تلعب “الجماعة الإسلامية” في باكستان، بوصفها الذراع السياسية الأبرز لـ”الإخوان المسلمين” في شبه القارة الهندية، دوراً وظيفياً حيوياً ضمن الأذرع الإخوانية النشطة حول العالم، منذ أنشأها أبو الأعلى المودودي على نهج حسن البنا، في أربعينيات القرن الفائت.

ظلّ التحالف بين الجماعة الأم في مصر، وذراعها الفعّال في باكستان حاضراً بقوة عبر العقود الماضية، وتجلى ذلك في المواقف الحادة التي اتخذتها الجماعة ضدّ مصر، في أعقاب إزاحة “الإخوان” عن الحكم، إبان ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013. حيث لم تكف الجماعة عن الهجوم على النظام المصري، واتهامه بانتهاك حقوق الإنسان، والالتفاف حول الديمقراطية التي جاءت بالرئيس المعزول، محمد مرسي، وجماعته إلى الحكم في مصر.

يُذكر أنّه في حزيران/ يونيو 2019؛ وفي أعقاب وفاة الرئيس المعزول محمد مرسي، أصرّ عضو الجمعية الوطنية للجماعة الإسلامية، مولانا عبد الأكبر شيترالي، على قراءة الفاتحة بشكل علني في البرلمان، والدعوة بالمغفرة للرئيس المعزول مرسي، وأيّده في ذلك الأمير السابق للجماعة الإسلامية في البنجاب، الدكتور سيد وسيم، وجرى ذلك في مشهد دعائي تحت قبّة الجمعية الوطنية الباكستانية، وشهدت الجلسة التعريض بمصر وحكامها. 

كما أقامت “الجماعة الإسلامية” صلاة الغائب على روح محمد مرسي بمقرها في لاهور، وأمّ سراج الحق، أمير “الجماعة الإسلامية” صلاة الغائب أيضاً في إسلام آباد، قبل أن يخرج في تظاهرة منددة بالنظام الحاكم في مصر.

فلسطين بوابة النجاة للجماعة الإسلامية

مع انفجار الأحداث في قطاع غزة، واستمرار المأساة هناك، وجد سراج الحق أمير “الجماعة الإسلامية” بوابة سحرية لتدشين حملة دعائية، اتسمت بطابع شعبوي، حيث التقى سراج الحق بإسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” في الدوحة، كما ظهر سراج الحق في إيران وإسطنبول، ثم عاد ليقود عدة تظاهرات حاشدة في أنحاء باكستان، دعماً للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي لم يساعد الجماعة على الصعيد الانتخابي، بعد أن خرجت خالية الوفاض، ليقدم سراج الحق استقالته، ويعلن مسؤوليته عن الهزيمة الساحقة في انتخابات الثامن من شباط/ فبراير الفائت.

“الجماعة الإسلامية” نظمت مهرجاناً خيرياً؛ من خلال مؤسسة الخدمة في لاهور، وهي مؤسسة تابعة للجماعة، وتمثل الغطاء الخيري الداعم لأجندتها؛ بهدف التمدد والانتشار.

وسرعان ما التف الأمير ومجموعته حول قرار الاستقالة، بزعم أن الانتخابات تعرضت للتزوير والتلاعب؛ ومرة أخرى عاد سراج الحق ليقود الجماعة، ولم يجد غير القضية الفلسطينية؛ ليستخدمها كأداة وظيفية؛ لاستعادة شرعيته داخل الجماعة، وترميم شعبيته المفقودة على الصعيد الجماهيري.

كان سراج الحق طالب رئيس الوزراء الباكستاني، في أداء شعبوي، بالذهاب لتحرير فلسطين قائلاً: ” إذا كانت لديك الشجاعة، فهذا هو الوقت المناسب للذهاب إلى القدس المحتلة، هذا هو الوقت المناسب للتحرك نحو المسجد الأقصى”. كما وجه خطابه إلى رئيس أركان الجيش الباكستاني، مطالباً إياه بشن الحرب على إسرائيل: ” أقول لقائد الجيش عاصم منير، هذا هو وقت الشرف، والموت الكريم خير من الحياة”.

وفي 15 آذار/ مارس الجاري، قال أمير “الجماعة الإسلامية” سراج الحق، إن غزة تحولت إلى أسوأ سجن في العالم، وبعد أن استعرض الانتهاكات الإسرائيلية، وجه حديثه إلى رئيس الوزراء قائلاً: “ينبغي على رئيس الوزراء أن يتخذ الخطوات التي يتوقعها شعب فلسطين من باكستان؛ من أجل إنقاذ غزة”. مضيفاً: سيتم الاحتفال بيوم القدس في جميع أنحاء البلاد، في يوم الجمعة العظيمة، للتعبير عن التضامن مع شعب فلسطين”. في استمرار للتحركات، التي انقطعت نسبياً بعد السقوط الانتخابي.

“الجماعة الإسلامية” نظمت مهرجاناً خيرياً؛ من خلال مؤسسة الخدمة في لاهور، وهي مؤسسة تابعة للجماعة، وتمثل الغطاء الخيري الداعم لأجندتها؛ بهدف التمدد والانتشار. ولم يفوت سراج الحق الفرصة، من أجل استغلال الحدث سياسياً، والتعريض بالحكومة الباكستانية، عبر خطاب معتاد، قائم على الابتزاز والمزايدة، زاعماً أن زعيم حركة “حماس”، استنجد برئيس وزراء باكستان، مطالباً إسلام آباد، باعتبارها دولة إسلامية نووية، أن تلعب دوراً رئيسياً، والعمل على إنقاذ الفلسطينيين في قطاع غزة، والضغط على المجتمع الدولي من أجل التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار. مدعياً أن الحكومة الباكستانية لم تستجب لمناشدات حركة “حماس”. وقال سراج الحق إن “حكام باكستان بالتواطؤ مع المجتمع الدولي، أعطوا الصهاينة إذناً بمواصلة إبادة الفلسطينيين في غزة”.

اختراق الجبهة المصرية

ربما لم ينتبه كثيرون، إلى تصريحات سراج الحق، أمير “الجماعة الإسلامية”، والذي قال في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إن الجماعة تباشر بجد، عملية جمع المساعدات لإغاثة الفلسطينيين في قطاع غزة، وأنّها أرسلت عضو مجلس الشيوخ عن الجماعة الإسلامية، مشتاق أحمد خان، إلى مصر، للوقف على عملية تدفق المساعدات إلى قطاع غزة، وأن الأخير تباحث مع المسؤولين في الهلال الأحمر المصري، وأنّه موجود بالفعل عند معبر رفح.

وبحسب وسائل إعلام باكستانية، فإن السيناتور مشتاق أحمد خان، مبعوث “الجماعة الإسلامية”، وصل بالفعل إلى مصر، والتقى بالدكتور رامي الناظر، المدير التنفيذي للهلال الأحمر المصري في القاهرة، وفي هذا اللقاء قال السيناتور مشتاق أحمد خان، إن الأطباء الباكستانيين في كافة مجالات الطب مستعدون للقدوم إلى غزة. مضيفاً: “الأمة الباكستانية ستحاول تلبية احتياجات الفلسطينيين، بما في ذلك الأطباء والأدوية والغذاء؛ من خلال منظمات الرعاية الاجتماعية الباكستانية، ومنظمة الخدمة التابعة للجماعة الإسلامية”.

السيناتور مشتاق أحمد خان، مبعوث “الجماعة الإسلامية” مع رامي الناظر المدير التنفيذي للهلال الأحمر المصري

وعلى الرغم من مواقف “الجماعة الإسلامية” المعادية لمصر، وتعريض أميرها بمواقف القاهرة تجاه الوضع في غزة، واتهامه صراحة للنظام المصري بخيانة القضية الفلسطينية، إلّا أنّه، وحسب تأكيدات سراج الحق، فإن الجماعة تعمل على الأرض في مصر، وأن لها موطأ قدم، الآن، في متابعة وتنظيم قوافل الإغاثة المتدفقة عبر معبر رفح.

أمير “الجماعة الإسلامية”، شدّد في 15 آذار/ مارس الجاري، على أن قيادة مؤسسة الخدمة الخيرية، التابعة للجماعة الإسلامية، متواجدة في مصر حالياً، وتشارك في عمليات الإغاثة، وأن المساعدات التي جمعتها الأخيرة وصلت بالفعل إلى غزة، وعليها شعار الجماعة، وقال إن “الجماعة الإسلامية ستواصل العمل من أجل شعب فلسطين”.

موقع “الحل نت” تواصل مع مصدر أمني مصري رفيع، قال إن الهدف الذي تسعى إليه القاهرة الآن، هو وصول أكبر قدر من المساعدات إلى القطاع، ولهذا فإن التدقيق في مصدر هذه المساعدات ليس ضمن الأولويات في الوقت الراهن، مبدياً عدم وجود أي معلومات لديه، حول وجود عناصر تابعة للتنظيم الدولي لـ “الإخوان” من باكستان أو غيرها، عند معبر رفح، لكنّه لفت إلى أن السلطات المصرية تحكم سيطرتها بالكامل على المعبر، وأنها لن تسمح بأي تجاوزات أو رفع شعارات سياسية من قبل أي جماعة أو فصيل.

ويمكن القول إن الأمر يحتاج إلى قدر من التدقيق، ذلك أن المساعدات المتراكمة عند معبر رفح، لن تضيف إليها “الجماعة الإسلامية الباكستانية”، ذلك أن حجم التبرعات الواردة من بعض قرى مصر ونجوعها يفوق أضعافاً، المساعدات المقدمة من بعض الدول الغنية في المنطقة، والخطورة هنا تتعلق بالجاهزية الإخوانية لتوظيف العمل الخيري، والمتاجرة بقضية فلسطين، من أجل العودة إلى مشهد سياسي اعتاد لفظ الإخوان مؤخراً حول العالم.

ولا يمكن بأي حال، أن تغفل القاهرة عن حقيقة الدور الذي تمارسه “الجماعة الإسلامية” في باكستان، باعتبارها أبرز روافد المدّ الإخواني الشعبوي، الذي ينمو ويتضخم عبر استراتيجية الإخوان التقليدية، القائمة على تقديم المساعدات، والمتاجرة بالقضايا الوطنية العادلة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات