ثمة شكّ في جدّية كلّ من إسرائيل و”حزب الله” نحو تحمّسهما للانزلاق إلى عملية عسكرية فيما بينهما والدخول في غمار مواجهة ميدانية، قد يستتبعها تحرّشات إقليمية تدفع العالم لكارثة ثالثة بعد أزمة “كورونا” والحرب الروسية الأوكرانية.
غير أن ذلك لم يمنع “حزب الله” وزعيمه حسن نصرالله وتل أبيب وقادة حكومة الحرب نحو الظهور بوضعية الأصابع على الزناد، في إشارة واضحة للاستعداد الكامل لتلك العمليات الميدانية والمواجهة المفتوحة فيما بينهما.
يبدو هذا الخيط الممتد والمعقّد عبر عدّة إشارات لافتة من الصعوبة إغفالها وغضّ الطرف عنها، مثلما كان الحال مع فيديو عملية “حزب الله” “الهدهد”، والذي بُثّ في منتصف الشهر الماضي حزيران/يونيو. وتضمن لقطات خاصة لشمال إسرائيل من خلال استخدام طائرة دون طيار، بغية رصد أن “حزب الله” يملك معلومات كثيرة عن العمق الإسرائيلي، من خلال رصد بيانات البنية التحتية والأهداف البشرية والعسكرية، سواء برّية أو بحرية.
عرض عسكري مشوّه
فضلاً عن ما نشره “حزب الله” خلال مطلع شهر تموز/ يوليو الجاري من لقطات مصورة لعدد من المدرعات والدبابات والآليات العسكرية في رتل متحرك وعلى أنغام مارشات عسكرية، وذلك نحو استعراض القوة العسكرية وتبيان عتاد الحزب العسكري الذي يؤهله لدخول عمليات عسكرية مفتوحة على غرار ما حدث في العام 2006، إلا أن الكارثة في تفكيك أصل الفيديو.
بكثير من الوضوح يظهر أن ثمة دلالات من بثّ هذه الفيديوهات لدعم حالة التعبئة المحلية صوب اندلاع العمليات العسكرية، وتبيان القدرات القتالية ووضوح بنك الأهداف العسكرية، حتى وإذا كانت مضمون تلك اللقطات المصورة لا يتناسب مع أجواء مسرح الأحداث ولا طبيعة جبهة القتال مثلما هو الحال مع فيديو المدرعات والدبابات الذي بثّه “حزب الله” خلال الأسبوع الماضي.
لكن الفيديو الذي بثّه “حزب الله”، وتداولته منصات إعلامية أخرى، هو جزء من عرض عسكري قديم، جرى على الحدود السورية اللبنانية في منطقة القصير، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2016، وليس داخل الأراضي اللبنانية.
خلال الفيديو تظهر عدة أسلحة وآليات صناعة سوفياتية، جرى تعديل بعضها في سوريا ومنها: مدافع عيار 130 ملم M-46، تم تركيبها على شاحنات، لزيادة سرعة الحركة والقدرة على المناورة أثناء المعركة. ومدافع نوع فوزديكا 2C1 ذاتية الحركة، سوفياتية الصنع أيضاً، وهي عبارة عن عربة مجنزرة مُركّب عليها مدفع عيار 122 ملم MM 2A31.
هناك أيضاً عدة أنواع من راجمات الصواريخ، التي تم تعديلها، وتم تركيبها وتجهيزها بهذه الصورة كما في الفيديو، وذلك من قبل القوات الإيرانية والسورية وقوات “حزب الله” في سوريا. ومن هذه الأسلحة راجمات صواريخ غراد بي أم 21 (عدد السبطانات من 40)، وهي قادرة على رمي الصواريخ الحديثة من عيار 122 ملم ومدى 40 كلم.
وتظهر في الفيديو عدة أنواع من راجمات صواريخ “بركان” وراجمات صواريخ “فلق-1” و “فلق-2” حيث تم تزويده بمحرك صاروخي، سمح بزيادة سرعته 4 مرات، عن سرعة “فلق واحد” واصبح المدى 11 كلم. ومن الجدير ذكره أن “حزب الله” قام بتعديل بعض راجمات غراد، بحيث تم زيادة عدد السبطانات، وبعضها أصبح يرمي أكثر من 60 صاروخاً.
كما عرض “حزب الله” في العرض العسكري الذي جرى في سوريا، عدداً من الدبابات “ت-55” المطورة، ودبابات “ت-72″، لكن هذه الدبابات لا فائدة منها، لأنه في المعركة غير المتماثلة وغير التقليدية التي يخوضها مع الجيش الإسرائيلي، لا يحتاج إلى آليات ثقيلة الحركة.
أسلحة ليست للحرب
يؤكد العميد الركن خالد حمادة، مدير “المنتدى الإقليمي” للاستشارات والدراسات، أن “حزب الله” لديه آليات عسكرية ودبابات وناقلات جند وهناك قاعدة في منطقة النبي شيت في البقاع للحزب هي تجمّعٌ للدبابات ومركز للآليات الثقيلة.

هذا المركز تم رصده وتصويره من قبل الجيش الإسرائيلي مرات عديدة، لكن على ما يبدو أن إسرائيل تعرف أنه سبطانة هذه الدبابات والمدافع لن توجّه نحوها، حيث إن هدف نصرالله بناء جيش يوازي جيش الدولة ليستحوذ عليها مستقبلا.
كما أن شبكة تحالفات إيران التي تعمد إلى التفلّت من العقوبات الأممية، والبحث عن ممرات غير رسمية للتهرّب من وطأتها والملاحقات القانونية، توفر وصول معدات عسكرية وآليات من إيران، بشكل رئيسي، وهي التي توفر في مناطق نفوذ الحزب مهندسين وفنيين وخبراء لتطوير قدراتها العسكرية التي تفوق مستوى الجيش اللبناني.
أيضا يعتمد “حزب الله” بشكل كبير على روسيا والصين، مع الأخذ في الاعتبار أن الحزب يملك مرفق حيوي ومهم واستراتيجي في لبنان مثل المطار والذي يشهد دخول وفود من “الحرس الثوري” وقادة ميدانيين من دون “تدقيق أو مراجعة رسمية من الدولة”، ناهيك عن الممرات البرية الحدودية مع سوريا، كما أن أنفاق الحزب في الجنوب وسهل البقاع المتاخم لسوريا، تشهد أنشطة عسكرية سواء تدريب أو تصنيع مسيرات.
الفيديو الذي بثّه “حزب الله” وهو يقدم أرتاله المدرعة والدبابات التي يمتلكها إبان دخوله الحرب مع الجيش السوري هو نوع من عملية استعراض القوة وفقط.
العميد الركن خالد حمادة، مدير “المنتدى الإقليمي” للاستشارات والدراسات
“حزب الله” وفق حديث حمادة، يدرك تماما أن هذه الآليات لا تناسب مسرح الأحداث على الجبهة اللبنانية، وأي عدد من هذه المدرعات سيضحى صيداً ثميناً وهدفاً سهلاً لأي طيران مسيّر بسهولة فائقة، مما يجعل ظهور هذه الدبابات والمدرعات خارج حسابات الردع الاستراتيجي بين “حزب الله” وإسرائيل، كونها لا تمثل أي قيمة مضافة في سباق التسلّح.
يستطرد القائد العسكري اللبناني في تصريحاته لـ”الحل نت”، بقوله إنه في الواقع حزب الله لا يعتمد في قتاله على الدبابات؛ لأن هذه الدبابات ستنتقل في الأرض مكشوفة، وبالتالي ستكون عرضة لنيران الجيش الإسرائيلي مما يعني بالحتمية انعدام أي قيمة ميدانية.
الهدف بيروت وليس تل أبيب
يلفت العميد الركن خالد حمادة، أنه قد يكون في هذا الاستعراض نوع من الرسائل إلى الداخل اللبناني أكثر منها رسائل إلى الطرف الآخر إسرائيل.
بالربط بين النظريات العسكرية والواقع، فإن تطوير “حزب الله” لقدراته العسكرية قد يكون موجّهاً نحو السيطرة على لبنان، وليس فقط لمواجهة إسرائيل، حيث إن نظرية الاستراتيجية غير المباشرة (ليدل هارت)، والتي تؤكد على أهمية تحقيق الأهداف دون مواجهة مباشرة. قد يكون بناء “حزب الله” لقوة موازية استراتيجية غير مباشرة للسيطرة على لبنان دون صدام مباشر مع الدولة.
وعبر إسقاط نظرية حرب العصابات لـ (ماو تسي تونغ)، التي تصف كيفية تحول حركة ثورية إلى قوة حاكمة. فإن “حزب الله” يتبع مساراً مشابهاً، متحولاً من حركة مقاومة إلى قوة سياسية وعسكرية مهيمنة. وبالتوازي يستخدم نظرية الردع لـ (توماس شيلينغ)، التي تفسر كيف يمكن استخدام القوة العسكرية للتأثير على سلوك الآخرين. حيث يستخدم “حزب الله” قوته العسكرية لردع المعارضة الداخلية وفرض إرادته السياسية.
وبالمثل يبدو أن “حزب الله” يتبع نهج نظرية بناء الدولة الموازية، هذا النهج، مماثلاً لما فعله “الحوثيون” في اليمن. ويربطها بنظرية توازن التهديد لـ (ستيفن والت)، التي تفسّر كيف تتحالف الدول ضد التهديدات الأكبر. فـ “حزب الله” يبني قوته لدرجة تجعل الأطراف الأخرى تتحالف معه بدلاً من مواجهته.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا

