سوق دمشق للأوراق المالية ينبض من جديد وسط تحديات البقاء.. هل يصمد؟

سوق دمشق

انطلقت اليوم الاثنين فعاليات إعادة التداول في سوق دمشق للأوراق المالية بعد توقف استمر نحو 6 أشهر، وذلك خلال حفل رسمي شهد حضورًا رفيع المستوى ومشاركة واسعة من شخصيات اقتصادية ومستثمرين وتجار.

ويعلق المسؤولون السوريون آمالًا كبيرة على تلك الخطوة التي يعتبرون أنها قد تشكل رافعة لاقتصاد البلاد المنهك حال النجاح في جذب استثمارات للبلاد التي تواجه تحديات هائلة، خاصة فيما يتعلق بعدم استقرار سعر الصرف وضعف الضوابط التنظيمية.

إجراءات حكومية

وزير المالية محمد يسر برنية، قال إن البلاد اتخذت الإجراءات اللازمة ‏للتأكد ‏من سلامة الامتثال لمواجهة عمليات غسل الأموال، مرجحًا أن يعيد افتتاح السوق ‏تنشيط ‏الاقتصاد، وتحريك المعاملات المالية.

وأوضح أن التداول سيُستأنف تدريجياً، بحيث تقتصر الجلسات مبدئياً على أيام الأحد والثلاثاء والخميس، مؤكدًا أن البورصة ستشهد تطويراً يشمل تحديث منظومة التداول والمقاصة والتسوية، إلى جانب تعزيز الخدمات الرقمية للمستثمرين.

إعادة افتتاح بورصة دمشق اليوم -الإثنين- جاء بعد توقف استمر منذ ديسمبر الماضي، إلا أن بريق السوق خفت منذ اندلعت الثورة السورية عام 2011، حيث تراجعت بعدها التداولات وانهار المؤشر.

كانت الحكومة علّقت التداول في السوق بهدف تقييم أوضاع الشركات المدرجة، ولا سيما تلك التي تكبدت خسائر كبيرة خلال سنوات الحرب أو تأثرت بالعقوبات، إضافة إلى إعادة هيكلة الإطار التشريعي المنظم للسوق.

البنوك عمود السوق

تُعد البنوك العمود الفقري لسوق دمشق، إذ تضم البورصة نحو 15 بنكاً (11 بنكاً تقليدياً و4 إسلامية)، تشكّل ما يقارب 86 بالمئة من إجمالي الأسهم المدرجة.

ويأتي بعد ذلك قطاع التأمين، الذي يضم ست شركات مساهمة من أصل 13 شركة عاملة في السوق السورية. وحققت هذه الشركات أرباحا مجمعة تقارب 12 مليار ليرة خلال النصف الأول من عام 2024 وفق بيانات هيئة الإشراف على التأمين.

القطاع الصناعي، يتمثل في شركات الإسمنت، والصناعات الغذائية، والهندسية. وتتصدره “شركة إسمنت البادية” بقيمة سوقية بلغت نحو 1.66 تريليون ليرة، إلى جانب شركات مثل “إسمنت عدرا” و”فوسفات” و”الزجاج والكابلات”

في قطاع الاتصالات، تُعد شركة سيريتل موبايل تيليكوم الأبرز والأعلى من حيث القيمة السوقية (2.18 تريليون ليرة)، ما يعكس ثقة المستثمرين في عائداتها وتوزيعات أرباحها.

بينما يحضر قطاعا النقل والخدمات -ويشمل ذلك شركات التوزيع، الخدمات اللوجستية، والسياحة- بحضور محدود، مع عدد قليل من الشركات، أبرزها “شركة الخطوط الجوية السورية” وبعض شركات الشحن المحلية.

فصل جديد للقطاع

اعتبر رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية عبد الرزاق القاسم، إعادة التداول فصلًا جديداً في تاريخ القطاع المالي السوري، مؤكداً أن رفع العقوبات والانفتاح المتوقع على الاستثمارات العربية والدولية سيجعل من سوريا الجديدة أرضاً خصبة للفرص الاستثمارية، في إطار رؤية طموحة تناسب قدرات البلاد.

وبدوره، قال رئيس مجلس إدارة سوق دمشق فادي جليلاتي، إن السوق تدخل مرحلة اقتصادية جديدة، مع انطلاقة نحو اقتصاد أكثر إشراقاً يعيد لسوريا مكانتها كمركز مالي وتجاري في المنطقة. وأضاف أن السوق لن تقتصر على تداول الأسهم والسندات، بل ستلعب دوراً محورياً في إعادة الإعمار، تحفيز النمو الاقتصادي، جذب الاستثمارات واستقرار العملة الوطنية.

تأسست السوق  في مارس عام 2009، لتكون أول بورصة رسمية في سوريا منذ عقود، وانطلقت حينها من خلال ست شركات فقط، معظمها في قطاعي البنوك والتأمين، برأسمال إجمالي قدره نحو 1.2 مليار دولار.

وسرعان ما شهدت توسعاً ملحوظاً، حيث ارتفع عدد الشركات المدرجة إلى 14 شركة بحلول منتصف عام 2010، مدفوعة بأداء إيجابي للمؤشر الذي سجّل حينها ارتفاعاً بنسبة 12.6 بالمئة.

تواجه السوق السورية تحديات عدة، رغم صغرها مقارنة بنظيراتها في المنطقة، إذا تعاني ضعف السيولة وتقلب أسعار الصرف، وضعف الشفافية في الإفصاحات المالية، كما يشكّل استمرار التضخم والقيود النقدية تهديداً مباشراً لأرباح المستثمرين.

عوامل يتوقف عليها مستقبل السوق

يُرهن مستقبل السوق بنجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، وتطوير البنية الرقابية، ورفع معايير الشفافية وفق النظم الدولية، فضلاً عن تشجيع اندماج الشركات القوية وتوسيع قاعدة الإدراج.

بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي، ماجد المصطفى، خلال حديث خاص لموقع “الحل نت“، أن أسعار الصرف بقيت متذبذبة وتخضع للمضاربات إلى ما قبل رفع العقوبات، مشيرًا إلى أن التذبذب اليومي وصل إلى 20 بالمئة في بعض الأحيان، وهو ما أثار المخاوف لدى المستثمرين الذين عزفوا عن ضخ أي سيولة نقدية في السوق السوري خاصة في ظل استمرار العقوبات الأميركية والغربية.

الوضع بالسوق تغير قليلًا بعد رفع العقوبات، حيث شهد سعر الصرف تحسنًا نسبيًا، لكن مازالت لعبة المضاربات مستمرة من قبل التجار، مؤكدًا أن أي تأثير إيجابي لرفع العقوبات على السوق يرتبط بإعادة نظر الحكومة في الأنظمة المالية والمصرفية، والتي تحتاج إلى التحسن والتبسيط، والانتقال من التبعثر البيروقراطي بين دوائر ومؤسسات الدولة إلى الأنظمة الإلكترونية المترابطة.

الخبير الاقتصادي، ماجد المصطفى

وأكد أن هذه الإجراءات من شأنها أن تحسن بيئة العمل وتبسطها، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين في اقتصاد الدولة، ومن جانب آخر ربط المصرفية السورية بالأنظمة المالية الدولية بعد تحديث أنظمتها مما يؤثر أيضا على التدفقات المالية وزيادة الاستثمار.

تحديات وحلول

أوضح الخبير الاقتصادي، أن التداول في سوق سوق دمشق للأوراق المالية ستنحصر فيه التداولات من خلال المستثمرين السوريين الذين يبحثون عن أصول في شركات ناجحة ولديها مستقبل بأسعار أقل من قيمتها، في ظل توقف عجلة الاقتصاد خلال الفترة الماضية.

 وأفاد بأن هناك تحديات يتوجب تبسيطها ومجاراتها، فهناك حاجة إلى تدخل حكومي بشكل مباشر لكي تتوقف المضاربات على أسعار الليرة مقابل العملات وكذلك تحريك عجلة الاقتصاد وأهمها إصلاح البنية المصرفية كافة وإلغاء البيروقراطية والرفع من مستوى النزاهة.

وشدد على ضرورة تحرير أسعار الصرف والسماح للبنوك بتداول العملات ضمن أسعار الصرف الرسمية، إضافة إلى الإسراع في الربط مع نظام سويفت لتشجيع التحويل عبر القنوات الرسمية وإدخال أدوات اقتراض جديدة مثل السندات وصناديق الاستثمار، مما يؤدي إلى تعافٍ تدريجي لسوق المال، مرجحًا أن يحدث لا يحدث ذلك قبل عام 2026.

واقترح أن تقوم الحكومة السورية بربط الليرة بالدولار بهدف زيادة ثقة المستثمرين في الليرة، على أن لا تتوقف عن زيادة احتياطياتها من العملات والمعادن الثمينة كي تزيد من ثقة المستثمرين بشكل أكبر، مؤكدًا أن الربط يجب أن يكون مبنيًا على أسس وقواعد اقتصادية متينة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم