لم يهنأ العراقيون بمشاهدة الجزء الثاني من مسلسل “عالم الست وهيبة” بعد 26 عاما من عرض الجزء الأول في موسم رمضان الحالي، إذ واجه العمل حملة “سياسية” ممنهجة ضده تسبّبت بجدل شعبي كبير، حتى تأتي الصدمة بقرار قضائي، أوقفَ عرض العمل. 

في التفاصيل، أعلنت محطة “U TV” العراقية قبل فترة وجيزة من حلول شهر رمضان الحالي، عن إنتاج الجزء الثاني من مسلسل “عالم الست وهيبة”، وهو ما قوبل بفرح كبير من العراقيين لارتباط الجزء الأول منه بذاكرتهم بشكل كبير، وما يدلّل على ذلك، أنه مع الساعة الأولى لعرض المسلسل في أول أيام رمضان الحالي، شاهده 4 مليون عراقي/ عراقية من مختلف الأعمار.

ما هي إلا أيام قلائل على عرض المسلسل ومع وصوله إلى الحلقة الرابعة، إلا وخرجت دعوات سياسية تطالب بمنع عرض المسلسل تحت يافطة “دينية”، بذريعة أن المسلسل يسيء إلى الإمام المهدي، وهو (الإمام الثاني عشر والأخير عند الشيعة الإثنا عشرية)، فما علاقة المهدي بالعمل؟ 

المطالبات السياسية بإقصاء العمل: تنفيس عن الفشل بإدارة البلاد؟

أعضاء في مجلس النواب العراقي، يمثلون الجناح السياسي للميليشيات الموالية لإيران، طالبوا بإيقاف بث “عالم الست وهيبة”، حيث رأوا في شخصيات المسلسل إساءة للرموز الدينية بحسبهم، ومقتبسة من “حزب البعث” المحظور في البلاد، إذ هناك إساءة عمدية للرموز الدينية عبر اختيار شخصية البطل (مهيدي أبو صالح)، إذ فيها إشارة واضحة تتضمن الإساءة بصيغة “الكناية والتورية” إلى شخصية الإمام المهدي، كما يقولون.

بعد تلك المطالبات التي وُجّهت إلى “هيئة الإعلام والاتصالات” في العراق، دخل “ديوان الوقف الشيعي” على الخط، وأعلن قبل أيام، عن اتخاذه إجراءات دستورية وقانونية تجاه الإساءة إلى الرموز الدينية في الأعمال الدرامية، حتى أن رجال الذين باتوا يتحدّثون بلغة صريحة في خطبهم بأن مسلسل “عالم الست وهيبة” فيه أغراض مقصودة للإساءة إلى الإمام المهدي.

تلك الدعوات والمطالبات، جوبهت برد فعل معاكس كليا من قبل العراقيين عبر منصات “التواصل الاجتماعي”، خاصة وأن القاصي والداني يعرف حق المعرفة، أنه لا علاقة للمسلسل بشخص الإمام المهدي لا من قريب ولا من بعيد، معتبرين أن ما جرى، هي مسرحية للتستر على فشل السلطة الذريع في حكم البلاد، ولإلهاء الشارع عن قضايا وملفات الفساد المتورطة بها جل الأحزاب السياسية، و”الوقف الشيعي” ليس باستثناء عنها. 

“عالم الست وهيبة” هو مسلسل تلفزيوني عراقي، عُرضت أول حلقة منهُ في عام 1997، بعدها توقف عرض المسلسل لأسباب غير معروفة، ثم أُعيد بث المسلسل في صيف عام 1998. وهو من بطولة كل من فوزية عارف وعبد الستار البصري ومكي عواد -الذي توفي منذ أيام- وغالب جواد وسمر محمد، ومن إخراج الراحل فاروق القيسي وتأليف صباح عطوان.

حكاية المسلسل

قصة المسلسل في جزئه الأول، تحكي عن الممرضة “الست وهيبة” وعالمها في بغداد إبان عقد التسعينيات، ويتناول العمل آنذاك معاناة العراقيين أثناء تلك الفترة من الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد عقب غزو نظام صدام حسين البائد للكويت عام 1990، والذي لم ينتهِ إلا بسقوط نظام صدام في ربيع 2003، حيث يناقش الصراعات الاجتماعية والشخصية، وكذلك السياسية التي يعيشها الأبطال في تلك الحقبة.

اجتمع خيال المؤلف صباح عطوان مع الواقع، لخلق صورة واضحة متكاملة للحياة في ذلك الوقت والتي كانت تحت قوة الظلم والقهر، وهو ما يعرضه عبر الشخصيات المتنوعة بالمسلسل، ويسلط الضوء على مسائل وقضايا هامة تمس الإنسان بمختلف جوانب حياته، بصورة كوميدية ودرامية في آن واحد، وحاز على نجاح كبير، إذ تُوج بذهبية الإخراج من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون في عام 2000.

قصة الجزء الثاني من مسلسل “عالم الست وهيبة”، مختلفة عن الجزء الأول، إذ تناقش المشاكل الذي يمر بها الشباب العراقي في الوقت الحالي من فساد وبطالة وبعض القضايا الاجتماعية الهامة لديهم برؤية مختلفة وجديدة مع  الفنان غالب جواد وبقية الفنانين الذين مثّلوا في الجزء الأول، إذ يدخلون العمل جميعا بإطار جديد وشخصيات امتدادية الجذور لشخصياتهم في الجزء الأول، كما هو الحال مع البطل “مهيدي بن زمزم” في الجزء الأول.

الإشكال الذي من أجله خرجت المطالبات بإيقاف المسلسل، هو أن غالب جواد بطل المسلسل بشخصية “مهدي” يظهر في الجزئين الأول والثاني، بشخصية مجرم سفّاح، ويتعاطى المخدّرات، وهنا استغل نواب عراقيون و”الوقف الشيعي” الأمر، ليقولوا إن المسلسل الهدف منه الإساءة إلى الإمام المهدي، بتصويره “رجل سفّاح وقاتل”، وهي أكبر مسرحية هزيلة يخرج بها أولئك المطالبين بمنع بث المسلسل، لأن لا المنطق ولا العقل يصدّقها.

إيقاف “عالم الست وهيبة”: هل يعود إلى الشاشة؟

بعد هدوء نسبي يوم أمس، وزوال الضجة قليلا، جاءت الصدمة اليوم الاثنين، بقرار من القضاء العراقي، إذ أصدر أمرا ولائيا بإيقاف مسلسل “عالم الست وهيبة 2” بناء على دعوى سبقت عرضه، تقدم بها مؤلف الجزء الأول منه، صباح عطوان، على الشركة المنتجة للمسلسل وقناة (utv) العراقية، بحسب بيان نشره “المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى”.

السيناريست صباح عطوان، كان قد صرح سابقا، بأنه سيقاضي الجهة المنتجة للمسلسل “عالم الست وهيبة 2” بسبب مشكلات في تعديل السيناريو دون الرجوع إليه وأخذ موافقته، إضافة إلى أنه لم يحصل على مستحقاته المالية باعتبارها حقوق مؤلف، وفعلا تقدم بالشكوى لدى “محكمة بداءة الأعظمية” قبل عرض المسلسل، أي قبل حلول رمضان. 

أخيرا، من المقرر عرض مسلسل “عالم الست وهيبة” الجزء الثاني على قناة “يو تي في” العراقية (U TV) خلال شهر رمضان 2024، وينتظره العراقيون بفارغ من الصبر، لكن هل سيحقق ذات النجاح الذي وصل إليه في الجزء الأول؟ تختلف الآراء بين المشككة بنجاحه وبين التي ترى أنه سبنجح على غرار موسمه الأول، غير أن الإجابة الحتمية ستظهر خلال الأيام القادمة عقب بدء عرض حلقات المسلسل المُنتظر. 

أخيرا، المشكلة الآن، أن صدور القرار القضائي بإيقاف عرض مسلسل “عالم الست وهيبة 2″، تزامن مع الحملة الممنهجة ضد العمل تحت زيف الدين، وهذا جعل الكثير من رواد منصات “التواصل الاجتماعي” في العراق، يشكّكون بالقرار القضائي بأنه صدر نتيجة الضغوط السياسية، حتى لو كان الأمر لا يتعلق البتّة بالمطالبات السياسية، وبالنتيجة لم يتبق سوى الطعن بالقرار القضائي والاستئناف، لكن هل سيعود المسلسل للشاشة من جديد؟ الأيام كفيلة بالإجابة على ذلك.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة