يُعد الإعلام من أهم وسائل المساهمة في التغيير، خاصة إذا كان مرئياً ومسموعاً. وهو من أهم وسائل الضغط والضبط الاجتماعي، ناهيك عن أنه قادر على تغيير ثوابت القيمة الموروثة جيلاً بعد جيل. وكمثال لما سنطرحه في هذه الورقة علاقة المجتمعات العربية بالعثمانيين وتمثلاتها لهم عبر ترسبات الذاكرة الجماعية الموجوعة، وقد يتساءل القارئ لماذا الذاكرة الجمعية العربية موجوعة من حُكم العثمانيين على أراضيها؟

بدايةً يجب أن ننوّه إلى بعض النقاط التي نعتبرها مهمّة وأولها هي أن “تاريخ بعض البلدان في الوطن العربي لم يتم ذكر العثمانيين فيه كـ”محتلين”، بل كـ “حاميين”، مثلما حصل في الجزائر وفي تونس اللتان استنجد حكّامهما بالعثمانيين لدرء الحملات الإسبانية على سواحلها خوفاً من احتلالهما رغم أن مخاوفهما قد تحققت وتم احتلالهما وأصبح مجالهما صراعاً بين النفوذَين العثماني والإسباني لينتهي المطاف بفوز الأول على الثاني، وضمّهما لسلطنة الباب العالي ليصبحا بذلك إيّالتين عثمانيتين.

ثانيهما، يجب أن نشير إلى أن كّل تركي هو بالضرورة عثماني لكن ليس كل عثماني هو بالضرورة تركي، بمعنى العثمانيين يمكن أن يكون شركس، ألبانيين، أرمن… وغيرهم من الشعوب الذين تم احتلالهم واستعبادهم وتوظيفهم إما كـ إنكشاريين أو كموظفين وخَدَم في السلطنة أو الإيالات التابعة لها.

لقد كان حُكم العثمانيين في البلدان حُكماً اتّسم بالجور والظلم واستحقار المجتمعات المحلية، وكمثال سنأخذ المجتمع التونسي كعيّنة. فكيف تجلّى الحُكم العثماني في البلاد التونسية؟

الحُكم العثماني في تونس

رغم انصهار العثمانيين سواء كانوا أتراكاً أو مماليك في المجتمع المحلي، خاصة من خلال التزاوج بنساء محليات إلا أن “التونسيين تعاملوا معهم باعتبارهم سلطة أجنبية مهيمنة، والدليل على ذلك أن السلطة ومكاسبها المتنوعة كانت كلها تحت نفوذهم، فلا غرابة أن نجد اليوم “باشا” أو “باي” ترمز بالبلاد التونسية إلى أصحاب الجاه والثروة والتسلّط، لقد ترك الأتراك صوراً قاتمة في المجتمع التونسي بقيت تبعاتها العاطفية إلى اليوم. 

لم يبق من إيالة العثمانيين في تونس إلا اللوحات-“meo”

فالمصادر التاريخية تناولت وحشية الجنود الانكشاريين في تعاملهم مع الأهالي وحتى أصحاب الحكم في عدة فترات، و”من بينها المرحلة المرادية (1631م-1705م) حيث قاموا بإبادة جماعية للعديد من القبائل ومصادرة أملاكهم”، فقد كان تاريخ الانكشارية تاريخاً مظلماً في تونس نظراً لكثرة التمردات والمؤامرات وما صاحبها من انتهاك لـ مرافق البلاد وتنكيلا بالعباد (قتل، سرقة، اغتصاب…)، والتي ترسخت في الذاكرة الجماعية عبر الأمثال الشعبية المتوارثة إلى اليوم والتي تجسّد علاقتهم بالعنصر التركي.

ومن بين هذه الأمثال نجد” تركوا وبيكلوا” بمعنى (خربوا وقاموا بإحلال المصائب) كدلالة على ما أسلفنا ذكره من مؤامرات وثورات، وحتى بعد اندثار الجيش الانكشاري وتعويضه بالكوراغلية (من أب تركي وأم تونسية)، إلا أن التونسيين بقوا يتعاملون معهم على أساس أنهم محتلون، حتى أنهم ينكرون حكم البايات ويرونه مصدراً لنهب الشعب وكدليل على هذا، ثورة علي بن غذاهم، الشعبية العارمة التي اندلعت سنة 1864 ضد حكم الصادق باي، وفيها رُفعت شعارات “لعزل المماليك الأتراك” وإبعادهم عن السلطة بتونس، وهو ما أكده أحمد ابن أبي ضياف بقوله، “ويقال أنهم طلبوا أن لا تتولى عليهم الملوك من الموالي”، وتمت تسمية قائدها “باي العرب نقيضاً لباي الأتراك”.

كما أن الشعب التونسي آنذاك عاش تنكيلاً من قبل السلطة الحاكمة فقد تم إجبارهم على دفع الضرائب وقاموا بسلب محاصيلهم رغم انتشار المجاعات والأوبئة، وقد قاموا أيضاً بهتك الأعراض وسبي الفتيات رغم أنه يُمنع شرعاً سبي المسلمات، كما زادت نقمة التونسيين على حُكم الحسينيون إبان توقيع محمد الصادق باي لمعاهدة الحماية مع فرنسا والتي بمقتضاها تم احتلال تونس. 

كما زادت نقمة التونسيين على الحكم الحسيني بسبب سياسة الانبطاح التي انتهجها مع سلطة الاحتلال، والتي استنتجوا منها أن الأولوية ليست للوطن لأنه ليس وطنهم، ولا للشعب لأنهم يتعاملون معهم كعبيد وإنما الأولية لاستمرارية نفوذهم وسلطتهم حتى وإن كانت صورية، كما العائلة الحسينية لم تناهض السلطة الاستعمارية أو تنتقد ممارستها إزاء الشعب بل يمكن القول إنها وهبتها البلاد والعباد، المهم ديمومتها وهو ما يجسّمه المثل الشعبي التونسي والقائل “أخطى راسي وأضرب” (بمعنى ابتعد عن مصالحي وأمني وكل شيء مباح لك).

وللأمانة التاريخية، الوحيد الذي عارض توجهات السلطة الاستعمارية وساند المقاومة الشعبية هو “سيدي المنصف باي” كما يحلو للتونسيين مناداته تقديراً وعرفاناً لموقفه المشرف في الدفاع عن تونس وهو ما نتج عنه عزله من الحُكم ونفيه من قبل الفرنسيين إلى حين وفاته، لذلك وبمجرد إعلان الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية تم بعدها وبفترة وجيزة وتحديداً يوم 25 تموز/ يوليو 1957 إعلان انتهاء النظام الملكي بتونس واستبداله بالنظام الجمهوري بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، وقد حظيت هذه الخطوة بتأييد شعبي كبير، إلا من الذين كانوا يتمتعون بامتيازات من السلطة الحسينية وأغلبهم ينتمون إما للعائلة أو أن أصولهم عثمانية أيضاً.

وقد قوض الحبيب بورقيبة حضورهم الاجتماعي والسياسي وحتى المذهبي بمعنى أنه لم يعد هناك حضور رسمي للمذهب الحنفي الذي كان مذهب العائلة الحاكمة وكل العثمانيين آنذاك، خاصة بعد توقف العمل بمشيخة الإسلام بشقّيها الحنفي والمالكي، إثر توحيد القضاء سنة 1956، وتعويضهما بـ”مفتي الديار التونسية” دون تحديد لمذهب”، ثم تغيير هذا اللقب إلى “مفتي الجمهورية” وقد تولى هذا المنصب اثنان من الأحناف ذوي الأصول التركية وهما، الشيخ محمد الهادي بن القاضي الحنفي (1970-1976)، والشيخ محمد الحبيب بلخوجة (1976-1984).

التلاعب بـ سيرورة الأحداث عبر “الدراما”

لكن ومع مرور الزمن اضمحلت الحنفية من المجتمع التونسي أمام بقاء المالكية كمذهب للدولة التونسية حتى المساجد الحنفية تم توظيفها للصلاة على قواعد المذهب المالكي. ولذلك عاش عثمانيو تونس حالة من الذوات “الأنانية” والتقوقع، خاصة في ظل الرفض المجتمعي لهم.

سعت الدولة التركية إلى تبييض صورتها القاتمة في المجتمع العربي من خلال تمويل إنتاج دراما تاريخية تركية تلاعبت فيها بسيرورة الأحداث التاريخية.

لكن هذه الصورة تغيرت جذرياً بعد سعي الدولة التركية لتبييض صورتهم القاتمة في المجتمع العربي، من خلال تمويل إنتاج دراما تاريخية تركية اسمها “حريم السلطان” تتناول سيرة السلطان “سليمان القانوني”، وفيها تلاعبوا بسيرورة الأحداث التاريخية.

وهذا طبعاً إلى جانب جمالية المؤثرات الصوتية والتقنية والتشبيك الدرامي في التأثير على العقول العربية التي تأثرت بهذا السياق الدرامي والذي من خلاله بدأ في زعزعت ثوابت الذاكرة الجمعية وتمرير أجندات ترتكز على قضية جداً هامة آنذاك وهي قضية الهوية الإسلامية، ولمعوا صورة سلاطينهم باعتبارهم حاملين لقضية الأمة والدين، خاصة وأن ظهور هذه الدراما تزامن مع ثورات “الربيع العربي” والتيارات الدينية المتشددة التي تُعدّ قضية الهوية والدين إحدى مرتكزاتها الدعوية. 

ومع نجاح هذه الدراما تتالت المسلسلات على غرار مسلسل “قيامة أرطغرل”، ومسلسل “السلطان عبد الحميد” وغيرهم من المسلسلات التي أثّرت في الأوساط الشعبية العربية عامة والمجتمع التونسي خاصة، و يمكن القول إن هذه المسلسلات عدّلت من نظرة النفور للعنصر التركي وحلّ محل هذا النفور حالة من الإعجاب على اعتبار أن الدولة العثمانية تميزت “بصفتها قد أسست وريثة للخلافة الإسلامية و إحياء أمجادها التي عرفت تراجعاً وتشتت كياناتها في العديد من المراحل التاريخية الفارقة، بنجاحاتها في تحدي القوى الأوروبية المتربصة بالمنطقة الإسلامية منذ بداية الحروب الصليبية والتفوق العسكري عليها”.

لقطة من المسلسل التركي “السلطان عبد الحميد”- “إنترنت”

وبالتالي إحياء رمزيات المخزون التاريخي من أمجاد واستنهاض للذاكرة الإسلامية، وهو ما أثّر في الأوساط الشعبية العربية، خاصة منها فئة الشباب التي تعاني عامة من حالة تعطش للماضي الإسلامي بما فيه من قوة وعظمة، مقارنين إيّاها بالوضع المُعاش حالياً وانعكاس الصورة العامة للأمة الإسلامية من وضع القوة الى وضع الاستكانة والتبعية للنُّظم الغربية، وكأن بهذه المسلسلات التاريخية تعيد إحياء هذه العظمة خاصة في العهد العثماني الذي حكم لأكثر من خمسمئة سنة، هو ما جعل المجتمع التونسي يتأثر بهذه المسلسلات ويتخلى عن استبطان الصورة القاتمة المتوارثة تاريخياً للعنصر التركي.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات