ثمة ردود فعل عديدة ومتباينة بدأت تحصدها أحداث العنف الدموية التي شهدتها مناطق الساحل السوري، خلال اليومين الماضيين، وذلك على المستوى المحلي، وكذا الخارجي والإقليمي. فمقاطع الفيديو والصور التي وثقها صحافيون وناشطون، فضلا عن ما رصدته المنظمات الحقوقية، مثّلت صدمة فادحة بين الأوساط السياسية والمجتمع المدني، وذلك على خلفية وقوع أكثر من 240 قتيلا، منذ الخميس الماضي، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية “فرانس برس”، نتيجة تفشي حوادث قتل دموية وإعدامات ميدانية جنبا إلى جنب مع خروقات لا تقل قساوة أو همجية وخارج نطاق القانون لها صفة طائفية.
جاءت الأحداث الأخيرة، على ما يبدو، لتكون حدا فاصلا جديدا يختلف عن المراحل السابقة بين السلطة الجديدة في دمشق التي يقودها أحمد الشرع، ومختلف المكونات السورية. فالاعتداءات المتورط فيها أفراد تابعين لقوات الأمن، وتحمل إهانات بالغة متعمدة للمدنيين وتوصيفهم بعبارات طائفية، لم تعد تندرج ضمن “الأعمال الفردية”، بل هي سياسة “ممنهجة” وتتبنى رغبة انتقامية، وقد أكد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” وقوع “إعدامات ميدانية وعمليات قتل ممنهجة”، وحدوث “5 مجازر” مروعة في مناطق منفصلة، قضى فيها 162 مدنيا، منهم نساء وأطفال.
بينما قال مدير “المرصد السوري“، رامي عبد الرحمن، لوسائل الإعلام، إن أعداد القتلى حتى اللحظة تفوق 400 شخص، بينهم 193 مدني في عدة مجازر في الساحل السوري.
كذلك، وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، مقتل قرابة 125 مدنيا على يد قوات الأمن في أرياف اللاذقية وطرطوس وحماة، مشيرة إلى أن حملات قوات الأمن تخللتها عمليات إعدام ميداني واسعة، مؤكدة أن “مسلحين موالية لنظام الأسد قتلت 100 من قوات الأمن و15 مدنيا”.
ردود فعل غاضبة
ويقول المرصد إن “الغالبية العظمى من الضحايا تم إعدامهم بإجراءات موجزة على يد عناصر تابعين لوزارتي الدفاع والداخلية”.
ولهذا، عبرت وزارة الخارجية الألمانية، التي طالبت الأطراف السورية كافة ضرورة تفادي “دوامة العنف”، عن صدمتها من مشاهد العنف وأعداد الضحايا التي تتضاعف، وقالت في منشور على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “نحن مصدومون إزاء العدد الكبير للضحايا في المناطق الغربية في سوريا.. ندعو كل الأطراف إلى السعي لحلول سلمية والوحدة الوطنية والحوار السياسي الشامل والعدالة الانتقالية لتخطي دوامة العنف والكراهية”.

وفي المؤتمر الصحفي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك أمس الجمعة، ذكر الناطق بلسان الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أن الأمين العام يدين بشدة كل أعمال العنف في سوريا مطالبا الأطراف إلى حماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية.
وتابع: “الأمين العام يشعر بالقلق إزاء خطر تصعيد التوترات بين المجتمعات في سوريا في وقت ينبغي أن تكون فيه المصالحة والانتقال السياسي السلمي على رأس الأولويات بعد 14 عاما من الصراع، فالسوريون يستحقون السلام المستدام والازدهار والعدالة”.
وقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، إنه “في ظل استمرار تطورات الأوضاع وسعينا للتأكد من الحقائق بدقة، فإن هناك حاجة فورية لضبط النفس من جميع الأطراف، وضمان الاحترام الكامل لحماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي”.
وشدد على أهمية توخي جميع الأطراف الابتعاد عن أي أعمال قد تؤدي إلى تأجيج التوترات، أو تصعيد النزاع، أو تفاقم معاناة المجتمعات المتضررة، أو زعزعة استقرار سوريا، أو تقويض انتقال سياسي ذي مصداقية وشامل للجميع.
تعمية على المجازر
وإلى ذلك، يمكن القول إن الوضع يؤشر إلى درجة تأزم قصوى، ليس على مستوى التفلت الأمني والخروقات الحقوقية التي تنفذها القوات الأمنية، بل إن موجة العنف تعكس ما هو أبعد من ذلك كله، بخاصة بعد الخطاب الذي ألقاه أحمد الشرع، والتماهي مع فكرة “المؤامرة” وسردية “فلول النظام” واعتبارها كافية للتغطية على الجرائم والانتهاكات المستمرة من قبل عناصره بحق المدنيين وفئات واسعة من المجتمع لمجرد الانتماء لطائفة كان منها الرئيس المخلوع بشار الأسد، الأمر الذي كان يستدعي خطابا يتحمل فيه مسؤولية ما جرى من الناحية السياسية والأمنية.
فضرورة فتح تحقيق للمسائلة وتقصي أدوار كل طرف ومعرفة الجناة ومحاسبة المسؤولين، لا يعد رفاهية بل مسألة مركزية غابت عن خطاب الشرع. فهذا المنحى الخطير يضع سوريا الجديدة المفترضة في مرحلتها الانتقالية على الحافة، أما الإشارة عن دور قوات الأمن في حماية المدنيين الذي جاء في الخطاب، فهي إلى جانب مخالفتها للواقع، تعكس تعمية عن الانتهاكات، واستبعاد احتمالات المحاسبة والتحقيق العادل، فضلا عن كونها قد تكون مؤشرا للاستمرار في العنف ومنحه قبولا أو شرعية.
تؤكد شهادات عديدة لـ”الحل نت”، أن ما حدث في الساحل السوري، هو انعكاس للتجييش المستمر ومناخ الاستقطاب الذي لن ينجو منه أحد، وفقط تصادف تلك المرة مع الخصم المباشر للسلطة الجديدة ممثلا في الطائفة العلوية، ليس فقط لكونهم ارتبطوا بالنظام السابق، بل إن الضحايا من المدنيين وبعضهم من معارضي “الأسد”، يؤسس لفكرة أن هذا العنف هدفه تثبيت رؤية للحكم الطائفي الذي لن يقبل بالتعددية، مثله مثل سابقه الذي اعتمد الأدوات الطائفية ذاتها لجهة إلغاء التنوع ومنع التشاركية السياسية.
ويقول حسان غ. أحمد لـ”الحل نت”: “من غير الممكن تسمية ما حدث ويحدث اليوم في سوريا إلا بكونه إبادة طائفية ممنهجة، حيث إنه ومنذ تاريخ الثامن من كانون الأول/ديسمبر، يتعرض العلويون في سوريا لخطاب كراهية غير مقبول مصحوب بمئات حالات القتل والخطف والنهب المبنية على أساس طائفي فقط. الأمر الذي ولّد حالة مشروعة من الخوف وعدم القبول للسلطة الجديدة في دمشق التي تعتمد على سياسة اللون الواحد في تعييناتها وملاحقة الكثير من أبناء الطائفة العلوية بحجّة أنهم من “فلول” النظام البائد كما تطلق عليهم حكومة الأمر الواقع في دمشق، بالإضافة إلى عدم ضبطها وقمعها لعناصرها من الأمن العام أو من عساكر وزارة الدفاع الذين يقومون بهذه التجاوزات الطائفية”.
ما حصل في سوريا بتاريخ السادس والسابع من آذار/مارس الجاري في قمة الخطورة، ويضع الكثير من العثرات في طريق أي عقد اجتماعي ممكن تدشينه.
وأردف والحديث لحسان ابن محافظة طرطوس: “لدي حتى الآن، 29 اسما مؤكدا في منطقة بانياس وحدها، والعدد الحقيقي أكبر بكثير ولكنني لا زلت بصدد البحث عن الأسماء والتأكد منها، مع غياب الأرقام المؤكدة عن باقي المناطق والأرياف، إلى أن التأكيدات التي تصلنا من الفيديوهات التوثيقية تحدّثنا عن مئات حالات القتل التي تمت من خلال إطلاق الرصاص أو الذبح بالسكين. عائلات بأكملها تمت إبادتها، لم يمّيز عناصر الحكومة الجديدة بين النساء والأطفال والعجّز والرجال المدنيين، تم قتل الجميع لسبب انتمائهم الطائفي فقط. ولا زالت أسماء الضحايا ترد إلينا حتى الآن، ولا زالت عمليات القتل مستمرة حتى لحظة تدوين هذه الشهادة”.

وتابع لموقع “الحل نت”: “تم استخدام المدفعية الثقيلة، والرشاشات المتوسطة، والطيران المروحي للقصف ورمي الحشوات المتفجرة، بالإضافة إلى السكاكين – وهي سردية لم يتمكن الحل نت التأكد منها – طبعا في قتل وتهجير العلويين، محققين في ذلك أسوأ كوابيس هذه الطائفة المتعلقة بسقوط نظام الأسد”.
بالحديث عن الأسد، فإن العلويين قد عانوا فقرا وتفرقةً منقطعة النظير في عهد الأسد الأب والابن، ولم يكادوا أن يتنفسوا الصعداء بعد سقوطه وأملهم ببناء مجتمع مدني تشاركي حتى بدأت عمليات القتل الممنهج وفصل الموظفين من وظائفهم وإعطائهم إجازات قسرية وحرمانهم من رواتبهم. الأمر الذي دفع بالبعض منهم بالمطالبة بالحماية الدولية خوفا من الإبادة التي يتعرّضون لها اليوم.
ومع الأسف، فإن حكومة دمشق تؤسس لعنف علني على أساس طائفي من خلال ملاحقة صغار “الفلول” من العلويين، بالوقت الذي يسرح ويمرح فيه كبار “الفلول” من الطائفة السنية الكريمة في البلد من دون محاسبة لجرائمهم بحق الشعب السوري، طبقا لحديث حسان غ. أحمد.
وأشار إلى أن “قيم الثورة التي انضممت إلى صفوفها في 2013 مبنية على الحرية والعدالة والكرامة، ومن الواضح أن الحكومة الجهادية لن تستطيع إحقاق هذه القيم. بل أنها تبدأ بشرعنة الكراهية بين ما تبقى من مكونات الشعب السوري”.
وبجملة أخيرة أختم بالقول، بأننا لن نستستلم ونفقد الأمل أبدا عن هذا الوطن، فهو قضيتنا الأولى والأسمى، وفق حسان غ. أحمد.
“الجميع خائفين”
وفي حديثه لـ”الحل نت“، يقول محسن وهو طبيب من طرطوس بعبارات مترددة، إن “جميع من أعرفهم خائفون ولا يودون الانخراط في أي عملية عنف، وأتلقى الاتصالات والرسائل، من أشخاص تركوا بيوتهم وشردوا في براري الساحل، وتعرضوا لكل أنواع الذل، وبعضهم عائلات من أقاربنا ومعارفنا ودوائرنا القريبة، تعرض ذووهم للقتل في المنازل في بانياس، والمؤلم أن الكثير من السوريين واقعين بين (الشماتة) و(التبرير)”.
وفي شهادة أخيرة لـ”الحل نت” من صحفية من ريف اللاذقية بالساحل السوري، تقول إن ما يحدث غالبا ردات فعل انتقامية من قبل القادمين لمؤازرة قوات الأمن من خارج المحافظة. فقوات الأمن الحالية ومنذ السقوط لم تقم بأي عمليات انتقامية ثأرية بتلك الطريقة، واقتصر الأمر على بعض الانتهاكات. بالمختارية القرية التي حدثت فيها مجزرة كبيرة كان الأمر انتقاميا أيضا كون قوات المؤازرة تعرضت لكمين هناك.
وأردفت الصحفية السورية والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها، نظرا لحساسية الأمر، أن “المشكلة بدأت ليل الخميس الفائت مع دعوات للشباب بمؤازرة جبلة والانضمام لمجلس غياث دلا العسكري استجاب البعض لكن كثر قرروا البقاء مع أطفالهم، مثلا في محيطي 15 عائلة فيها أفراد بجيش النظام السابق فضلوا عدم المشاركة وفي قرية أخرى بريف جبلة أعرف أنه لم يخرج منها شاب واحد للالتحاق بالدعوات. ومع الأسف هذا (الانتحار المجاني) الذي دفع الشباب إليه كان مفتاح المجازر والعمليات الثأرية”.
أستطيع أن أوكد بناء على اتصالات ومشاهدات مختلفة ميدانية، أن نحو 700 مدني قضوا على الأقل بأرياف جبلة وبانياس واللاذقية بينهم نساء أطفال وطلاب وعائلات كاملة. كما أن عمليات التفتيش في المنازل كانت متفاوتة في طريقة التعامل. هناك منازل تم تفتيشها بطريقة جيدة من دون انتهاكات وأخرى قتل أفراد منها أو سرقت مقتنياتهم أو تبديد محتوياتهم الشخصية للانتقام أو رغبة في التخويف، طبقا للمصدر ذاته.
وتردف: “مثلا قتل أب مع اثنين من أبنائه بقرية الشامية بريف اللاذقية لمجرد وقوع ملاسنة بينهم وبين العناصر الأمنية، وكذلك تم إحراق محلات تجارية وسرقة سيارات ومصاغ ذهب وأموال”.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا

