بالأرقام والرسوم البيانية.. موقع يوضح تراجع السياحة العربية لتركيا

بالنظر إلى أن السياحة تعتبر أحد أبرز روافد الاقتصاد التركي، وتشكّل جزءًا أساسياً منه، بل ويعتبرها العديد بمثابة “نفط تركيا”، لما يدرّ هذا القطاع إيرادات سنوية تقدّر بمليارات الدولارات، فإنه بذلك يعتبر مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة في تركيا، وقد تصاعدت تدريجياً هذه الإيرادات منذ مطلع الألفية وحتى العام الجاري 2024.

لكن هذا المصدر المهم وربما الضخم ويعد ضمن العوائد الاقتصادية التركية، يتعرض لتأثيرات سلبية ويتراجع في ظل تلامسه مع خطابات الكراهية السياسية والعنصرية التي يستجيب لها مواطنون تحت تأثير تلك الخطابات التي يتم الترويج لها رسمياً. فالسياحة التي اندمجت في مشاهد الدراما التركية والإنتاج الفني الذي وجد مالاً وفيراً وبذخاً هائلاً حيث كانت المسلسلات ضمن وسائط ترويجية عديدة لأبرز معالم تركيا السياحية ومناطقها الطبيعية، تآكلت وخف تأثيرها بفعل تنامي المشاهد الدموية والتخريبية بحق السياح العرب واللاجئين، وكل ما رافق ذلك من حوادث عدوانية تشي بتعطش في ثأر مجهول أو نهب واعتداء مادي ومعنوي.

ورغم أن العرب يمثلون نسبة ضئيلة من إجمالي عدد السياح في تركيا، حيث إنهم شكلوا 9 بالمئة في عام 2023، إلا أنه يبدو غير مرحب بهم من قبل الأتراك، نتيجة تعرضهم لحوادث العنصرية والعنف التي وصلت إلى حد القتل، فضلاً عن حالات نصب واحتيال واضطهاد ضد السياح العرب وتحديداً الخليجيين، ما دفع الخليجيين إلى إطلاق حملات على منصة “إكس/تويتر” لعدم السفر إلى تركيا، وتصنيفها على أنها دولة غير آمنة للسياح العرب، نتيجة تنامي واستمرار ظاهرة العنصرية التركية ضد العرب خلال السنوات الثلاث الماضية وحتى اليوم.

وفي تقريرنا اليوم، نستعرض لكم بالأرقام والبيانات الفوارق في نسبة السياح العرب إلى تركيا، بناءً على البيانات التي قدمها موقع “كويري تاب” (Query Tab) الجديد، والمعني بصحافة البيانات.

أعداد السياح العرب في تركيا

في تقرير موقع “كويري تاب”، تظهر البيانات صعود السياحة العربية لتركيا بشكل تدريجي، من عام 2008 وحتى عام 2023. وعلى مدى هذه السنوات الـ 15، تكشف البيانات عن تحولات وتغيرات في أعداد السياح، موضحة كيف تطورت تركيبة الزوار. وتشمل الاتجاهات الرئيسية التي تم تسليط الضوء عليها زيادات أو انخفاضات كبيرة في أعداد الوافدين من دول معينة.

ويمكن أن تُعزى، بحسب “كويري تاب”، هذه التغييرات إلى عوامل مختلفة، مثل الظروف الاقتصادية والأحداث السياسية، وتنامي العنصرية التركية ضد العرب، بجانب التأثيرات العالمية التي ربما أثرت على أنماط السفر.

وبالتمعن في الرسوم البيانية لأعداد السياح العرب لتركيا، يتبين لنا أن أعداد السياحة ارتفعت تدريجياً وبنسب قليلة منذ عام 2008 حتى عام 2016. لكن خلال عام 2016، انخفضت أعداد السياحة بشكل حاد في البلاد. وهبطت عائدات السياحة في تركيا بنسبة 35.6 بالمئة في الربع الثاني من العام ذاته، حيث كان ذلك أكبر انخفاض له منذ 17 عاماً.

وأرجع مراقبون آنذاك هذا التراجع إلى الانقلاب الفاشل المزعوم منتصف يوليو/تموز 2016، فضلاً عن المشاكل السياسية للدولة التركية سواء مع الدول الأوروبية أو مع روسيا، والتي أثرت على قطاع السياحة بشكل كبير، ذلك لأن الروس يتصدرون قائمة السياح الأجانب الأكثر زيارة لتركيا، يليهم الألمان ثم الإنكليز والبلغار والإيرانيون.

لكن اللافت أنه وبحسب بيانات “كويري تاب”، انخفض عدد السياح العراقيين فقط لتركيا خلال عام 2016، من مليون و900 ألف سائح خلال عام 2015 إلى نحو 420 ألف سائح فقط خلال عام 2016.

في حين استمرت أعداد السياح من الدول العربية الأخرى، مثل “المملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والبحرين، وسلطنة عُمان” في الارتفاع، ولم يتأثروا بالأسباب التي أدت إلى انخفاض السياح الأوروبيين والروس.

غير أن تراجع أعداد السياح من دول الخليج لتركيا بدأ خلال عام 2019 بنحو 30 بالمئة، وفي الأعوام 2020-2021 انخفض بشكل حاد بنحو 85 بالمئة، ثم عاد للنمو، ولكن بشكل تدريجي، وهذا التراجع يبدو أنه ليس بسبب جائحة “كورونا” فقط، نظراً لأن تشديد إجراءات السفر بدأ ينفك تدريجياً مع نهاية عام 2020، فعلى سبيل المثال، خلال شهر آذار/ مارس 2021، أعلنت “وزارة الداخلية السعودية”، وفق “واس”، فتح الرحلات الدولية والمنافذ البرية والجوية والبحرية بشكل كامل اعتباراً من 31 آذار/ مارس العام ذاته، لكن أعداد المسافرين بقي منخفضاً، إذ بلغ عدد السياح السعوديين خلال عام 2021 إلى تركيا، 10.083 سائحاً فقط، بحسب “كويري تاب“.

عدة أسباب منها “العنصرية”

في سياق تحليل بيانات الموقع الجديد، فإنه يمكن إرجاع تراجع السياحة الخليجية إلى تركيا إلى عدة أسباب، وتحديداً السياح السعوديين، حيث إن تركيا كان لديها خلافات مع العديد من دول المنطقة، وتحديداً مع الرياض، عقب مقتل الكاتب السعودي جمال خاشقجي في تركيا، ثم واصلت أنقرة ابتزازها الجانب السعودي في هذه القضية.

لكن عندما رأت تركيا أن الأزمة الاقتصادية في بلادها تتفاقم، ونتيجة لذلك بدأت المشاكل الاجتماعية والسياسية تطفو على السطح، سارعت إلى حل مشاكلها مع العديد من دول المنطقة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

تالياً، ورغم عودة السياحة الخليجية إلى تركيا بعد تهافت أردوغان إلى دول المنطقة لمعالجة مشاكله وخلافاته السياسية معهم، إلا أنها لم تصل إلى أرقام كبيرة، وبالتالي مع تزايد وتيرة حوادث العنف والعنصرية سواء ضد السياح أو اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى تزايد معدل الجريمة في المدن التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، وقد وقعت آلاف الجرائم خلال السنوات الخمس الماضية، بحسب العديد من التقارير الصحفية والحقوقية، فإن هذا كان سبباً أساسياً آخر ساهم في تراجع السياحة العربية لتركيا.

وعلى سبيل المثال خلال عام 2023، وصل عدد السياح العرب إلى 4 ملايين فقط، لتكون العراق الأولى من حيث عدد السياح ثم السعودية ثم الأردن وتليها باقي البلدان الأخرى.

ورغم أن أعداد السياح العرب لتركيا تشكّل نسبة قليلة من إجمالي عدد السياح، إلا أن حوادث العنف والاعتداءات عليهم لم تتوقف، بل تحولت الممارسات العنصرية ضد السوريين الذين والذين يتم تحميلهم تبعات الأزمات الاقتصادية في البلاد في الخطاب السياسي الرسمي ولدى بعض قوى المعارضة، إلى اضطهاد مماثل بحق السياح، تحديداً الخليجيين، في السنوات الأخيرة في تركيا.

وكثيراً ما يتعرضون للنصب أو الشتائم، وحتى للعنف المادي، وهذا ما وثقته العديد من مقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كثيراً ما يتم فيهم انتقاد طريقة أكل العرب، وطريقة كلامهم، وكثيراً ما يتم نعتهم بـ “الهمجيين”، و”الرجعيين”، وغيرها من الألفاظ المشينة التي تعكس عنصريتهم تجاه العرب وتعاليهم باعتبارهم أصحاب الحضارة الراقية، بل وصل الأمر في العديد من المواقع الإخبارية والإعلامية الخاصة بالمعارض التركية إلى التنديد بوجود لافتات تكتب باللغة العربية في المواقع السياحية، وفق ما ذكرناه في تقاريرنا السابقة عن هذا الأمر.

تعد الدراما الاجتماعية والرومانسية وحتى التاريخية ضمن وسائل الرئيس التركي أردوغان لتبييض حالة مجتمعه وتشكيل صورة متخيلة مصنوعة ومتوهمة عن التاريخ التركي تحديداً في ما يخص بعلاقته مع الآخر، وهذا الآخر هم أبناء شعوب المنطقة التي احتلتها “الخلافة العثمانية”.

وقد لفت محللون سياسيون في وقت سابق لـ”الحل نت”، إلى أن حوادث العنف ضد السياح العرب تهدد صناعة السياحة التركية برمتها، وهذه الكراهية التركية تجاه العرب تزداد وفقاً للمواقف السياسية التي تتخذها الحكومة التركية فيما يتعلق بالقضايا العربية ورغبتها في العودة “كدولة مهيمنة” في الإقليم.

وفي سياق أسباب العنصرية التركية تجاه الخليجيين والعرب عموماً، فإن هذه الكراهية تاريخية، فتكرار حوادث العنصرية ضد العرب تحديداً في تركيا، يؤكد حالة “التكبر تجاه الآخرين والشعور بالتعالي تجاه الشعوب والقوميات الأخرى في المنطقة، خاصة وأن الأتراك ما زالوا يحلمون بإعادة إقامة الخلافة العثمانية في المنطقة، ولذلك يجدون أن العرب يجب أن يتم التعامل معهم كـ”أتباع”، وليس كـ “ضيوف أو سياح”، والرجل التركي الذي هدد السياح السعوديين بالسكين قبل أسابيع عديدة وقوله: “لا تتحدثوا العربية، أنتم في تركيا”، يعزز من ذلك.

وبحسب موقع “تركيا بالعربي”، شهدت تركيا تراجعاً كبيراً في عدد السياح العرب خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى تموز/ يوليو 2023 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. وعلى صعيد الاقتصاد، تراجعت صادرات تركيا إلى الدول العربية بنحو 10 مليار دولار في عام 2023. هذه الخسائر تأتي في ظل تصاعد الخطاب العنصري على السوريين والسياح العرب والطلاب ورجال الأعمال الأجانب.

توقعات بتراجع السياحة خلال 2024

صحيح أن قطاع السياحة في تركيا انتعش خلال الفترة الماضية، وتحديداً في الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى نيسان/ أبريل 2024، حيث استقطب أكثر من 12.67 مليون سائح، بحسب بيانات “وزارة الثقافة والسياحة التركية”، إلا أن هؤلاء السياح هم من الأجانب بالدرجة الأولى من الدول الأوروبية وسائحي الداخل التركي وليس من الدول العربية والخليجية.

ويوضح الرسم البياني أعلاه إجمالي عدد السياح العرب الوافدين إلى تركيا، مقسماً حسب البلد، للنصف الأول من عام 2024. وتغطي هذه البيانات الفترة من كانون/ يناير – حزيران/ يونيو 2024. وبرزت العراق بأكبر عدد من السياح العرب الوافدين إلى تركيا، بإجمالي 400,835، تليها المملكة العربية السعودية بـ 351,285 سائحاً سعودياً، وفق تقرير بياني آخر لموقع “كويري تاب” نقلاً عن بيانات “وزارة الثقافة والسياحة التركية”.

ويتوقع المحللون أن السياحة الخليجية لتركيا لن تتحسن خلال الفترة المقبلة على الأقل، في ظل استمرار حوادث العنصرية، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى المزيد من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي أيضاً، وفي ظل استمرار الحالة العنصرية الشديدة من المجتمع التركي تجاه السياح العرب، يجب على السائح العربي الذي ينوي السفر وقضاء إجازته في تركيا أن يفكر ملياً في سؤال واحد وهو: “هل تركيا بلد آمن لي؟ ومن سيضمن سلامتي وأمني إذا هاجمني أحد الأتراك هناك؟ وسط تساهل السلطات التركية مع هذه الظاهرة الخطيرة”.

كيف تم الترويج للسياحة بتركيا

على اعتبار أن قطاع السياحة يعتبر كـ”نفط تركيا”، وأحد المساهمين في الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، نتيجة الطبيعة الخلابة المحيطة بالبلاد، يبدو أن الدولة أدركت هذا الأمر، ومع وصول رجب طيب أردوغان لرئاسة الوزراء عام 2003، عملت الدولة التركية على تنفيذ مجموعة من الإجراءات، من بينها الاهتمام وتقديم الدعم لقطاع السياحة، بهدف إنعاش الاقتصاد التركي الذي كان ولا يزال يعاني من تعثرات كبرى في الاقتصاد.

وقد دعم أردوغان المسلسلات التاريخية وظهر جلياً في خطاباته السياسية التي كان يلقيها، حيث الغاية من الدراما دعم توجهاته السياسية، وقد سعت الدولة التركية إلى تبييض صورتها القاتمة في المجتمع العربي من خلال تمويل إنتاج دراما تاريخية تركية تلاعبت فيها بسيرورة الأحداث التاريخية، وفق ما ذكرنا ذلك بشكل تفصيلي في مادة سابقة على “الحل نت“.

إلى جانب تقديم أعمال درامية أخرى، اجتماعية رومانسية كوميدية، عرض فيها بشكل متعمد مشاهد عامة للمدن التركية وإظهار جمال هندستها المعمارية والطبيعة الخلابة من حولها. وبالتالي، بعد عرض العديد من المسلسلات بدءاً من عام 2005، من مسلسلي “سنوات الضياع”، و“نور ومهند”، إلى مسلسلي “وادي الذئاب” و“حريم السلطان”، الأخير الذي يجسد حياة السلطان العثماني سليمان القانوني في الشرق الأوسط والبلقان، والذي على إثره قامت السلطات التركية بإلغاء تأشيرات الدخول إلى أراضيها، بغية زيادة السياحة العربية لبلادها.

وتعد الدراما الاجتماعية والرومانسية وحتى التاريخية ضمن وسائل الرئيس التركي أردوغان لتبييض حالة مجتمعه وتشكيل صورة متخيلة مصنوعة ومتوهمة عن التاريخ التركي تحديداً في ما يخص بعلاقته مع الآخر، وهذا الآخر هم أبناء شعوب المنطقة التي احتلتها “الخلافة العثمانية” وتركت لديها سجلاً حافلاً من الانتهاكات المختلفة، بداية من سرقة مواردها مروراً بنهب مواهبها ونقل النخبة في مختلف المجالات لتركيا وحتى تخريب تلك البلدان لحساب مركزية السلطنة والتي انتهت إلى أن تكون “رجل أوروبا المريض”.

غير أن الدراما التي تحاول أن تبتعث مجداً متخيلاً عاش فيه المسلمون في هذا الزمن الغابر وليكون وسيلة لابتعاث مشروع أردوغان “العثمانية الجديدة” يتعرض لهزيمة واقعية مع ارتفاع حوادث العنف والعنصرية وتآكل الحواضن المجتمعية التي يمكنها أن تستوعب هذا المشروع بأبعاده الاستعمارية وحمولته العنصرية في وجهها القومي والديني والطائفي.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

4 2 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم