تكرار حوادث العنف والاعتداء على السياح العرب في تركيا، والانتقال من الممارسات العنصرية بحق السوريين والذين يتم تحميلهم تبعات الأزمات الاقتصادية في البلاد في الخطاب السياسي الرسمي ولدى بعض قوى المعارضة، إلى اضطهاد مماثل بحق السياح، تحديداً الخليجيين، في السنوات الأخيرة في تركيا، يبعث على الامتعاض كما يجر معه تساؤلات عديدة، بخصوص أبعاد هذه النظرة الاستعلائية من الأتراك وشعورهم بالتفوق على الآخرين، بما يتسبب في مثل هذا العنف وكذا احتقار الشعوب الأخرى.

تجذر هذه الروح العدائية تعزى إلى سياسة “العثمانية الجديد” والتي يروج من خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتحالفه مع دولت بهجلي زعيم الحركة القومية المتشددة، إلى سياسات الاستعمار القديمة بينما يسعى إلى ابتعاثها من جديد بدعاوى دينية سياسية، تتبنى فكرة استعادة “الخلافة العثمانية” والتي قامت باحتلال عدة دول في المنطقة، منها مصر وسوريا، وخاضت صراعات محمومة إقليمية مع الدولة السعودية الأولى، مثلاً، ودامت نحو ستة أعوام تقريباً، والمعروفة بمعركة “الدرعية” وهي عاصمة السعودية وقتذاك، وتم تدميرها.

بالتالي، فإن تغذية وتعبئة المجتمع التركي بأفراده وفئاته المتفاوتة بسياسات ثقافية وتعليمية تتبنى تفوق “العرق التركي” الذي حكم العرب وغيرهم في فترة من التاريخ، وهي فترة شهدت جرائم عديدة كالتي يقوم بها أي احتلال مثل نهب الموارد وسرقتها، ونقل قسري للعمال والحرفيين وآخرين من مهن وصناعات مختلفة في الولايات الخاضعة لنفوذهم وسيطرتهم إلى “السلطنة” لغرض بناء “الحضارة” التركية بأياد وسواعد غيرهم، وتأسيس نهضة بواسطة المصريين والشوام بينما تظل تلك الولايات وتبعيتها لـ”القسطنطينية”، آنذاك تئن من الفقر والجوع والتخلف والإبادة في ظل التعسف الذي قام به العثمانيون.

اللافت أن هذه العنصرية التركية ضد العرب مستمرة حتى يومنا هذا. ولعل آخر هذه الحوادث تعرض أحد الأتراك لمجموعة من الخليجيين في مدينة إسطنبول، حيث اعتدى عليهم بالسب والشتم و”التلويح بالسكين في وجوههم إن لم يغادروا البلاد”، كما حذرهم من التحدث باللغة العربية أثناء وجودهم على الأراضي التركية. وهذا يبدو خطيراً ويحمل دلالات وحمولات تاريخية وسياسية.

وبالتالي أيضاً، وسط استمرار حالة العنصرية الشديدة من المجتمع التركي تجاه السياح العرب، يجدر طرح تساؤل هام هنا، وهو: “هل تركيا بلد آمن للسياح العرب؟ ومن يضمن سلامة وأمن السياح القادمين إلى تركيا، في ظل عدم قيام السلطات التركية بوضع حد أو سن قوانين صارمة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة”.

“تركيا غير آمنة للسياحة”

منذ سنوات عديدة والأوساط العربية، بما فيها الخليجية، ترفع شعار “تركيا غير آمنة للسياحة”، والحقيقة أنهم لا يبالغون في ذلك، نظراً لتزايد وتيرة حوادث العنف والعنصرية، سواء ضد السياح أو اللاجئين، فضلاً عن تزايد معدل الجريمة في المدن التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، وقد وقعت آلاف الجرائم خلال السنوات الخمس الماضية، بحسب العديد من التقارير الصحفية والحقوقية.

حوادث العنف ضد السياح العرب تهدد صناعة السياحة التركية برمتها، وهذه الكراهية تزداد وفقاً للمواقف السياسية التي تتخذها الحكومة التركية-“وكالات”

وتتزامن حادثة الاعتداء التي وقعت ضد سياح سعوديين في مدينة إسطنبول، في الثاني من تموز/ يوليو الجاري، مع الموسم السياحي في تركيا، الذي يصل ذروته في فصل الصيف، حيث يزور تركيا ملايين السياح، لكن تزايد وتكرار حوادث العنصرية والاعتداءات بحق السياح الخليجيين والعرب بشكل عام، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على سلامة السياح، وهو ما ولّد مؤخراً غضباً شعبياً بين الخليجيين على منصات التواصل الاجتماعي، وطالبوا بعدم السفر إلى تركيا، وإيجاد بدائل لهم.

وفي هذا السياق، قال الدكتور والمحلل السياسي وأستاذ الإعلام بجامعة الإمارات، علي الشعيبي، إن موجات العداء والكراهية الموجهة للسياح الخليجيين في تركيا تتصاعد بوتيرة عالية، فضلاً عن موجات الكراهية للوجود العربي، المتمثل بالأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين والعراقيين الذين بدؤوا بمزاحمة المواطن التركي في رزقه ومعيشته وفرص العمل.

وأضاف الأكاديمي والمحلل السياسي الإماراتي لـ”الحل نت” أن حوادث السرقات والاعتداءات على عائلات خليجية ساهمت في تحول العداء تجاه كل ما هو عربي من حوادث عرضية إلى ظاهرة مقلقة تهدد وجود السياح الخليجيين.

“عداوة تاريخية”

كما لفت المحلل السياسي الإماراتي، علي الشعيبي، إلى أن حوادث العنف ضد السياح العرب تهدد صناعة السياحة التركية برمتها، وهذه الكراهية تزداد وفقاً للمواقف السياسية التي تتخذها الحكومة التركية فيما يتعلق بالقضايا العربية ورغبتها في العودة “كدولة مهيمنة” في الإقليم.

وفي المقابل، نوّه المحلل السياسي الإماراتي، لـ”الحل نت”، إلى أن السائح الخليجي المترف والمسرف يتحمل بعض مسؤولية الكراهية الموجهة إليه عندما يستعرض مجوهراته ومقتنياته الثمينة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للمواطن التركي. لكن يشير المحلل السياسي إلى سبب آخر من أسباب العنصرية التركية تجاه الخليجيين والعرب عموماً، وهو “الكراهية التاريخية للعنصر العربي في الذاكرة الجمعية للأتراك”.

وشدد علي الشعيبي على أن هذه الأحداث المؤسفة تهدد فعلياً قطاع السياحة التركية، إذ سيجد السائح الخليجي الثري جهات أخرى تقدم له “بدائل سياحية آمنة”، وسيدفع قطاع السياحة بتركيا الثمن نتيجة تنامي العنصرية البغيضة التي تغذيها بعض المصالح الانتخابية والصراعات العرقية والطائفية والمذهبية بتركيا.

ومن الواضح أن تكرار هذه الأحداث العنصرية ضد العرب تحديداً في تركيا، يؤكد حالة “التكبر تجاه الآخرين والشعور بالتعالي تجاه الشعوب والقوميات الأخرى في المنطقة، خاصة وأن الأتراك ما زالوا يحلمون بإعادة إقامة الخلافة العثمانية في المنطقة، ولذلك يجدون أن العرب يجب أن يتم التعامل معهم كـ”أتباع”، وليس كـ “ضيوف أو سياح”، والرجل التركي الذي هدد السياح السعوديين بالسكين قبل أيام قليلة وقوله: “لا تتحدثوا العربية، أنتم في تركيا”، يعزز من ذلك.

ولا تخفي السلطات التركية من جهتها وبعض الأحزاب القومية المتطرفة والعنصرية، عنصريتهم وحالة التعبئة تجاه العرب والأكراد وبعض الأقليات الأخرى في المنطقة مثل الأرمن والسريان، وخاصة وأنهم يطلقون تصريحات معادية بين الحين والآخر تجاه اللاجئين السوريين.

كراهية شديدة ضد العرب

وبعيداً عن المقاطع التي وثقت الاعتداءات وخطاب الكراهية والعنف ضد السياح العرب وخاصة الخليجيين، فإنه ثمة عدة استطلاعات رأي إعلامية في الداخل التركي يثبت ويكشف مدى “الكره والعنصرية التركية” تجاه العرب، ففي إحدى هذه الاستطلاعات أجرتها محطة “باشكانت بوستاسي” يقول شاب تركي: “إنه لا يمكننا القول على هؤلاء أنهم بشر (يقصد العرب)، فهؤلاء بالتأكيد ليسوا بشر”، ويدعي الشاب التركي أنه متخصص في مجال علم الوراثة، وزعم أن “العرب لا يملكون جينات تجعل منهم بشراً”، وأضاف بالقول: “وراثياً هؤلاء، أي العرب، ليسوا بشراً، بل حيوانات” وعزا ذلك بأنه “في علم الوراثة اللوزة الدماغية لهؤلاء أكبر من الحجم الطبيعي وبالتالي هم يملكون دماغاً بدائياً، وأنهم أصحاب فكر منحدر”.

وعندما سألته المذيعة إذا ما كان يمكن أن نسميهم من ثقافة مختلفة، أجاب الشاب التركي بكل عنصرية قائلاً: “لا هذا ليس اختلافاً، فمثلا تستطيع أن تقول إن هناك اختلاف ثقافات بين التركي واليوناني، فمنهم من يفضل العرق الأبيض التركي ومنهم من يفضل اليوناني، وهذا بالتأكيد أمر مختلف، ولكن مثلاً العرب والأفغان والباكستانيون ولنقل عليهم الجيل العربي، فإن هذا الجيل في أسفل الثقافة الطبيعية، ويجب أن نقبل بهذا الشيء، وهناك ما يقارب عشرة ملايين في بلدنا تابعين لهذه الثقافة المنحدرة، وهؤلاء يستطيعون القيام بأشياء عقلك ليس قادراً على تصورها أصلاً، إذ ليس لديهم أي قيم أخلاقية، ولا يوجد لديهم قيم بالمطلق، ولا كرامة ولا شرف ولا أي شيء..”.

وبالتالي من الطبيعي أن تولّد هذه الآراء وخطابات الكراهية والعنصرية تجاه العرب، بالإضافة إلى حوادث العنف والاعتداءات ضد السياح العرب، حملات غضب على مواقع التواصل الاجتماعي من الناشطين العرب وحتى الفنانين، للمطالبة بعدم السفر إلى تركيا، حيث أصبحت وفق تقديرهم “غير آمنة”.

ليس ثمة شك أن سياسات “حزب العدالة والتنمية” الحاكمة، ساهمت بشكل أو بآخر في توفير بيئة ومناخ كبيرين إزاء تعبئة مناخ كراهية وإشاعة هذا الجو المسموم من العداء ضد الآخر، الأمر الذي بدأ باعتداءات ضد اللاجئين باعتبارهم سبباً في الأوضاع الاقتصادية المتردية، ويفاقم وجودهم ميزانية الدولة وأعبائها المادية وتدني قيمة العملة المحلية أمام الدولار وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وانتهى إلى السياح العرب رغم أنهم أحد مصادر الدخل المهمة. إذ إن تلك الموجة من العداء تتجاوز على ما يبدو أعراضها السياسية والمتمثلة في استهداف السوريين إلى كونها نمط عام له يستبد بالذهنية التركية ويجعل ميولها الحادة تتجه بشكل تحريضي دائم ضد الآخر طالما الشعور بالتفوق والاستعلاء يتم تغذيته عن عمد وبوسائل استراتيجية قائمة.

تراجع السياح العرب

صحيح أن قطاع السياحة في تركيا انتعش خلال الفترة الماضية، وتحديداً في الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى نيسان/ أبريل 2024، حيث استقطب أكثر من 12.67 مليون سائح، بحسب بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية، إلا أن هؤلاء السياح هم من الأجانب بالدرجة الأولى من الدول الأوروبية وسائحي الداخل التركي وليس من الدول العربية والخليجية.

وقالت الوزارة التركية أواخر أيار/ مايو الفائت، أن أكثر من 10.56 مليون زائر كانوا من الأجانب بزيادة 11.75 بالمئة عن الفترة ذاتها من العام الماضي، بينما بلغ عدد السائحين من الداخل نحو 2.24 مليون شخص، بحسب إحصائيات الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الجاري والصادرة عن “معهد الإحصاء التركي”.

واحتلت ألمانيا المرتبة الأولى بين زوار تركيا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بزيادة 16.20 بالمئة، بما يقدر بنحو 1.12 مليون زائر. بينما جاءت روسيا في المركز الثاني بنحو 1.78 مليون زائر، ثم إيران بنحو 946.4 ألف زائر بزيادة تقدر بنحو 51.7 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وتبعتها بريطانيا وبلغاريا.

وبحسب بعض التقارير، فقد استقبلت تركيا خلال النصف الأول من العام الجاري، نحو 17.8 مليون سائح، غير أنه لا تتوفر معلومات عن النصف الثاني من عام 2024 حتى الآن.

وحيال ذلك، أشارت العديد من التقارير الصحفية إلى تراجع السياحة إلى تركيا، بما في ذلك صحيفة “الأيام” البحرينية، حيث أكدت العديد من وكالات السفر والسياحة للصحيفة بتراجع السفر إلى تركيا، وقد أكد مدير العمليات في “وكالة دادا باي” للسياحة والسفر جعفر عمران، على حدوث تراجع ملحوظ بالأقبال على السفر إلى طرابزون بشكل خاص، وتركيا بشكل عام، وذلك بعد الاعتداءات التي تعرض لها سياح عرب في مدينة “طرابزون” خلال العام الماضي، مما أثر سلباً على خيارات السائح الخليجي بشكل عام.

في ظل ذروة السياحة في تركيا في الوقت الحالي، فإن الهجمات العنصرية ضد السياح الخليجيين واللاجئين السوريين سيكون لها حتماً تأثير سلبي على قطاع السياحة، الذي يُعتبر أحد أبرز روافد الاقتصاد بتركيا.

وقدر عمران نسب تراجع الحجوزات إلى طرابزون بنحو 70 بالمئة، أما نسبة التراجع بالنسبة إلى إسطنبول، فقد قدرها بنحو 5 بالمئة، مضيفاً “عادة وفي مثل هذه الفترة من كل عام هناك رحلتين مباشرتين إلى مدينة طرابزون، لكن الأمر اختلف هذا العام، وهذا ما يعكس تراجع خيارات السائح الخليجي والبحريني بشكل خاص إزاء السفر لتركيا”.

وفي ضوء ذلك، ارتفعت الأصوات التركية، محذرة من عواقب تزايد الكراهية ضد العرب في المجتمع التركي، وتأثيرها على الاقتصاد، وقطاع السياحة تحديداً.

وقد نشر رئيس مركز “أورسام” لدراسات الشرق الأوسط في تركيا، أحمد أويصال تغريدة على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، العام الفائت، قال فيها إن “السياح العرب في تركيا يصرفون أموالاً أكثر من السياح الأوروبيين. وبالطبع، فهم لن يكونوا راضين بأن يتم التعامل معهم بشكل سيئ وبنزوة النازيين الجدد. لذلك رجاء أن تظهروا لهم التسامح ذاته الذي تظهرونه للبريطانيين والروس”.

كما وقال ياسين أقطاي، المستشار السابق للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والبرلماني السابق، في وقت سابق، إن الرحلات السياحية من الدول العربية تراجعت، وليس هذا فحسب، بل تغيرت أيضاً العديد من الاستثمارات الرأسمالية بسبب حوادث العنصرية في تركيا.

السائح العربي ينفق ما لا يقل عن 10 أضعاف ما ينفقه السائح الروسي أو الأوروبي-“أ.ب”

وأضاف في مقالة صحفية، أن “السائح العربي ينفق ما لا يقل عن 10 أضعاف ما ينفقه السائح الروسي أو الأوروبي”. وعلاوة على ذلك “لا يأتي السائح العربي لفترة مؤقتة، بل يشتري المنازل ويستثمر ويؤسس مشاريع تجارية، مما يخلق دخلا فريداً لتدفق الأموال باستمرار إلى تركيا.

وبالتالي، فإنه في ظل ذروة السياحة في تركيا في الوقت الحالي، فإن الهجمات العنصرية ضد السياح الخليجيين واللاجئين السوريين سيكون لها حتماً تأثير سلبي على قطاع السياحة، الذي يُعتبر أحد أبرز روافد الاقتصاد بتركيا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات