خطوات بطيئة تسير بها الحكومة الانتقالية السورية الجديدة نحو استعادة تعافي مدينة حلب ووضعها على بداية الطريق من أجل عودتها إلى مكانتها ودورها الاقتصادي الهام، بعد أن فقدته منذ بدء الأزمة في سوريا عام 2011، بفعل التدمير الممنهج الذي مارَسه نظام الأسد، إضافة إلى فقدها نسبة كبيرة من رؤوس أموالها، بسبب الضرائب والإتاوات التي فرَضها أُمراء الحرب في عهد النظام السابق.
بات المشهد الحالي يتمثل في أبواب مصانع مُغلقة وصمتٍ تام بعد أن كانت المدينة تُضج بأصوات الآلات، إضافة إلى وجوه صناعيين رُسمت عليها ملامح القلق بشأن مستقبل غير واضح المعالم.
خطوات حكومية بطيئة
بينما يمثل إنعاش القطاع الصناعي ضرورة مُلحة لإعادة بناء ما تم تدميره، واستعادة مكانة المدينة كعاصمة اقتصادية لسوريا، تتحدث الحكومة الانتقالية السورية الجديدة عن دعم القطاع لكنها على أرض الواقع تسير بخطىً بطيئة وتتبع سياسات انفتاح غير مسبوقة على البضائع الأجنبية التي من شأنها أن تقضي تمامًا على الصناعة المحلية.
الاهتمام الحكومي بالمدينة حتى الآن ليس ملموسًا وأقل من المطلوب، لكن المُعلن منذ تولي الإدارة الجديدة البلاد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أن هناك مساعٍ لتوفير الخدمات وإصلاح البنى التحتية المتضررة.

في عام 2010 كانت حلب تحتوي على أكثر من 3000 مصنع تعمل في مجالات النسيج وتوفر فرص عمل لما يقرب من 530 ألف شخص لكن الحرب تسببت في توقف 70 بالمئة من هذه المصانع، حيث لم يتجاوز عدد المنشآت الفعالة 2,850 من أصل قرابة 12,000 منشأة مسجلة.
نسبة المنشآت الصناعية العاملة فعلاً ما تزال قليلة، ولا تتجاوز 30 بالمئة من عدد المنشآت الموجودة فعلاً، أما باقي المنشآت فهي إما متضررة ومهدمة لتدميرها، أو متوقفة عن العمل لعدة أسباب، أهمها هجرة أصحابها إلى خارج سوريا منذ سنوات.
وتعاني المنشآت أيضًا من فقدان مصادر الطاقة وغلاء المحروقات، والتي تمثل نحو 70 بالمئة من التكلفة التشغيلية، إضافة إلى عوامل أخرى متعلقة بالمواد الأولية وأسواق التصريف وإمكانية استيراد الآلات الصناعية لإعادة تشغيل المعامل المتوقفة، إضافة إلى حالة القلق التي تسود بين أوساط الصناعيين، وما يقلقهم أولاً الوضع الأمني وثانياً الإجراءات الحكومية التي ستتبع بما يخصّ الصناعة وخدماتها في سوريا الجديدة.
ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد
تُعد مدينة حلب ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، حيث كانت تساهم بـ 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، و50 بالمئة من صادرات البلاد، وأصبح القطاع الصناعي يساهم في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 9.6 بالمئة فقط خلال عام 2022.
حتى الآن يستمر الواقع القاتم للصناعة السورية، وقد سجل خلال النصف الأول من عام 2024 ترخيص 1459 مشروعاً صناعياً، لم يُنفذ منها إلا 243 منشأة، ما يعطي مؤشرًا على البيئة السورية ونتيجة العوامل الطاردة للصناعة والاستثمار، التي لا تزال تعاني العُقم في إنجاب مشاريع صناعية قادرة على تحريض مؤشرات النمو للارتفاع.
التمس الصناعيون في حلب الأمل بعد سقوط نظام الأسد، وتوجه الإدارة الجديدة نحو اقتصاد السوق الحر، خاصة بعد أن أقرت تخفيضًا جمركيًا شمل استيراد المواد الأولية وخطوط الإنتاج، وخفضت أسعار الكهرباء على الصناعيين.
ملامح خطة إعادة التشغيل
يقول المدير العام للمدينة، شحود عبد العزيز، إن المنشآت العاملة حاليًا هي تلك التي تتوفر فيها المواد الأولية والآلات الجاهزة للإنتاج، بينما البقية تتنوع بين أراضٍ تم شراؤها من قبل الصناعيين، أو أبنية قيد الإنشاء، أو أراضٍ لم تُستغل بعد، وفق تصريح إعلامي سابق له.
وأضاف عبد العزيز، وهو مهندس متخصص في غزل النسيج وحاصل على ماجستير في هندسة المعادن، أن إعادة تشغيل المدينة الصناعية جرى التخطيط له منذ قرابة عام في إدلب، وقُسمت الخطة إلى ثلاث مراحل، تهدف إلى تقليل الأخطاء على المستويات الأمنية والاجتماعية والحكومية، مع التركيز على تحسين أداء المؤسسات والفعاليات التي تدعم المدينة الصناعية في كافة المجالات.

وبيّن أن أبرز التحديات التي تواجه المدينة الصناعية حاليًا هي توفير الكهرباء بشكل مستمر للمصانع، فحالياً، التغذية الكهربائية متوفرة من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً.
وأوضح أنه إذا ظل تحد تأمين الطاقة قائمًا، قد يتم اللجوء إلى استيراد الكهرباء من تركيا، على الرغم من أن هذه الخطوة ستزيد من تكاليف الإنتاج الصناعي، كما يتم دراسة إمكانية التعاون مع مصفاة حمص لتأمين مصادر بديلة للطاقة.
الصُناع في مواجهة معركة شرسة
استمرار المصنعون في الإنتاج يواجهه تحدٍّ كبير أيضًا يتمثل في التمويل، حيث أظهرت بيانات غرفة الصناعة أن 67 بالمئة من المنشآت العاملة لم تحصل على أي تمويل مصرفي خلال العامين الأخيرين، في حين أن البنوك الخاصة تتردد في الإقراض بسبب انعدام الضمانات الفعلية وتقلبات سعر الصرف، فإن المصارف العامة تعاني من تعقيدات إجرائية تجعل القرض الصناعي حلمًا بعيد المنال.
دفع الواقع المُظلم الصنّاع نحو تحويل نشاطهم من التصنيع إلى الاستيراد أو التجارة الداخلية، باعتبارها أكثر استقراراً وأقل مخاطرة، مما يعني أن الصناعة أصبحت خيارًا ثانويًا لرأس المال السوري.
إضافة إلى سعر الصرف غير المستقر، يخوض الصُناع معركة شرسة مع أسعار المواد الأولية، التي تضاعفت كلفة استيرادها ما أدى إلى قفزات غير منطقية في أسعار المنتجات المحلية، ما جعلها تفقد ميزتها التنافسية في السوق الداخلي، ناهيك عن الأسواق الخارجية.
تحسن طفيف مدفوع بنشوة النصر
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي، الدكتور مجدي الجاموس، في حديث خاص لموقع “الحل نت“، أن ما اتخذ من إجراءات لتحسين واقع الصناعة في مدينة حلب من قبل الإدارة السورية الجديدة لم يكن له سوى تأثيرًا طفيفًا.
وقال إن الصناعة في حلب شهدت تحسّنًا منذ عام 2021 خلال عهد النظام السابق، حيث زاد عدد المنشآت التي كانت متوقفة، فكان يوجد أكثر من 30 ألف منشأة توقفت عن العمل، وعاد منها حوالي 2500 مصنع إلى العمل من جديد، وبعد التحرير في نهاية العام 2024 بدا يظهر تحسّن طفيف على المنشآت، مفسرًا هذا التحسن بأنه بُني على نشوة النصر، بينما لم يجد أي جديد على البنية التحتية، أو أي عمل استثماري.

وبيّن أن المرحلة الانتقالية التي تمر ّبها البلاد من الطبيعي أن تغيب خلالها البيئة القانونية والاستثمارية، إضافة إلى عدم وضوح السياسات المالية والضريبية، ما يؤثر بدوره على سرعة اتخاذ أي إجراءات تحسينية للبدء بعملية الاستثمار، لذا فإن التحسّن يبدو ضعيفًا بالصناعة في حلب.
وأشار إلى أن حلب تُعد عاصمة اقتصادية لسوريا، وأن جزءاً كبيراً من الصناعة يتوطن فيها من صناعة نسيج وأدوية وأسمنت على سبيل المثال، كما أن عدد كبير من المناطق الصناعية منها منطقة “الشيخ نجار” التي تعد من أشهر المناطق الصناعية بالشرق الأوسط، جميعها تضررت بفعل الحرب، لافتًا إلى أن العمل فيها حتى الآن لا زال بالحد الأدنى ولم يتجاوز نسبة 25 بالمئة من المنشآت التي كانت عاملة في هذه المناطق.
تحديات قائمة
بشأن أبرز التحديات القائمة التي تعيق إعادة استقرار القطاع الصناعي فيها، أوضح الجاموس، أنها تتمتع بظروف مختلفة عن المحافظات السورية الأخرى نظرًا لكونها المصدر الرئيسي للصناعة ومساهمتها في الناتج المحلي، لذلك التحديات فيها أكبر.
الحكومة الانتقالية الجديدة بعد مرور شهر من توليها تواجه تحديات كبيرة، لذلك أي تحسينات أو تطمينات ستظل في حدها الأدنى، في ظل عدم تحقيق الأمان، وعلى الرغم من تقليل ساعات تقنين الكهرباء في بعض المناطق الصناعية وبعض التطمينات.
الخبير الاقتصادي، الدكتور مجدي الجاموس
أكد أن الواقع يعكس حجم التحديات الكبير، وهو ما يتطلب من الحكومة الانتقالية تقديم ما هو أكثر مما قُدّم حتى الآن، حتى الطموحات التي قدمتها، لافتًا إلى أن المدينة تواجه تحديات منها تدمير البنية التحتية من طاقة وكهرباء وطرق، إضافة إلى استمرار العقوبات الأميركية، أيضًا عدم القدرة على استيراد المواد الأولية، وهجرة معظم رؤوس الأموال إلى مصر وتركيا وأربيل بالعراق.
خطوات عاجلة لإنعاش الاقتصاد
حدد الجاموس، بعض الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها لإنعاش القطاع الصناعي وهي:
افتقاد البيئة التشريعية الجاذبة للاستثمار تجعل المستثمرين يشعرون بعدم الأمان والمخاطرة، في ظل نجاحهم خارج البلاد، وهو ما يتطلب جهودًا كبيرة لجذبهم وعودتهم من جديد، من خلال عوامل تشجيعية ومحفزات مضاعفة من أجل عودتهم وتشغيل المناطق الصناعية وعودة الإنتاج.
ضرورة رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الخارجية خاصة التركية والعراقية وتشجيع المنتج المحلي، إضافة إلى البدء بعملية ترميم المناطق الصناعية وتوفير البيئة الأمنية.

إعادة رسم السياسات النقدية المتخذة، لتحقق التوازن في سعر الصرف، حتى الآن هناك عدم استقرار في سعر الصرف، إضافة إلى تنشيط القطاع المصرفي، فأينما وجد قطاع مصرفي قوي وجد اقتصاد قوي، كما لا يمكن بناء اقتصاد من دون قطاع مصرفي، خاصة وأنه يُعد شريكًا أساسيًا في جذب المستثمرين.
تقديم تسهيلات ائتمانية وكذلك تسهيل إجراءات الترخيص والتخفيف من الأعمال الروتينية الخاصة بعملية إعادة الاستثمار.
الحكومة قادرة بشكل كبير على تشكيل وزارة للاستثمار لتكون قادرة على التواصل مع المستثمرين والعمل على إيجاد حلول لمشكلاتهم
ترصيف البنية التحتية والعمل عليها مباشرة بالمناطق الصناعية وتجهيزها من ناحية الكهرباء والطرق والشحن وتخفيض أسعار الطاقة.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

