جهاز الأمن العام: هيمنة متزايدة لحامي الرئيس.. وسؤال عن الهوية!

واقعيًا، شهدت سوريا تحولات جذرية مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وبرز في المشهد الأمني جهاز جديد يحمل اسم جهاز الأمن العام أو “قوى الأمن الداخلي”. هذا الجهاز، الذي يمثل الذراع الأمنية للحكومة السورية الجديدة، يثير تساؤلات ونقاشات عميقة نظرًا لنشأته وتصاعد نفوذه المتسارع.

هذه التساؤلات، تأتي في ظل تقارير عن هيمنة الجهاز على مؤسسات أخرى، بما في ذلك الشرطة، وعلاقته المعقدة بإرث الماضي، وارتباطه الوثيق بالرئيس السوري الانتقالي الحالي، أحمد الشرع، والأهم من ذلك، الغموض الذي يكتنف دوره الأساسي وهويته الوظيفية الحقيقية حتى الآن.

نشأة من رحم “هيئة تحرير الشام”.. وهيمنة على مؤسسات الدولة

جذور جهاز الأمن العام الحالي تمتد إلى عام 2019 في مدينة إدلب، حيث بدأ كنواة لجهاز استخباراتي مركزي منبثق عن “هيئة تحرير الشام”. هذا الارتباط يمثل نقطة محورية في فهم طبيعة الجهاز وسلطته الحالية. فـ “هيئة تحرير الشام’، المصنفة على لوائح الإرهاب إلى يومنا هذا، تركت بصماتها على الجهاز الوليد، سواء من حيث الكوادر أو حتى في المنهجيات.

مع سقوط نظام الأسد، وجد جهاز الأمن العام نفسه في موقع قوة، مستفيدًا من الفراغ الأمني النسبي وحاجة الحكومة الجديدة إلى قوة منظمة لفرض الأمن والاستقرار، وتشير المعلومات إلى أن الدافع الأساسي وراء صناعة هذا الجهاز من قبل أحمد الشرع نفسه هو ضمان حمايته الشخصية خلال الفترة الانتقالية.

لكن هذا التوسع والنفوذ المتزايد لم يخل من علامات استفهام عديدة، فبينما يُفترض أن يكون الجهاز تابعًا لوزارة الداخلية في الحكومة الجديدة، تشير المعلومات إلى هيمنة واضحة يمارسها على مؤسسات أخرى، وعلى رأسها الشرطة. ففي مقابل ضعف ملحوظ لدور الشرطة في دمشق والمدن الأخرى، يبدو أن جهاز الأمن العام يفرض سلطة الأمر الواقع، حتى أن موظفًا بسيطًا فيه يتمتع بنفوذ يفوق كبار ضباط الشرطة، بل ويأمرهم لتنفيذ ما يريد إن تطلب الأمر.

هذا الاختلال في ميزان القوى يثير مخاوف جدية بشأن سيادة القانون ودور المؤسسات المدنية في سوريا الجديدة، ويؤكد على مدى قوة ارتباط الجهاز بالرئيس الشرع نفسه، ويزيد من التساؤلات حول دوره الحقيقي في هيكل الدولة السورية الجديدة.

اتهامات بالانتهاكات وغموض الدور الأساسي!

الأكثر إثارة للقلق هي الاتهامات الموجهة للجهاز بارتكاب انتهاكات وجرائم ضد المدنيين السوريين، فقد حمّل “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، جهاز الأمن العام مسؤولية مباشرة عن عمليات قتل العلويين في مجازر الساحل السوري إبان مارس الماضي.

هذه الاتهامات، بالإضافة إلى دوره في العمليات العسكرية التي خلّفت ضحايا في صفوف الدروز بجرمانا ضمن ريف دمشق، في مايو الحالي، تلقي بظلال ثقيلة على سجل الجهاز وتثير شكوكًا جدية حول التزامه بحقوق الإنسان والقانون، خاصة في ظل هذا النفوذ المطلق الذي يتمتع به بفضل ارتباطه بالرئيس السوري.

عناصر من جهاز الأمن العام – (وكالات)

عمليًا، فإن الدور الأساسي لجهاز الأمن العام في سوريا الجديدة لا يزال يكتنفه الغموض إلى حد كبير، فبينما يمارس الجهاز سلطة واسعة ويقوم بمهام أمنية متنوعة تتداخل مع مهام الشرطة بل وتتجاوزها لتشمل جوانب سياسية واستخباراتية، لا يزال التعريف الدقيق لمسؤولياته وحدود سلطاته غير واضح بعد.

ارتباطه بإرث “هيئة تحرير الشام”، والتركيز الظاهر على حماية الرئيس والمسؤولين، وغياب الشفافية حول هيكلته ومساءلته، كلها عوامل تساهم في هذا الغموض، فهل هو جهاز أمني وطني بالمعنى المتعارف عليه، أم أنه أداة لخدمة أجندة محددة أو لحماية شخصيات بعينها؟ هذا السؤال لا يزال معلّقًا.

جهاز الأمن العام.. المستقبل وتحديات بناء الثقة

ارتباط جهاز الأمن العام بـ “هيئة تحرير الشام” المصنفة إرهابيًا، إلى جانب الاتهامات بالانتهاكات وهيمنته المتزايدة على المؤسسات الأخرى، وارتباطه الشخصي بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والغموض الذي يحيط بدوره الأساسي، يمثل تحديًا حقيقيًا أمام بناء دولة قانون ديمقراطية في سوريا الجديدة.

فبدلًا من أن يكون الجهاز، أداة لحماية المواطنين وإنفاذ القانون، يبدو أنه يسير بخطى حثيثة نحو ترسيخ سلطة موازية، إن لم تكن فوق سلطة الدولة نفسها، مستمدًا قوته بشكل مباشر من الرئيس وفي ظل غياب تعريف واضح لدوره الأساسي.

كما أن تعزيز دور الشرطة وتمكينها كمؤسسة مستقلة وقادرة على القيام بمهامها في إنفاذ القانون وحماية المواطنين، يمثل ضرورة ملحة لضمان توازن السلطات وتحديد مسؤوليات واضحة لكل جهاز أمني داخل سوريا.

في الختام، يمثل جهاز الأمن العام في سوريا الجديدة قوة صاعدة بنفوذ واسع، لكنه يحمل في طياته إرثًا مثيرًا للجدل وتساؤلات مقلقة حول دوره ومستقبله، ولذا فإن قدرة سوريا الجديدة على بناء دولة مستقرة وقائمة على العدل والقانون، تتوقف بشكل كبير على كيفية تعاملها مع هذه المعضلة، وضمان أن يكون الجهاز أداة لخدمة الشعب وليس أداة لفرض سلطة فردية في ظل غياب تعريف واضح لدوره الرسمي.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

3 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم