوها لأوكرانيا، بالصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار “المسيّرات”، وهذا سيضع علاقتها مع إسرائيل عند مستويات صعبة، وبالتالي تضرر مصالحها ونفوذها في سوريا من جهة، وقد تأخذ إسرائيل خيار تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا وهو ما سيشكّل ضغطا كبيرا على موسكو.

في هذا الإطار، يقول الباحث في الشأن الروسي، ديمتري بريجع لموقع “الحل نت”، لا أرى بأن روسيا تستفيد من الصراع في غزة، لأن هذا ليس في مصلحة روسيا، ومن المعروف أن هناك قوى وأطراف أخرى لها مصلحة على مستوى ما في إطالة أمد الصراع أو تفخيخ الوضع، مع الأخذ في الاعتبار أن الكل يتخوّف من أن يحدث امتدادٌ لنطاق الصراع ويشمل دول مجاورة وهو ما سيكون له آثار سلبية على العالم بالمجمل وليس فقط الشرق الأوسط، نظرا لتشابك و تعقيد العديد من الملفات، سواء سياسية أو اقتصادية، وبالتالي استمرار الصراع في المنطقة ليس لمصلحة أي طرف كان.

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي تصاعدا للصراعات والأزمات، وتبدو هذه الأحداث بوضوح في الصراع بين إسرائيل و”حماس”. ومن المعروف أن الولايات المتحدة تلعب دورا كبيرا في الشرق الأوسط ولها تأثيرٌ كبير على توجّهات الصراعات والسلام في المنطقة.

قطاع غزة- “وكالات”

يمكن أن تكون تداعيات هذه الأحداث على العلاقات الدولية مكمن قلق كبير. الولايات المتحدة لها دور مؤثّر حيث تتحرك في ضوء حلفائها بالمنطقة ومنها إسرائيل لبناء علاقات توازن بهدف صناعة وتحقيق السلام بين الأطراف المتصارعة، وفق الباحث السياسي.

“شيطنة الغرب”

لا شك أن لبوتين أهدافا براغماتية معينة من تحريك خطوطه الجيوسياسية حول حرب غزة، وبحسب كثير من التقديرات يتمحور ذلك في “شيطنة” الطرف الغربي، خاصة الولايات المتحدة، وهو المشروع الذي يتقاسمه معه بشكل خاص حلفاؤه في الصين وإيران وكوريا الشمالية.

وفي هذا الصدد، ترى تاتيانا ستانوفايا، مؤسسة موقع “آر بوليتيك” (RPolitik) المتخصص، أن الوضع في المنطقة “يساهم في نشر الخطابات التحريضية والمعادية للغرب، من خلال اتهامه بالتسبب بحالة عدم الاستقرار العالمي وإعادة فتح النزاعات التاريخية”، وفق “أ ف ب“.

فيما تحاول موسكو أن تضع أجهزتها الإعلامية والسياسية لخدمة الدعاية ضد الغرب والولايات المتحدة وفق اعتبارات الصراع في أوكرانيا، ثم تخلق من ذلك ازدواجية في المواقف للتشويش على الاعتداءات الروسية وجرائم مختلفة موثقة واستهداف المدنيين وأهدافها في كييف.

وهنا بالرغم أن الموقف الغربي والأميركي الرافض لاستهداف المدنيين في غزة، إلا أن موسكو تتجاهل ذلك لحساب الترويج لفكرة الانحياز لإسرائيل على حساب المدنيين في فلسطين وتتجاهل فصل الولايات المتحدة والغرب بين عناصر التنظيمات المسلحة التابعة لـ”حماس” والمصنّفة إرهابية من جهة والفلسطينيين المدنيين من جهة أخرى وهم الطرف التي تتواصل الجهود لبناء ممرات وملاذات آمنة لهم بعيدا عن الحرب والقصف والتدمير والموت.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.5 2 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات