قيادة الشرع لسوريا: هل تنتصر الدولة أم تهيمن لغة التصفيات مجدداً؟

قيادة الشرع لـ سوريا هل تنتصر الدولة أم تهيمن لغة التصفيات مجدداً؟
قيادة الشرع لـ سوريا هل تنتصر الدولة أم تهيمن لغة التصفيات مجدداً؟

بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب في سوريا، لم تستغرق الضربة التي أطاحت بالنظام سوى أحد عشر يوماً، ولا تزال وتيرة الأحداث متسارعة حتى هذه اللحظة. فما بين الصراع العسكري والتدخلات الخارجية والأزمات الإنسانية والمفاوضات السياسية والتغيرات في التحالفات السياسية على مدى أكثر من عقد مضى، وما بين آمال السوريين في الثورة والتطلع إلى مستقبل يشفي آنين قلوبهم ويثأر لسنوات القمع الطويلة تتعلق أبصار وعقول السوريين بالنظام الحاكم في دمشق، وتدور في أذهانهم مجموعة من المخاوف والقلق حيال مستقبل بلدهم أكثر مما يشعرون به من الظلم والقمع مما كان. 

نحاول في هذه المقالة استعراض مخاوف السوريين من النظام القائم، ومن فكرة الصراع بين الفصائل المسلحة، والخوف من المصالحة دون ضمانات، وآمالهم في عدالة انتقالية، ومخاوفهم من التقارب الروسي وإهمال العلاقات السورية مع الغرب.

الشرع ومخاوف السوريين

بالتزامن مع احتفالات السوريين بسقوط الأسد ونظامه، كان هناك غصة في قلوبهم وخوف من ثورة مضادة، وخوف آخر أكثر من القائد الجديد صاحب الخلفية الإسلامية، المعروف سابقاً باسم “أبو محمد الجولاني”، ليصبح فيما بعد أحمد الشرع؛ وكأنما كان بمثابة رسالة لشعب سوريا بأنه ليس الشخص القديم الذي يخشاه السوريون بسبب توجهه الأيديولوجي. فقد كان الشرع – أو الجولاني – سابقاً زعيم “هيئة تحرير الشام”، وهي جماعة إسلامية كانت مرتبطة في السابق بتنظيم “القاعدة” حتى عام 2017. 

وعلى الرغم من انفصاله عن تنظيم “القاعدة” وتغيير اسمه ومحاولته الظهور بمظهر عصري يتناسب مع رجل الدولة، فقد تخلى عن ملابسه العسكرية وارتدى بدله وربطة عنق أثناء ترحيبه بالدبلوماسيين الأجانب والعرب. إلا أن هذا كله لم يكن كافياً ليطمئن السوريين الذين عانوا من الاعتقالات وأصبحوا لاجئين في الدول المجاورة وغير المجاورة؛ فهل يكفي مجرد تغيير رأي السوريين أن تكون هذه الخطوات شكلية خارجية تطمئن نفوسهم وتهدئ أرواحهم؟

في حديث للإعلامي السوري، ضياء محمد، مع “الحل نت” يقول: “الشرع رجل عسكري طيلة سنوات الثورة السورية، وليس سياسيًا، وقد شهدنا خلال السنوات السابقة العديد من التحالفات بينه وبين فصائل معروفة بارتزاقها الخارجي، فضلًا عن سجونه التي كانت ممتلئة بقيادات وضباط الجيش الحر. ولأن للشرع سوابق في هذه الأفعال، فمن الطبيعي أن يقلق السوريون”.

فالسوريون لديهم مخاوف حياتية وسياسية وأمنية واقتصادية؛ فكيف لربطة عنق أن تزيل مخاوفهم؟! ويطرحون سؤالاً مشروعاً: هل من الممكن أن يكون الشرع امتداداً جهادياً في شكل جديد تدفع ثمنه سوريا وشعبها؟

وخاصة أن ما يعزز هذا الخوف والقلق هو كثرة الأسئلة التي لم يجد لها السوريون إجابات، مثل العدالة الانتقالية وضماناتها، ووضع الفصائل المسلحة والتوصل إلى اتفاق موحد بينهم، وكيفية التعامل مع عناصر النظام السابق الذين قتلوا السوريين في وطنهم، وكيف تكون علاقات سوريا الخارجية؟

والسؤال الأهم: هل سيحاول الشرع وجماعته الانفراد بالسلطة في ظل غياب الحديث عن الديمقراطية والتنوع السياسي؟

كل هذه الأسئلة تقبض على قلوب السوريين وتكدر عليهم فرحة الخلاص من الأسد ونظامه.

حل الفصائل المسلحة والمصالحة

في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت القيادة السورية الجديدة أن الشرع سيلقي كلمة في “مؤتمر النصر”. وخلالها أكد الشرع أن “النصر هو تفويض في حد ذاته”، مع التركيز على ملء الفراغ في السلطة بالوسائل القانونية والشرعية. 

وتحدث الشرع عن بناء السلام المستدام من خلال العدالة الانتقالية ومنع الأعمال الانتقامية، وبناء مؤسسات الدولة الجديدة، مع التركيز بشكل خاص على القوات العسكرية والأمنية والشرطية لحماية السلامة العامة. كما أوضح كيفية حل جميع الفصائل المسلحة السابقة وأعلن عن إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية. 

وأعلن بيان مؤتمر “النصر” صراحة: “يجب حل الجيش، وإعادة بناء جيش جديد على أساس وطني”. وأكد البيان أن “جميع الأجهزة الأمنية يجب أن تُحل، وأن تُنشأ مؤسسة أمنية جديدة”، وأن “حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية يجب أن تُحل، ويُحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر”. 

كانت هذه الخطوات متوقعة وحتمية، ولكن الافتقار إلى الوضوح بشأن مصير أعضاء هذه المؤسسات وسبل عيشهم ـ الذين يبلغ عددهم مئات الآلاف ـ قد يدفعهم نحو أعمال عدائية، وربما حتى يدفع بعضهم إلى حمل السلاح. ومن الأهمية بمكان إذن توضيح مصير هؤلاء الأفراد، وخاصة لضمان مصدر مستقر لكسب العيش لهم ولأسرهم.

في مقابلات إعلامية سابقة، تعهد الشرع بتفكيك “هيئة تحرير الشام” وجميع الفصائل الأخرى، مع ضمان سيطرة الدولة حصرياً على جميع الأسلحة. إلا أن العديد من الأسئلة الرئيسية لا تزال دون إجابة: ما هي الآلية التي ستُستخدم لتنفيذ حل هذه الفصائل؟ كيف سيتم حل النزاعات مع ميليشيا السويداء التي وضعت مطالباً عالية، ومع فصيل أحمد العودة؟ ماذا يعني حل الهيئات الثورية والمدنية؟ هل يمكن دمج الهيئات الثورية والمدنية فعلياً في مؤسسات الدولة، كما هو مقترح، في ظل التركيز على تجنب تضخم أجهزة الدولة؟

يوضح لنا ضياء محمد: “برأيي، منطق السياسة الذي يقول لا عدو دائم ولا صديق دائم قد يفرض على الشرع مصالحة العديد من الكيانات، سواء كانت دولاً أو أفراداً أو مسؤولين سابقين، وذلك لرغبته في إظهار المسامحة والقبول أمام الرأي العام الداخلي والدولي”. 

وعلى الرغم من أن ما أوضحه الشرع في خطاباته المناسبة لمرحلة سوريا الحالية ومخاوف أهلها، إلا أنه ظل حديثاً نظرياً لم يصاحبه خطة زمانية أو مكانية توضح كيفية التفعيل والتحقق على أرض الواقع. ويزيد القلق لدى السوريين التأخير في محاكمة عناصر النظام السابق؛ فهل اكتفى الشرع بما أطلق عليه “مراكز تسوية لعناصر النظام المجرمين”؟!

يطالب السوريون بالمساءلة عن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية، لكن الشرع لم يقدم أي خطة واضحة لمعالجة هذه المظالم. وقد يؤدي هذا الإغفال إلى تنفير السوريين الذين يرون في العدالة شرطاً مسبقاً للاستقرار والمصالحة. 

الصحفي عقيل حسن، في حديثه مع “الحل نت” يؤكد على أنه: “ليس هناك بتقديري سعي لعدم محاكمة أركان النظام السابق، بل هناك كما قلت خطوات متأنية ودراسات ومتابعات يتم العمل عليها، بالإضافة إلى أن القضاء لا زال معلقاً العمل به حتى الآن. على أي حال، السوريون يراقبون هذا الملف بعناية، ولا يمكن لأي جهة أن تهمله مهما كان، لأن هذا يضعها بمواجهة الملايين من ضحايا النظام”.

العدالة الانتقالية الغائية

رغم كل حديث الشرع عن الحكم الرشيد أو العادل، إلا أنه يتطرق بعد ذلك إلى واحدة من أكثر احتياجات سوريا إلحاحاً: العدالة الانتقالية. ذلك أن جراح الحرب السورية عميقة؛ فلا يزال الآلاف في عداد المفقودين أو المعتقلين، وقد تعرضت مجتمعات للدمار بسبب المجازر، ولا تزال ندوب العنف الطائفي تقسم الأمة. 

إن عدم وضوح موقف الشرع في مواجهة هذه المظالم يهدد بتقويض جهوده لإعادة صياغة هويته وتنفير الناس الذين يسعى إلى قيادتهم. وقد أشار ضياء محمد إلى: أن “أهالي المعتقلين وذويهم، والناجون من سجون النظام، يشعرون بالكثير من الامتعاض حيال عدم وجود جهود حقيقية للكشف عن مصير أبنائهم واعتقال المسؤولين عن تغييبهم وتعذيبهم لسنوات، وهم يرون أن ما يحدث، في أفضل الأحوال، لا يعدو كونه مجاملة رخيصة على حساب دم أبنائهم الغالي”. 

وأضاف قائلاً: “طالما لا يوجد حديث عن قضاء مستقل ودستور واضح يحدد طريقة ومعايير معاقبة المجرمين، فلن يكون هناك حوار وطني حقيقي أو عدالة انتقالية بالمعنى الفعلي. السوريون لا يمكنهم التحاور مع من دعم قتلهم طيلة سنين الثورة”.

أما عقيل، فيرى أن: “هناك من يتوجس حيال البطء في إجراءات العدالة الانتقالية وتأخر تطبيقها، وهناك من يطلق تفسيرات لا أعتقد أنها واقعية، لكن ما أنا واثق منه أن السلطة الحالية لا تريد ولا تستطيع أن تتخلى عن المحاسبة؛ لكن هذا يتطلب أن تكون المحاسبة دقيقة وتشمل من يستحق المحاسبة بالفعل من مسؤولي النظام السابق، لذلك فإن تأخر الأمر قليلاً برأيي أفضل من أن يحدث بطريقة غير صحيحة”.

فالعدالة الانتقالية ليست مجرد ضرورة أخلاقية، بل هي ضرورة عملية لبناء مجتمع مستقر وشامل. ففي رواندا، على سبيل المثال، كانت آليات العدالة الانتقالية – في شكل محاكم “الجاكاكا” المجتمعية – فعالة في معالجة مظالم الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994، مما سمح للناجين والجناة بالتعايش. 

وفي جنوب أفريقيا أيضاً، لعبت لجنة الحقيقة والمصالحة دوراً محورياً في مساعدة البلاد على تجاوز الفظائع التي ارتُكبت أثناء نظام الفصل العنصري من خلال تعزيز الشعور بالمساءلة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب. 

أما في لبنان، فإن الوضع مختلف؛ فهو ما يخشى السوريون أن يتكرر في سوريا من إهمال العدالة الانتقالية. وبعد عقود من انتهاء الحرب الأهلية، لا تزال البلاد منقسمة بشدة، مع استمرار المظالم غير المحلولة في إدامة دورات عدم الثقة والطائفية. 

لقد أدى غياب المساءلة عن جرائم الحرب المرتكبة أثناء الصراع إلى ترك إرث من الإفلات من العقاب، مما منع لبنان من تحقيق المصالحة الحقيقية. فالوضع في سوريا مشابه للوضع في لبنان، بالإضافة إلى جرائم الأسد والجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها “تحرير الشام” والفصائل الأخرى؛ فسوريا على شفا حفرة من نار الانقسامات إذا لم تُوضع العدالة موضع التحقق والتنفيذ. فالعدالة الانتقالية لا بدّ أن تكون في صميم عملية تعافي سوريا، وهذا يعني خلق آليات لمعالجة المظالم، ومحاسبة الجناة، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المنقسمة.

استراتيجية علاقة الشرع بروسيا

عظيمةٌ هي مهام الحكومة الجديدة في دمشق، وكثيرةٌ هي المخاوف السورية، وما بين سياسة الدولة وعلاقتها الاستراتيجية الخارجية، وما بين نفور الشعب السوري من بعض الأطراف الخارجية، يقف الشرع من موسكو، الذي لم يظهر قاطعَ المانع بل حاول جاهدًا أن يقدم مبررات للتعاون والتعامل الدبلوماسي بين البلدين. ليطرح علينا سؤالاً منطقيًا: هل اختار الشرع منطق الدولة والسياسة على حساب معاناة السوريين وأوجاعهم وغربتهم عن بلادهم؟!

وقال الشرع في حديثه لقناة “العربية”، إنه يتوقع أن تسحب موسكو قواتها من سوريا، إلا أنه تحدث أيضًا عن “مصالح استراتيجية عميقة” مع “ثاني أقوى دولة في العالم”. وأضاف في تصريحه: “لا نريد أن تخرج روسيا من سوريا بطريقة تقوض علاقتها مع بلادنا”، دون تقديم تفاصيل. وأضاف أن “جميع الأسلحة السورية هي من أصل روسي، والكثير من محطات الطاقة تُدار بواسطة خبراء روس… ولا نريد أن تخرج روسيا من سوريا بالطريقة التي يرغب بها البعض”.

والحقيقة أن العلاقات السورية الروسية لها قدراً من الخصوصية لدى السوريين؛ فهذا يأتي من كون السوريين ينظرون إلى الدب الروسي كعصا مسلطة على جلودهم. فقد ساعدت موسكو في إبقاء الأسد في السلطة عندما تدخلت عسكريًا في الحرب السورية عام 2015، حيث شنت ضربات مدمرة على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وعندما اجتاحت المعارضة دمشق في كانون الأول/ديسمبر، منحت روسيا الأسد حق اللجوء، مما أثار غضب العديد من السوريين، بما في ذلك الشرع وجماعته.

روسيا تسعى إلى تأمين مصير قاعدتها البحرية في طرطوس وقاعدتها الجوية في حميميم. ويضيف ضياء محمد: “ربما يستخدم الشرع علاقاته مع حلفاء النظام، كروسيا، لتخفيف الضغط الأوروبي، وتحديد سقف للمطالبات، وافتتاح بازار سياسي بين الفرقاء يحصل من خلاله على المزيد من الدعم والاعتراف”.

وما بين الزيارات الرسمية خلال الشهر الفائت من موسكو إلى دمشق والمكالمات بين الدب الروسي والشرع في منتصف هذا الشهر، يقف العالم الغربي مراقبًا بصمت التقارب الجديد بين أعداء الماضي. وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة فاصلة ومهمة، وهي مسألة العقوبات التي يجب أن يضعها الشرع نصب عينه: هل من الممكن أن ترفع أمريكا العقوبات عن سوريا في ظل التقارب مع روسيا؟! وهل من الممكن أن يبني الشرع علاقات مع روسيا ويهمل بناء علاقات مع العالم الغربي، إذ يدرك مدى حاجة سوريا واقتصادها إلى رفع العقوبات؟! أم هل على سوريا أن تفتح أبوابها أمام الجميع دون الاكتفاء بطرف دون الآخر، أي بالاعتماد على منهج البدائل المتعددة والأطراف المتنوعة؟

ويشير عقيل إلى أنه لا شك أن الاتصالات التي أجرتها القيادة السورية مع روسيا، والتصريحات الإيجابية التي أطلقتها تجاه موسكو، تهدد مستقبل العلاقات مع الغرب القوي، وتحديدًا الولايات المتحدة، ما يعني المخاطرة؛ لكن، على ما يبدو، فإن دمشق تريد أن تلعب سياسة بكعبٍ عالٍ مع مختلف الأطراف. وإن كنت أعتقد أن التوجه النهائي سيكون غربيًا، فالرئيس الشرع وفريقه السياسي يمتلكون من الذكاء ما يكفي كي لا يخسروا الغرب.

وأخيرًا، يرى المحللون أن هناك جملةً من التحديات التي تواجه النظام القائم؛ أكد عقيل أنها تتركز في أن الشرع يقود اليوم حكومة أنتجتها الثورة، والثورة بطبيعتها تحمل العفوية والانفعال، وهو أمر طبيعي للثوار الذين عانوا أشد المعاناة ولسنوات طويلة من بطش الأسد ونظامه، لذلك تكون المطالبات ملحة للاستعجال بالمحاسبة، لكن هذا يمكن أن يؤثر على تحقيق العدالة التي تتطلب تمكّنًا وهدوءًا، وهو ما يمكن تحقيقه بالعقل السياسي البارد مع الحفاظ، طبعًا، على إرادة تحقيق العدالة.

أما ضياء محمد فيرى أن التحديات تكمن في الضغوط الشعبية التي تطالب بالإسراع في محاكمة المجرمين واستبعاد مؤيدي النظام السابق من المناصب، إلى جانب الضغوط الدولية التي تدعوه إلى إظهار نفسه كنظام منفتح وعصري يتطلع إلى بناء سوريا دون أحقاد.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم