من السويداء.. مداخلة قوية أمام المحافظ تفتح ملف سجون إدلب السرية 

مداخلة قوية لغادة الشعراني أمام المحافظ

أثار اللقاء الذي جمع وفداً من الناشطين والناشطات الذين تعرّضوا لاعتقال تعسفي على يد عناصر “الأمن العام” التابع للحكومة السورية الجديدة، بمحافظ السويداء مصطفى بكور، موجة واسعة من الجدل، بعد أن كُشف خلاله عن ممارسات مهينة تمّت بحقهم أثناء اعتقالهم ونقلهم إلى سجن “حارم” في ريف إدلب، وعن وجود نساء وأطفال محتجزين في هذا السجن.

اللقاء الذي عُقد أمس الإثنين في مبنى محافظة السويداء، بحضور عدد من الفعاليات المدنية ووسائل الإعلام المحلية، تحوّل إلى منصة لكشف انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها الهيئة في سجونها السرية، وإعادة تسليط الضوء على الانفلات الأمني والانتهاكات المتواصلة حتى بعد سقوط نظام الأسد. 

إهانات وتعذيب على يد “الأمن العام”

وخلال الاجتماع، عرض المعتقلون المُفرَج عنهم آثار الكدمات على أجسادهم، وتحدثوا عن الساعات الطويلة التي قضوها على الحاجز الأمني في ريف حمص، قبل نقلهم إلى سجن “حارم”، حيث تعرّضوا للتعذيب الجسدي والمعاملة المهينة، إلى جانب إساءات طائفية واضحة من قِبل عناصر الجهاز الأمني. 

وذكر أعضاء الوفد أنهم تلقّوا تهديدات بالتصفية الجسدية خلال فترة اعتقالهم، مشيرين إلى أن الانتهاكات التي تحدث في سجن “حارم” لا يمكن السكوت عنها، وأنهم عازمون على اللجوء إلى جميع الوسائل القانونية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال. 

من جانبه، عبّر محافظ السويداء مصطفى بكور عن استنكاره الشديد لهذه الانتهاكات، وصرّح خلال الاجتماع أن ما حدث “غير مقبول على الإطلاق”، مؤكداً أنه “لن يعود إلى المحافظة” إذا لم يتم ضمان محاسبة كل من ارتكب هذه الجرائم في سجن حارم أو على الحاجز الأمني. 

وحظيت ردة فعل المحافظ بإشادة السوريين في مواقع التواصل الاجتماعي، وطالب البعض بتحويل ردة فعله الإيجابية إلى تحرك حقيقي من جانب السلطة، ينتهي بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وعدم تكرارها. 

مداخلة قوية من غادة الشعراني 

اللقاء شهد لحظة مفصلية تمثلت في مداخلة الناشطة السياسية غادة الشعراني، التي ألقت خطاباً صريحاً وجريئاً أمام المحافظ، تحدثت فيه عن تفاصيل الانتهاكات التي تعرّض لها المعتقلون داخل سجن “حارم”، مستندة إلى شهادات مباشرة من المفرج عنهم. 

وأبرز ما أثار الجدل في حديث الشعراني كان إشارتها إلى وجود نساء وأطفال داخل السجن، ما تسبب بحالة من الذهول والانقسام في الرأي العام السوري بين من صدّق الرواية واعتبرها جرس إنذار جديد، ومن شكك بصحتها واعتبر أن هذه التصريحات تفتقد للأدلة الكافية، خصوصاً أنها أشارت إلى احتمالية وجود نساء أجنبيات من إيران وإسرائيل. 

ورغم ذلك، فإن الكثير من السوريين أشادوا بشجاعتها في توجيه خطاب واضح للمحافظ، الذي يمثل في نظرهم، السلطة والجهاز المعتدي، في حين اعتبر البعض أن حديثها “غير لائق” ولهجتها حادة لم تحترم مكانة المحافظ.

حادثة الاعتقال الأخيرة التي طالت 21 رجلاً وامرأة من أبناء السويداء، أثناء توجههم إلى الرقة عبر حاجز في ريف حمص، وثّقتها شبكة “السويداء 24″، وأكّدت فيها أن المعتقلين نُقلوا إلى سجن “حارم”، حيث تعرّضوا لأشكال مختلفة من الإيذاء النفسي والجسدي. 

وكان من اللافت أن معظم المعتقلين من أبناء محافظة السويداء، ما أثار تساؤلات إضافية حول الخلفيات الطائفية والسياسية للاعتقال. 

هل ثمة نساء معتقلات في سجون إدلب؟

في خضم هذه التطورات، أكد الصحافي والكاتب محمد السلوم، وهو من أبناء إدلب، في منشور عبر “فيسبوك” وجود سجون سرية تديرها “هيئة تحرير الشام”، بعضها مخصص للنساء، وأكد أن من بين السجينات سوريات وأجنبيات، معظمهن زوجات لعناصر سابقين في تنظيم “داعش”، إضافة إلى أطفال وقاصرين، لكن من غير المعروف إذا كانت هذه السجون موجودة حتى اليوم بعد سقوط النظام. 

ورغم أن المعلومات حول هذه السجون شحيحة، نظراً للتعتيم الكامل من قِبل الهيئة، إلا أن العديد من التقارير الإعلامية والحقوقية أكّدت وجود ما لا يقل عن خمسة إلى ستة مراكز احتجاز تابعة لها، من بينها “العُقاب”، “حارم”، و”إدلب المركزي”. 

ومع الانهيار الأخير لنظام الأسد، تم فتح معظم السجون الكبرى التابعة له، ومن بينها سجن صيدنايا سيء السمعة، حيث تم توثيق احتجاز آلاف السوريين لسنوات طويلة بينهم نساء وأطفال، لكن على عكس ذلك، لم تُفتح السجون التابعة لهيئة تحرير الشام، ولا تزال الأسرار التي تدور بداخلها طيّ الكتمان، وهو ما يزيد الشكوك حول حجم الانتهاكات وغياب أي رقابة قضائية أو حقوقية عليها. 

سجن صيدنايا
سجن صيدنايا

وفي السنوات الماضية، نشرت منظمات حقوقية، من بينها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة“، “هيومن رايتس ووتش“، وشبكات إعلامية مثل “درج“، تقارير عديدة تحدثت عن عمليات تعذيب ممنهجة داخل سجون الهيئة، ووجود نساء كبيرات في السن بين المعتقلات، إلى جانب تنفيذ عمليات إعدام دون محاكمات عادلة، وبعيداً عن أي أسس قانونية. 

وتحدثت التقارير عن استخدام أدوات تعذيب قاسية، وفرض عزلة كاملة على المعتقلين، وتوجيه تهم فضفاضة مثل “الردة”، “التعامل مع النظام”، أو “مخالفة الشريعة”، ما يجعل من تلك السجون أشبه بنسخة مكررة من معتقلات النظام البائد. 

الحكومة السورية مطالبة بتنفيذ عهودها 

أمام كل ذلك، تبدو الحكومة السورية الجديدة التي تشكل “هيئة تحرير الشام” عصبها الرئيسي، في موقف حرج، إذ تواجه تحديات جسيمة في ضبط الحالة الأمنية، خاصة في المناطق التي تقطنها الأقليات الدينية والطائفية. 

ورغم الوعود ببناء دولة تُحترم فيها الحقوق، كما نص الإعلان الدستوري المؤقت، إلا أن الواقع يُظهر عجزاً واضحاً عن لجم الفصائل المتشددة أو مساءلة المتجاوزين. 

وقد وجّه العديد من النشطاء السوريين انتقادات لاذعة للحكومة بسبب سياساتها أو تقاعسها، حيث لا تزال بعض السلوكيات تُعيد إلى الأذهان عقلية الأجهزة الأمنية السابقة، خاصة عندما تتغاضى عن انتهاكات تُمارس في وضح النهار ضد مواطنين لم يُتهموا بأي جرائم مثبتة. 

أعادت شهادة غادة الشعراني -بكل ما أثارته من جدل- تسليط الضوء على واقع قاتم يعيشه السوريون في مناطق يدّعي القائمون عليها أنهم “بديل تحرري”، بينما تمتلئ معتقلاتهم بالشباب والنساء والأطفال، والمعارضين والمخالفين في الرأي والمتهمين بتهم فضفاضة، في مشهد لا يختلف كثيراً عن حال البلاد في ظل نظام الأسد الديكتاتوري، الذي أسقطته الثورة. 

وتبقى مسؤولية الكشف الكامل عن السجون ومصير المحتجزين، ومحاسبة الجناة، ووقف الجرائم والانتهاكات المستمرة، والعمل الجاد على تفكيك منظومات القمع المتعددة في سوريا التي كانت تنافس منظومة نظام الأسد، واحدة من أولى أولويات العدالة الانتقالية، إن كان المخطط لسوريا أن تسير فعلاً نحو مستقبل أكثر إنصافاً وحرية. 

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم