كان لزلزال انتخابات الثامن من شباط/ فبراير الماضي، نتائج مدوّية على صعيد “الجماعة الإسلامية”، الذراع السياسية لـ “لإخوان” في باكستان، حيث كانت النتائج المخيبة للآمال، كفيلة بالإطاحة بالرجل القوي، سراج الحق، الذي أعلن تنحّيه عن منصب أمير الجماعة، اعترافاً بالمسؤولية عن الهزيمة الساحقة التي مُني بها مرشّحو الجماعة في الغالبية العظمى من الدوائر الانتخابية في أنحاء البلاد، وبالأخص في مناطق نفوذ “الإخوان” التقليدية.

وبعد وقتٍ قصير من تنحيه، شرع سراج الحق في القيام بمناورة، بمساعدة الجناح الموالي له داخل الجماعة، مدعوماً من مسؤولة الدائرة النسائية، حميرة طارق، ونائبه رشيد نسيم، وعدد من أنصاره داخل مجلس شورى الجماعة، حيث أحال في تصريحاته التالية لإعلان التنحي، على الفساد السياسي، والتزوير الفج الذي لحق بالانتخابات، رافضاً الاعتراف بالنتائج، مطالباً المحكمة العليا بإعادة الانتخابات.

خلافات داخل “الجماعة الإسلامية”

من جهته، شرع مجلس شورى الجماعة في اختيار خليفة للأمير المتنحي، وانحصرت الاختيارات بين نائبه لياقت بلوش، والرجل الثاني في الجماعة، حافظ نعيم الرحمن، أمير كراتشي، والذي لم يتخلَّ عن حلمه في قيادة الجماعة، رغم تجاوزه الثمانين من العمر.

انتخاب حافظ نعيم الرحمن أميراً للجماعة الإسلامية الباكستانية- “alamy”

كل المؤشرات كانت تشير إلى ترجيح كفة نعيم الرحمن، بفضل تاريخه الطويل داخل الجماعة، إلّا أنّ جناح الصقور ضغط بشدة، من أجل وضع اسم سراج الحق بين المرشحين، الأمر الذي أثار حفيظة تيار الشباب، الغاضب من إدارة سراج الحق للملف الانتخابي، وجاء وضع لياقت بلوش ضمن قائمة المرشحين، ضربة قوية لسراج الحق، حيث أدى ذلك إلى تفتيت أصوات التيار الموالي للأمير المتنحي.

وفي مطلع نيسان/ أبريل الفائت، انتهت عملية التصويت داخل الجماعة، وبعد فرز الأصوات، تقرر الإعلان عن الأمير الجديد في 3 نيسان/ أبريل، بعد فرز أكثر من 40 ألف صوت، أرسلها مَن يحق لهم التصويت داخل الجماعة، من خلال ورقة اقتراع سرية، حيث تم توزيع بطاقات الاقتراع على 45 ألفاً و821 عضواً، وتم الإدلاء بنسبة 82 بالمئة من الأصوات، وأعلن المتحدث باسم “الجماعة الإسلامية” قيصر شريف، عن فوز حافظ نعيم الرحمن بمنصب الأمير.

وبحسب مصدر مقرّب من “الجماعة الإسلامية”، فإنّ عملية انتخاب الأمير السادس للجماعة، صاحبتها حالة من الجدل، وسط ضغوط شديدة من الجناح الموالي لسراج الحق، والذي فضّل الابتعاد والسفر إلى المملكة السعودية، بداعي الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، تاركاً مهمة العودة لمنصبه لتيار الصقور داخل الجماعة، والذي يتزعمه نائبه رشيد نسيم، لكن رهاناته فشلت كلها، بفضل تيار الشباب، الذي آثر تغيير القيادة، وبحسب المصدر، فإنّ فارق الأصوات لم يكن كبيراً، وكان من الممكن لسراج الحق حسم النتيجة، لولا أصوات كراتشي والبنجاب، التي حسمت الأمر لصالح نعيم الرحمن.

من جهته، تقبّل سراج الحق النتائج، وقال في رسالة مقتضبة، موجهةً إلى حافظ نعيم الرحمن، إنّ انتخابه جاء تنفيذاً لإرادة الله ومشيئته، داعياً للأمير الجديد بالتوفيق.

التغيير الناعم داخل الجماعة

من جهته، وبحسب المصدر السابق، الذي تواصل مع “الحل نت”، شرع حافظ نعيم في انتهاج استراتيجية التغيير الناعم، والانقلاب الهادئ على سياسات سراج الحق، التي قامت على العِداء المطلق للأحزاب الكبرى في البلاد، وعلى رأسها “حزب حركة الإنصاف”، و”حزب الشعب الباكستاني”، حيث التقى حافظ نعيم، بعد أيام من انتخابه، برئيس “حزب حركة الإنصاف” في السند، حليم عادل شيخ، ونسّق معه انخراط الجماعة مع “حركة الإنصاف” ضمن صفوف المعارضة، كما التقى كذلك بزعيم “حزب الشعب الباكستاني” لنفس الغرض.

وقال أمير الجماعة الإسلامية، إنه ليس لديه أي عداوة مع أي مؤسسة أو أي شخص أو أي حزب في البلاد، وأنّه منفتحٌ على الجميع، وسوف يتشاور مع كل الأحزاب.

وسرعان ما أعلن نعيم الرحمن عن انخراط الجماعة ضمن ما يُعرف بــ “حركة حماية الدستور”، جنباً إلى جنب مع “حركة الإنصاف”، وحركات أخرى، وتمّ تشكيل لجنة تنسيق تتكون من ممثلي الأحزاب المشاركة في التحالف، وشاركت الجماعة في مؤتمر صحفي عقده تحالف المعارضة، في أحد الفنادق في كويتا، وقال لياقت بلوش، ممثل الجماعة في المؤتمر الصحفي، إنّ الجماعة ماضية من أجل النضال لحماية الدستور، والضغط من أجل الإطاحة بالحكومة.

الأمير الجديد، طلب في اجتماع المجلس المركزي للجماعة الإسلامية، بالحفاظ على الهيكل الرئيسي للجماعة، وفضّل عدم مواجهة جناح سراج الحق، في الوقت الحالي.

وفي خطوة أخرى، بدأ نعيم الرحمن في مدّ جسور التواصل مع قيادات “الجماعة الإسلامية” في الخارج، من أجل بناء جبهة داعمة له، تحسّباً لبسط نفوذه على الجماعة مستقبلاً، حيث سارع إلى التواصل مع النائب السابق لأمير “الجماعة الإسلامية الباكستانية”، والسيناتور السابق خورشيد أحمد، والمقيم في المملكة المتحدة، وبحث معه أوجه تطوير النهج السياسي للجماعة.

كما حافظ نعيم الرحمن على أدوات الجماعة التقليدية، من أجل التمدّد والانتشار الشعبي، وأبرزها القضية الفلسطينية، حيث أجرى الأمير المُنتخب حديثاً، اتصالاً هاتفياً مع زعيم حركة “حماس” إسماعيل هنية، معزّياً إيّاه في استشهاد أبنائه وأحفاده.

وأشاد حافظ نعيم الرحمن، بالجهود والتضحيات والصمود الفلسطيني، وقال إنّ شعب باكستان يدعم مجاهدي “حماس”. كما أدى الزعيم المركزي للجماعة الإسلامية، الحافظ محمد إدريس، صلاة الغائب في المسجد الجامع بالمنصورة على أبناء وأحفاد إسماعيل هنية، بطلب من الأمير الجديد.

وتحت قيادة الأمير الجديد، تمّ تنظيم مسيرة كبرى تضامناً مع غزة في لاهور، في 20 نيسان/ أبريل الماضي، للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، وظهر حافظ نعيم في هيئة المناضل الساعي إلى تحرير القدس وكشمير، على نهج سراج الحق.

تحركات حذرة وتغييرات محدودة

أعلن المتحدث باسم “الجماعة الإسلامية الباكستانية”، قيصر شريف، أنّ أمير “الجماعة الإسلامية” المُنتخب حديثاً حافظ نعيم الرحمن، دعا إلى اجتماع مهم للمجلس المركزي في المنصورة، خلال الفترة من 19 إلى 21 نيسان/ أبريل الفائت، وخلال الاجتماع حافظ، نعيم الرحمن، على المنطلقات السياسية التي دشّنها الأمير السابق سراج الحق، الذي حكم الجماعة لنحو (11) عاماً، وقال نعيم الرحمن إنّ “الجماعة الإسلامية” تخوض صراعاً كبيراً منذ 83 عاماً، لكنه على عكس التصريحات الثورية لسراج الحق، قال إنّ الجماعة تسعى للتغيير من خلال النظام الديمقراطي.

كما حافظ الأمير الجديد على الغطاء الديني لأيديولوجيا الجماعة، مؤكداً أنّ “الجماعة الإسلامية” تعتبر ممارسة السياسة عبادة وفرض، وأنّه لا انفصال بين الدين والسياسة.

أمير الجماعة الإسلامية الباكستانية السابق، سراج الحق- “إنترنت”

الأمير الجديد، طلب في اجتماع المجلس المركزي للجماعة الإسلامية، بالحفاظ على الهيكل الرئيسي للجماعة، وفضّل عدم مواجهة جناح سراج الحق، في الوقت الحالي، وبالفعل تمّ تكليف أمير العظيم وميان أسلم، كنائبَين للرئيس مرة أخرى، وهما من الحرس القديم، مع تعيين نائبين جديدين للرئيس هما: الدكتور عطا الرحمن والدكتور أسامة الرازي، وهما من الموالين لحافظ نعيم الرحمن، بهدف إحداث توازن داخل الهيكل الإداري للجماعة. 

نعيم الرحمن اعتمد كذلك أسماء عددٍ من أعضاء الفريق الذي عمل لسنوات تحت إمرة سراج الحق، بما في ذلك قيصر شريف ونذير جانجوا، وحرص بالتحديد على استمالة لياقت بلوش، منافسه على منصب الرئيس؛ من أجل ضبط إيقاع العمل داخل التنظيم، كما حرص أثناء مسيرة غزة، على التنسيق مع حميرة طارق، وهي أبرز الشخصيات النسائية الموالية للأمير السابق، وربما يشهد الاجتماع المركزي القادم بعض التغييرات، لكنّ السنة الأولى، من سنوات ولايته الخمس، لن تشهد على الأرجح تغييرات مؤثرة، كما أنّ سنّ الأمير الجديد (82 عاماً)، ربما يدفعه إلى انتهاج الاستقرار بعض الوقت، لكن ضغط تيار الشباب الذي أتى به، قد يدفعه لاحقاً إلى إحداث ثورة داخل التنظيم، وهو أمر مرتهنٌ بتراخي قبضة الحرس القديم، المسيطر حتى اللحظة على مقاليد الأمور داخل الجماعة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات