التواجد الروسي في سوريا يشكل معضلة لترامب

قالت صحيفة “The Hill” الأميركية، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تواجد حالة من الانقسام بشأن كيفية الرد على الوجود العسكري الروسي في سوريا وما إذا كان ينبغي لها أن تطلب من الحكومة الانتقالية الجديدة إخراج القوات الروسية من القاعدة البحرية والجوية غربي سوريا.

خلال الشهر الماضي، قدّم مسؤولو ترامب لممثلي الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع قائمة شروط لرفع العقوبات في نهاية المطاف. لكن إنهاء الوجود العسكري الروسي في البلاد لم يكن من ضمنها، وفقا لشخصين مطلعين على الوضع تحدثا للصحيفة الأميركية. 

روسيا في سوريا

قال مصدر مطلع على الأمر، إن “هناك جدل داخلي واسع داخل الإدارة حول الموقف الذي يجب اتخاذه تجاه القواعد الروسية. وقد نوقش هذا الأمر داخل وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وكان هناك ضغط من بعض أعضاء الإدارة لإزالة القواعد الروسية”.

ضرورة انفكاك دمشق عن موسكو- “وكالات”

وأضاف المصدر ذاته للصحيفة الأميركية أن إخراج القوات الروسية “ليس مطلوبا حاليا من السوريين مقابل رفع العقوبات”.

تقول الصحيفة الأميركية إن التدخل الروسي في سوريا يشكل نقطة اشتعال محتملة أخرى في الوقت الذي يحاول فيه ترامب جلب موسكو إلى طاولة المفاوضات بشأن وقف الحرب مع أوكرانيا.

وكان محمد علاء غانم، أحد قادة المجتمع المدني السوري وناشط في مجال حقوق الإنسان، قد قال في شهادته أمام “الكونغرس” في تموز/يوليو: “خلال الهجوم على حلب في عام 2015 وحتى نهاية عام 2016، أسقطت روسيا عشرات الآلاف من الأطنان من الذخائر على المناطق السكنية في سوريا بما في ذلك القنابل العنقودية” .

وأضاف غانم، أن “روسيا ارتكبت جرائم حرب واسعة النطاق، حيث قتلت آلاف المدنيين السوريين، ودمرت المستشفيات والمدارس والمساجد والأسواق والكنائس والأحياء السكنية”.

دعم الخروج الروسي

خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آذار/مارس الفائت بشأن أوكرانيا، تحدث ترامب بشكل عام عن الشرق الأوسط “كمنطقة تعاون محتملة لمنع الصراعات المستقبلية”.

لكن ترامب بات يشعر بإحباط متزايد تجاه بوتين بسبب رفضه وقف القتال مع كييف، وهدد بفرض عقوبات.

وطبقا لـ”ذا هيل”، فإن صقور روسيا في “الكونغرس” يقولون إن إزالة الأصول العسكرية الروسية في سوريا هو طلب سهل من الشرع، ومن شأنه أن يحقق انتصارات جيوسياسية كبيرة للولايات المتحدة في المنطقة.

وقال النائب جو ويلسون (جمهوري من مقاطعة كاليفورنيا) للصحيفة الأميركية: “إنني آمل أن يتم بذل كل جهد ممكن لإزالة القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، وبالمثل إزالة القاعدة الجوية التي تمتلكها روسيا في سوريا”. 

بينما اتخذ السيناتور جيم ريش (جمهوري من ولاية أيداهو)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ”مجلس الشيوخ”، موقفا أكثر حذرا، قائلا إن ابتعاد دمشق عن روسيا وشركائها – الصين وإيران وكوريا الشمالية – من شأنه أن يفيد الولايات المتحدة.

“الإرهابي لا يصبح ديمقراطيا”

على الرغم من وجهات النظر الأميركية الأخرى بشأن الحكام الجدد في دمشق، مثل السيناتور جين شاهين (ديمقراطية من هاواي)، وهي عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية بـ”مجلس الشيوخ”، التي قالت: “أعتقد أننا بحاجة إلى النظر في نهج متدرج لتخفيف العقوبات، بحيث تقوم بأشياء معينة ونرفع عقوبات معينة، وتقوم بأشياء أخرى معينة، ونرفع عقوبات معينة”.

لقاء أحمد الشرع مع الوفد الروسي في العاصمة دمشق- “إنترنت”

وتابعت: “لكننا بحاجة إلى التحرك لأنه في الوقت الحالي ليس لدينا سياسة محددة تجاه سوريا وروسيا تتحرك بالفعل مرة أخرى، وإيران تتطلع إلى العودة، لذلك من المهم بالنسبة لنا أن نرسل رسالة واضحة حول ما نتوقعه وما نحن على استعداد للقيام به نتيجة لذلك”

مع ذلك، ثمة آراء أميركية حادة تجاه أحمد الشرع وسلطته، إذ يقول سيباستيان جوركا، نائب مساعد الرئيس ومسؤول مكافحة الإرهاب البارز في “مجلس الأمن القومي”: “لقد كنت أدرس الحركات الجهادية لمدة 24 عاما، ولم أر قط زعيما جهاديا ناجحا يصبح ديمقراطيا أو محبا للحكومة التمثيلية”.

وتابع: “لا يكون هناك اعتدال إلا إذا خسر القائد الجهادي. لم يخسر في دمشق، بل انتصر، فلنتحلّ ببعض المنطق”.

وقال النائب داريل عيسى (جمهوري من كاليفورنيا)، وهو عضو في اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي المعنية بالشرق الأوسط: “إن مجرد ارتداء الإرهابي لبدلة عسكرية لا يعني أنه والد البلاد”. 

نحتاج إلى رؤية مؤشرات على توفيرهم حماية متساوية لجميع الفئات، الأغلبية والأقليات، وعندما نرى ذلك، فسنكون قد بدأنا نشهد بداية فرصة سانحة. علينا أيضا أن ننظر إلى تدفق اللاجئين إلى الخارج والداخل، لأن ذلك يكشف الكثير عن نظرة الشعب السوري إلى الحكومة الجديدة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لصحيفة “ذا هيل” إن الإدارة تراقب تصرفات السلطات السورية المؤقتة في عدد من القضايا بينما “نحدد السياسة الأميركية المستقبلية تجاه سوريا”، وذلك ردا على سؤال حول ما إذا كان إغلاق القواعد الروسية شرطا لتخفيف العقوبات.

وأضاف المتحدث أن “الولايات المتحدة تريد في نهاية المطاف أن تعيش سوريا بسلام مع جيرانها، وتحترم حقوق الإنسان، وتمنع الإرهابيين من استخدام أراضيها كملاذ آمن”.

تداعيات استمرار الوجود الروسي بسوريا

خلال الشهر الماضي، دعا النائب بات فالون (جمهوري من تكساس)، عضو لجنة الاستخبارات والخدمات المسلحة في “مجلس النواب”، إلى طرد روسيا من سوريا. 

وقال في منشور عبر منصة “إكس”: “إذا أردنا سلاما دائما في أوكرانيا، فلا يمكننا السماح لروسيا باستغلال الفوضى في سوريا والحفاظ على السيطرة على قواعدها الجوية”.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يقفون لالتقاط صورة مع الجنود أثناء زيارة بوتين لقاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، سوريا، 11 ديسمبر 2017. “سبوتنيك/عبر محرري رويترز”

وتابع: “إن وجود روسيا في سوريا يفيد وكلاء إيران الإرهابيين، الذين يسعون إلى زعزعة استقرار المنطقة وتقويض مصالح الأمن القومي الأميركي”.

مما لا شك فيه أن استمرار الوجود الروسي في سوريا يُعقّد أي انفراج في الوضع السوري، إذ يُبعد السلطات في دمشق وحلحلة الجمود مع الغرب وواشنطن، بخاصة في ملف العقوبات. 

كما أن التواجد الروسي بسوريا يُثير قلق واشنطن وأوروبا لأسباب عدة، منها أنه يشكل تحديا للسياسة الخارجية الأميركية والأوروبية، حيث يسعى الروس لتعزيز نفوذهم في المنطقة عبر سوريا.

إلى جانب أنه يشكل تحديا أمنيا للولايات المتحدة وحلفائها، خاصة مع استمرار تأزم الوضع في سوريا وتداعياتها الإقليمية. كما أنه يثير المخاوف من زعزعة الاستقرار في سوريا، وبالتالي في المنطقة ككل.

ولا يخفى على أحد أن روسيا كانت أحد الأسباب الرئيسية لتأزيم الوضع في سوريا منذ قرابة عقد من الزمان، مما أدى إلى دمار شبه كامل وتدهور الأوضاع السورية على جميع المستويات.

كما أن استمرار الوجود الروسي في سوريا يُبعد سوريا عن استحقاقاتها في وضع جديد إقليميا وخارجيا، وعلى المستوى السياسي والأمني ​​والاقتصادي، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال البحث عن شركاء استراتيجيين، وتصفية السياسات القديمة ومناطق ارتباطها في الفضائين الروسي والإيراني، والمتسبب في عزلة دمشق دوليا.

ولا تبدو جرائم روسيا في حق المدنيين بسوريا وبنيتها التحتية التي دمرتها بطائراتها أقل فداحة عن ما ارتكبه نظام بشار الأسد المخلوع وبراميله المتفجرة. وعليه، فإن استمرار هذا التواجد يبعث بانقسام وغبن شديدين داخل المجتمع السوري الذي يسعى إلى الخروج من الحقبة السابقة، وطي صفحة الماضي، وبناء دولة طبيعية لها سيادتها، ومصالحها.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم