في استراتيجية هادفة لبناء تحالفات مع دول الجنوب العالمي لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. بالإضافة إلى استثمارها كثقل موازن للنظام العالمي الغربي، بهدف تقويض أسس هذا النظام الذي تقوده أميركا، وإقامة نظام بديل أو مواز بقيادتها بعيدا عن مبادئ السياسة الليبرالية، يدحر نفوذ واشنطن ويشكل حوكمة عالمية عبر المؤسسات والمنتديات الدولية، عقدت بكين بين خلال أيلول/سبتمبر، المنتدى التاسع للتعاون الصيني الإفريقي (FOCAC)، تحت شعار “التكاتف لدفع التحديث وبناء مجتمع مصير مشترك رفيع المستوى بين الصين وإفريقيا”.
وفي خطوة تؤكد هذا التوجه، يأتي انعقاد المنتدى كمؤشر لانتقال بكين إلى منافس استراتيجي للعالم الغربي في إفريقيا الغنية بالمعادن والموارد اللازمة لأي قوة تسعى لتأكيد نفوذها الإقليمي والدولي. تعد القارة السمراء موطنا لكثير من المعادن اللازمة لإنشاء تقنيات متجددة، كالنحاس والكوبالت والليثيوم، وهي مكونات رئيسية في تصنيع البطاريات، اللازمة بدورها لقيادة عصر الطاقة الخضراء. وعليه، تعد الصين حاليا أكبر شريك تجاري لإفريقيا، مع شراكات تركز على بناء الطرق والسكك الحديدية ومشاريع الطاقة.
مشاركة السودان في المنتدى
وينعقد المنتدى، الذي انطلق بداية عام 2000، بغرض محدد، كمنصة للتشاور على قدم المساواة، وتعزيز التفاهم، وتوسعة توافق الآراء، مع تعزيز الصداقة، وتشجيع التعاون. مع ذلك، أضحى منصة لتعزيز الأولويات التي تخدم طموحات بكين الأوسع، تحت غطاء تقديم مساعدات وقروض للبلدان الإفريقية. وشهد المنتدى منذ انطلاقته وعدا صينيا بتقديم عشرات المليارات من الدولارات على شكل مساعدات واستثمارات وقروض للدول الإفريقية، يستشهد مؤخرا بمبلغ 60 مليار دولار.

سعي بكين لبناء مجتمع صيني-إفريقي ذي مستقبل مشترك يعزز شراكاتها مع الدول الإفريقية، قال رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، لوكالة “شينخوا” الصينية، مشيرا إلى احتفاظ السودان بشراكات فاعلة مع الصين أثمرت عن نجاح الكثير من المشروعات المشتركة في مجالات البترول والزراعة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وسواها.
أضاف البرهان، السودان من موقعه المتميز يمكن أن يلعب دورا محوريا في تمتين علاقات الدول الإفريقية مع الصين ودعم مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي ستسهم برأيه في تنشيط حركة التجارة بين البلدان الإفريقية والصين، وزيادة حجم التبادل التجاري المشترك. فالسودان لما له من تجربة تعاون ثرية مع الصين، يمكن أن ينقلها لدول الجوار الصديقة.
وكان البرهان، الذي شغل سابقا منصب الملحق العسكري في السفارة السودانية بالصين، قد حضر المنتدى بدعوة من بكين، في خطوة اعتبرها خصومه في “قوات الدعم السريع” مساع لتعزيز شرعيته المتنازع عليها. ما يتنافى مع سياسة الصين بالحيادية والوساطة التي عرضتها سابقا لحل النزاع سلميا بين أطراف الصراع السوداني، إذ إن استقرار السودان يضمن وصول بكين إلى الموارد الطبيعية، مع توسيع نفوذها الاقتصادي في المنطقة.
الصين تتجه صوب السودان
عبر “طريق الحرير” البحري القديم، تم ربط موانئ السودان الشرقية مع الصين خلال عهد عهد أسرة هان الصينية. وعليه تدرك بكين أهمية السودان في مشاريعها الاقتصادية والجيوسياسية العالمية. لذا حافظت، ومنذ بدأ العلاقة مطلع عام 1959، على علاقات حسنة مع كل الحكومات السودانية بعد الاستقلال، وتطورت علاقة الجانبين بعد انقلاب 1989، نتيجة نصيحة حسن الترابي، المنظر السياسي للنظام الجديد، بتوجه السودان شرقا، بدعوى أن الغرب لن يقبل بحكومة إسلامية في الخرطوم. ومع فرض واشنطن عقوبات على الخرطوم عام 1997، نتيجة إيوائها للمتطرفين الإسلامويين, من الذين أسسوا تنظيم “القاعدة” الإرهابي لاحقا، باتت الصين حليف السودان الرئيسي.
بل ذلك بأعوام قليلة، بدأت الصين بالاستثمار النفطي في السودان، دون أن تقصر أهدافها على تأمين احتياجاتها النفطية، بل وسعتها إلى التجارة والبنى التحتية، مع توطيد العلاقات السياسية والثقافية، بما يردم الهوة الأيديولوجي بين النظامين الصيني والسوداني. وخلالها اشترت شركات النفط الصينية قرابة 40 بالمئة من أسهم “شركات النيل الأعظم” النفطية في السودان، كما قامت شركة “سينوبك” الصينية بإنشاء خط أنابيب بطول يبلغ 1500 كيلو متر لنقل الإنتاج النفطي من ميناء بورتسودان بمدينة بورتسودان الساحلية المطلة على البحر الأحمر، لتحمله ناقلات البترول إلى الصين. وفي عام 2008 أرسلت الأخيرة قوات عسكرية لحماية آبار إنتاج البترول والغاز الطبيعي في عدد من الدول الإفريقية، منها السودان.
بالنسبة للصين، فإن نظرتها إلى السودان مرتبطة بموقعه الاستراتيجي واطلالته على البحر الأحمر. إلى جانب ما يمتلكه السودان من موانئ بحرية قد تعزز من فرص نجاح مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
الباحث بالشأن الإفريقي، ربيع أبو زامل لـ”الحل نت”
تمثل الطاقة أولوية قصوى في علاقة الصين بالسودان، حسب سارة هشام حسن، وهي باحثة اقتصادية لدى الاتحاد الدولي للمؤرخين، وباحثة ماجستير اقتصاد كلية الدراسات الإفريقية العليا، حيث كانت الصين من أكبر المستثمرين في قطاع النفط السوداني منذ التسعينيات. ورغم أن جنوب السودان يمتلك أغلبية حقول النفط، إلا أن البنية التحتية الأساسية مثل خطوط الأنابيب والمصافي موجودة في السودان الشمالي، مما يجعل استقرار السودان ضروريا لاستمرار هذه العمليات.
الدافع الآخر هو مبادرة “الحزام والطريق”، قال الباحثة الاقتصادية لـ”الحل نت”، لأنهم أرادوا أن يكونوا في البحر الأحمر وقاعدتهم الأجنبية الوحيدة في الخارج تقع في جيبوتي، وهذا جزء من توسعهم في إفريقيا، بما في ذلك مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا. حيث ترى بكين في البحر الأحمر مكانا مهما للغاية للأصول الاستراتيجية، مثل النفط والغاز والسياحة.
وفقا لمركز “الدراسات الصينية الأوراسية”، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للسودان، فيما بات الأخير مطلع القرن موردا رئيسيا للنفط بالنسبة للصين. وإلى جانب استثمارها في السكك الحديدية والقطن ومناجم الذهب، صبت بكين اهتمامها لاحقا بمشاركة السودان في مبادرة “الحزام والطريق”. وقد تضمنت المبادرة بناء خط سكة حديد بطول 2000 ميل تصل بورتسودان بنجامينا، عاصمة تشاد، كجزء من خطة صينية طويلة الأجل لربط الساحل الشرقي والغربي لإفريقيا.

وفي عام 2011، رحّب الرئيس الصيني السابق، هو جنتاو، في بكين بالرئيس السوداني السابق، عمر حسن البشير، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب التطهير العرقي، وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في إقليم دارفور غربي السودان حيث قتل نحو 300 ألف شخص منذ عام 2003. وفي عام 2015، وقّع الجانبان اتفاق للتعاون العسكري بينهما.
بالنسبة للصين، فإن نظرتها إلى السودان مرتبطة بموقعه الاستراتيجي واطلالته على البحر الأحمر، حسب الباحث بالشأن الإفريقي، ربيع أبو زامل. إلى جانب ما يمتلكه السودان من موانئ بحرية قد تعزز من فرص نجاح مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. مشيرا إلى قرب السودان من القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي بالقرن الإفريقي. وهي القاعدة العسكرية الوحيدة للصين خارج أراضيها.
هذا إلى جانب الثروات والموارد الطبيعية كالنفط والذهب، وهي ثروات وموارد وضعت السودان في بؤرة صراع إقليمي ودولي في منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي منذ عقود.
مع ذلك، تراجعت مكانة السودان لدى بكين بعد انفصال جنوب السودان الذي يستحوذ على 75 بالمئة من احتياطات النفط السوداني عام 2011. وبحسب حديث الباحث بالشأن الإفريقي، ربيع أبو زامل لـ”الحل نت”، فإن تقديرات اقتصادية أشارت لتقديم السودان سابقا قرابة 6 بالمئة من احتياجات بكين النفطية، فيما تراجعت هذه النسبة بعد انفصال جنوب السودان لتصل قرابة 1.5 بالمئة.
على خطى روسيا وشركتها الأمنية “فاغنر”
مع انطلاق الصين لمبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، ازداد الطلب على خدمات الأمن الصينية في إفريقيا بشكل كبير، رغم استحواذ هذه الشركات على اهتمام أقل مقارنة بالمرتزقة والشركة الأمنية الروسية الخاصة “فاغنر”.
ويأتي تزايد الطلب شركات الأمن الصينية الخاصة كمحصلة لزيادة استثمارات بكين في مشاريع البنية التحتية الكبيرة ومشاريع التعدين في جميع أنحاء القارة السمراء. ونظرا للاضطرابات السياسية التي تشهدها العديد من دول القارة، كجمهورية كونغو الديمقراطية والسودان وجنوب السودان وغيرها، بما يعني أن أجهزة الأمن الحكومية باتت ضعيفة. وهو ما يفسر زيادة هذا الطلب، إلى جانب تفسيره للقلق الصيني المتزايد حيال الأمن في إفريقيا عموما، وفي بلدان الاضطراب، التي تشكل مصدرا لمواردها.
مصالح الصين في السودان مرتبطة بجغرافيتها الإقليمية والأهمية الاستراتيجية المتزايدة لحوض البحر الأحمر للتجارة العالمية. لذا يشكل السودان جزءا كبيرا من الاستراتيجية الشاملة التي تنتهجها بكين لجلب المزيد من شرق وشمال إفريقيا إلى صفها.
الباحثة الاقتصادية لدى الاتحاد الدولي للمؤرخين، سارة حسن لـ”الحل نت”
إلى جانب ذلك، كشف تقرير نشرته منظمة “العفو الدولية”، عدم التزام بكين بحظر توريد الأسلحة إلى السودان، والذي فرضه “مجلس الأمن الدولي” منذ عقدين. ويشير التقرير لاستيراد أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا والصين وتركيا، وبكميات كبيرة تستخدمها أطراف النزاع المتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في السودان.
كما حدد التقرير أسلحة صغيرة وذخائر مصنعة حديثا أو تم نقلها مؤخرا من دول مثل صربيا واليمن والصين تستخدم في ساحة المعركة من قبل مختلف أطراف النزاع. وقد استخدم طرفا النزاع أجهزة تشويش متطورة من الطائرات المُسيّرة. ومدافع الهاون والبنادق المضادة للعتاد المصنعة في الصين. يضيف التقرير، أنه يتم تحويل هذه الأسلحة بشكل جماعي إلى أسلحة فتاكة في السودان.
وخلال مشاركة الوفد السوداني بمنتدى (FOCAC)، وقعت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية وشركة بولي (POLY) الصينية اتفاقا للتعاون الإستراتيجي في المجالات الحيوية والدفاعية. ووفقا لمجلس السيادة، يأتي الاتفاق في إطار الإسناد الدفاعي الفاعل في شتى المحاور العسكرية، إذ من شأن هذه العقود المساهمة في تعزيز واستدامة الجاهزية الدفاعية والأمنية.
نحو علاقة استراتيجية
في أعقاب تصعيد بكين تجاه تايوان في آب/أغسطس 2022، ردا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة، نانسي بيلوسي، إلى الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي، فيما تعتبرها الصين جزءا من أراضيها. حينها، أعلن السودان تأييده لجهود الصين في الدفاع عن وحدة أراضيها. أضاف بيان وزارة الخارجية السودانية، الذي تلقت “سودان تربيون” نسخة منه، أن الخرطوم تحتفظ بعلاقات تعاون سياسي واقتصادي ودبلوماسي متميز مع الصين، ويتبادل البلدان المنافع المشتركة، إضافة إلى الدعم والمساندة في المحافل الإقليمية والدولية.

وخلال اجتماعه بالرئيس الصيني شي جين بينغ، أعرب البرهان عن شكره وتقديره للصين على دعمها الأمني والعسكري للسودان. مشيرا إلى مواقفها الداعمة للسودان في المحافل الدولية. كما أكد تطلع السودان للعمل سويا مع الصين من أجل بناء شراكة إستراتيجية.
بدوره، قال شي، إن الصين تقدر الإمكانات الكبيرة التي يذخر بها السودان وتتطلع للمزيد من التعاون في مجالات النفط والزراعة والتعدين والبنى التحتية. واعدا ببحث قضية إسقاط ديون الصين على السودان باعتبارها عضوا فاعلا في منتدى التعاون الصيني العربي والإفريقي.
بالعودة إلى الباحثة حسن، فإنها ترى أن مصالح الصين في السودان مرتبطة بجغرافيتها الإقليمية والأهمية الاستراتيجية المتزايدة لحوض البحر الأحمر للتجارة العالمية. لذا يشكل السودان جزءا كبيرا من الاستراتيجية الشاملة التي تنتهجها بكين لجلب المزيد من شرق وشمال إفريقيا إلى صفها. ويتعلق الأمر إلى حد كبير بالأعمال التجارية والاستثمارات والبنية الأساسية وحتى التعليم. والسودان لاعب مهم في حوض النيل، رغم أنه ضعيف وغير مؤكد الآن بسبب الحرب الدائرة فيه، لكنه يتمتع بإمكانات كبيرة.
تشير حسن لـ”الحل نت” إلى أن استمرار القتال في السودان يعرض مصالح الصين لمخاطر كبيرة تطال استثمارات الطاقة، والمشاريع الحيوية لمبادرة “الحزام والطريق”، والنفوذ الجيوسياسي، وأمن المواطنين الصينيين. ويبقى التحدي الصيني الأكبر، هو كيفية حماية هذه المصالح دون التورط المباشر في الصراع أو التدخل في الشؤون الداخلية، بما يتماشى مع نهجها الدبلوماسي التقليدي. منوهة لتطلع بكين إلى تعزيز مصالحها الخاصة بجانب حفاظها على موقف محايد، في الوقت الذي تعمل فيه الدول على تمديد وقف إطلاق النار الهشّ بين القوى المتنافسة في السودان.
وكان مجلس السيادة السوداني قد أشار قبل توجه رئيسه إلى بكين، لمباحثات سيجريها البرهان مع بكين بهدف تعزيز آفاق التعاون المشترك وإيجاد شراكات إستراتيجية بين البلدين في كافة المجالات. وعليه، زار البرهان مقر مجموعة “CNPC” الصينية العاملة في مجال النفط، لمناقشة آفاق التعاون المشترك في تطوير صناعة النفط السوداني والتوسع في الاستكشافات النفطية الجديدة. إلى جانب ذلك، تم توقيع اتفاقيات مشتركة مع مجموعة شركات الطاقة والتعدين المنضوية تحت منظومة الصناعات الدفاعية وشركات “CHINA ENERGY” المتخصصة في بناء الطاقة النووية وإنشاء الموانئ والمطارات.

مع ذلك، يرى أبو زامل خلال حديثه مع “الحل نت”، محدودية المصالح الصينية بالسودان في المنظور القريب، وهو ما انعكس بشكل سلبي على التبادل التجاري بين البلدين. ومع عدم انخراط بكين بصورة جادة في التحولات السودانية الأخيرة، يمكن القول إن السودان لم يعد يمثل على المدى المتوسط على الأقل أهمية استراتيجية كبيرة في سياسات الصين الخارجية.
- مقتل قيادي “حوثي” بارز في “كهبوب” قرب باب المندب
- من الساحل السوري إلى لبنان.. كيف تحركت شبكة متهمة بالتخطيط لهجمات في سوريا؟
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج

