يقترب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد من الدخول في شهره الثاني، مخلّفًا إرثًا من تدمير البنى التحتية والاقتصاد السوري، خاصة قطاعه المصرفي الذي تأثر عمله ويعاني أزمة سيولة.
وتعاني سوريا عجزًا اقتصاديًا، انعكس بوضوح في نقص السيولة بالمصارف التي أصبحت عاجزة عن تمويل العمليات المالية، ما أدى إلى تأخير رواتب الموظفين وعجز المودّعين عن سحب أموالهم.
نقص السيولة والأزمة المعيشية
أزمة السيولة النقدية لدى النظام المصرفي السوري، تُعد انعكاسًا لسياسة نقدية انكماشية تنذر بآثار سلبية كبيرة على الاقتصاد، وسط حالة من القلق وعدم توفر أي بوادر لحل الأزمة في الأفق.
وأدت أزمة نقص السيولة النقدية إلى تفاقم الأزمة المعيشية للسوريين، الذين هم في حاجة إلى السيولة المالية لتمويل عملية الاستهلاك، في ظل معاناتهم من استمرار ارتفاع الأسعار، فأصبحت قدرتهم شبه معدومة فيما يخصّ الحصول على السيولة النقدية من الليرة السورية لشراء ما يحتاجونه.

ولم تعلن حتى الآن “حكومة تصريف الأعمال” أو “المصرف المركزي”، بشكل واضح عن وجود عجز في السيولة، كما لم تتوفر معلومات مؤكدة حول أي قرارات لمواجهة تلك الأزمة، بالرغم من أثرها الواضح في الأسواق، حيث تراجعت القدرة الشرائية لدى المواطنين نتيجة قلة النقد المتداول.
تشير التقديرات إلى أن تضخم أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 93%، وقد تفاقم هذا الوضع بسبب خفض الدعم الذي تقدمه الحكومة، بحسب بيانات البنك الدولي، التي تشير إلى أنه مع تباطؤ الاقتصاد، لا تزال إيرادات المالية العامة تسجل تراجعاً، كما تراجع النشاط الاقتصادي بالبلاد بنحو 1.2 على أساس سنوي، مع ضعف النشاط التجاري.
إجراء مرفوض
مؤخرًا تم تداول أنباء تفيد بأن “مصرف سوريا المركزي” اعتزم تغذية المصارف الخاصة والعامة ومختلف فروعها في المحافظات، بالعملة السورية من فئات 1000 و500 و200 و100 ليرة، وذلك من أجل وضعها للسحب من قبل الزبائن ممن لديهم مدّخرات وودائع أو حوالات وتحويلات مصرفية.
الإجراء المتداول لم يلقَ ترحيبًا، إذ إن هذه الفئات كانت قد اختفت تقريبًا من التداول، واعتُبرت عمليًا منتهية الصلاحية، البعض رفض استلامها، بينما آخرون طالبوا بتوضيح رسمي من المصرف المركزي حول صلاحيتها.
هذا ويواصل سعر صرف الدولار الأميركي استقراره منذ أكثر من أسبوع، وفق النشرة الرسمية لـ “المصرف المركزي السوري”، حيث سجل 13 ألف ليرة للشراء و13 ألفاً و130 ليرة للمبيع، كما حافظ سعر صرف الحوالات الخارجية على استقراره عند 13 ألف ليرة.
وفي السوق الموازية، شهد الدولار انخفاضًا قياسيًا ووصل سعره إلى 9200 ليرة للشراء، بينما سعر المبيع وصل إلى 9300 ليرة، وفق بيانات موقع “الليرة اليوم” الاقتصادي.
“حبس السيولة” لدى التجار
في هذا الإطار أوضح الخبير الاقتصادي، جورج خزام، أن هناك تراجعًا كبيرًا في كمية الأموال المتداولة بالليرة السورية داخل “المصرف المركزي” والمصارف الخاصة، مقارنة بكمية الأموال المطبوعة.
وأفاد خلال منشور له عبر موقع التواصل “فيسبوك”، بأن “المصرف المركزي” يقوم باحتباس السيولة النقدية لدى التجار والصناعيين، استعدادًا لدفع رواتب الموظفين مع الزيادة التي تم الإعلان عنها، وهو ما أدى إلى انخفاض واضح في السيولة النقدية المتاحة في الأسواق السورية.

وكشف أن الصرافين والمضاربين على الليرة السورية، سواء داخل البلاد أو خارجها، بالتنسيق مع صفحات “فيسبوك” مجهولة المصدر، يمتلكون الكتلة النقدية المفقودة بالليرة، بهدف التأثير على سعر صرف الدولار مما يؤدي إلى تقلبات سريعة في الأسعار لتحقيق أرباح ضخمة عبر شرائه بأقل سعر وبيعه بأعلى سعر، وهو ما يُسهم في انهيار الاقتصاد وتراجع مدّخرات المواطنين.
ورأى أن انخفاض كتلة السيولة النقدية المتداولة بالليرة السورية والدولار في السوق يتيح للصرافين والمضاربين استخدام كميات أقل للتلاعب بسعر الصرف، كلما قلّت السيولة، زادت سرعة تأثيرهم على تقلبات الدولار، مما يفاقم من الاضطرابات الاقتصادية.
تثبيت الأسعار بالليرة
أما عن عدم إمكانية التداول بالدولار محل الكمية المفقودة بالسوق من الليرة السورية، أوضح خزام خلال منشوره أن التداول بالأجزاء من الدولار الواحد غير متاح، وأن أغلب الأوراق المتداولة بالدولار بالسوق من فئة 50 و 100 دولار، وهو ما يعادل 500,000 و 1,000,000 ليرة سورية.
مع انخفاض سعر صرف الدولار أصبح تثبيت الأسعار بالليرة السورية يحقق أرباحًا أكبر، خاصة وأن الطبقة الفقيرة بين السوريين أصبحت تشكل أكثر من 85% من الشعب الذي لا يملك الدولار.
الخبير الاقتصادي، جورج خزام
وأفاد بأن بما أن هنالك بالأسواق جفاف بالسيولة النقدية بالليرة السورية فإن بضع مئات من المليارات بالليرة السورية وبضع ملايين من الدولارات كافية لتحريك سعر صرف الدولار بما يحقق المكاسب السريعة كما يحصل اليوم.
خطة حكومية
من جهته أوضح الأستاذ في جامعة العلوم الماليزية فرع إسطنبول، والمستشار الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر، أن الحكومة السورية حتى تواجه تدهور سعر الصرف، لجأت إلى استراتيجية حبس السيولة كوسيلة لتحقيق الاستقرار النقدي.
وأشار إلى أن حبس السيولة يُعد إجراءً نقديًا يهدف إلى تقليل كمية الأموال المتداولة بين المواطنين والشركات، من خلال تقييد السحب النقدي من البنوك، ورفع تكلفة الحصول على النقد، إضافة إلى تشديد الرقابة على التعاملات النقدية.

وبيّن أن الحكومة السورية تستهدف من خلال هذا الإجراء تقليل الطلب على الدولار، عبر تقليص السيولة المتاحة، حيث تأمل الحكومة أن تقلل من قدرة الأفراد والشركات على شراء الدولار، وبالتالي تخفيف الضغط على الليرة.
إضافة إلى أن كبح التضخم، بالحدّ من السيولة النقدية يهدف إلى تقليل الطلب على السلع والخدمات، مما يساعد على استقرار الأسعار.
تأثيرات محتملة
بشأن تأثير استراتيجية حبس السيولة على سعر الصرف، أوضح الناظر، أن هناك إيجابيات محتملة في مقدمتها تخفيف الضغط على الدولار، فمع انخفاض السيولة، يقل الطلب على العملات الأجنبية، مما قد يبطئ تدهور سعر الصرف، كما أنها تؤدي أيضًا إلى خفض الإنفاق المحلي، بسبب تراجع الاستيراد وبالتالي تقليل العجز التجاري.
تتمثل التأثيرات السلبية المتوقعة، في إعاقة النشاط الاقتصادي، فإن نقص السيولة يؤثر سلبًا على قدرة الشركات على العمل، مما يؤدي إلى تباطؤ الإنتاج وانكماش الاقتصاد، إضافة إلى زيادة الفقر، وعدم قدرة السوريين على تلبية احتياجاتهم الأساسية بسبب تقييد الوصول إلى الأموال.
المستشار الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر
وأكد أن تقييد السحب النقدي، من شأنه أن يفقد المواطنين الثقة في النظام المصرفي، ما يدفعهم إلى سحب مدّخراتهم وتحويلها إلى أصول أخرى مثل الدولار أو الذهب.
وأكد الناظر أن استراتيجية حبس السيولة قد تحقق استقرارًا قصير المدى لسعر صرف الليرة السورية، لكنها تحمل آثارًا سلبية على الاقتصاد المحلي والحياة اليومية للمواطنين، فبمجرد الإفراج عن السيولة يعاود سعر الصرف الانخفاض بحدّة.
وقال إن تحسين سعر الصرف يتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية والثقة في النظام المالي، مع التركيز على دعم الاقتصاد الحقيقي بدلاً من الاعتماد على السياسات النقدية التقييدية فقط.
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- پرونده قضایی برای مسابقه دو زنان در تهران؛ چالش ادامهدار پوشش اختیاری
- من بينهم متهم بتبني هجوم باريس.. العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى “داعش”
- القبض على رئيس أركان “الحرس الجمهوري” في عهد الأسد

