يشهد المشهد السوري تطورات سياسية متسارعة ولافتة، في محاولة لفتح باب التهدئة والاستقرار بعد سنوات طويلة من الحرب. إلا أن هذه الجهود محكومة بالحذر، في ظل وجود قضايا معقدة وشائكة لم تُحسم بعد، أبرزها القضية الكُردية وشكل التوافق بين سلطة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وفي خطوة غير مسبوقة، أجرت قوات “قسد” وتركيا محادثات مباشرة بشأن مستقبل سوريا الأسبوع الماضي، بتسهيل من الولايات المتحدة الأميركية، حسبما ذكرت مصادر مطلعة لموقع “ميدل إيست آي“.
وقالت مصادر في أنقرة للموقع ذاته إن تركيا قد تقبل حكما ذاتيا غير رسمي لـ”قسد” في المناطق الكُردية، لكنها تعتبر الحكم الذاتي الرسمي “خطا أحمر”.
محادثات مباشرة بين “قسد” وتركيا
نحو ذلك، كشفت المصادر المطلعة أن الطرفين ناقشا الانسحاب الأميركي من سوريا، فضلا عن تسليم السجون والمعسكرات التي تضم مقاتلي تنظيم “داعش” وعائلاتهم.

كذلك، ركز الاجتماع، الذي حضره مسؤولون من المستوى المتوسط من الجانبين، على آلية دمج قوات “قسد” في الجيش السوري الجديد تحت قيادة دمشق، وفق موقع “ميدل إيست آي”.
ورغم اعتقاد مصادر مطلعة في أنقرة بوجود بعض الاتصالات بين تركيا وقوات “قسد” منذ العام الماضي، إلا أن هذا هو أول اجتماع رسمي بين الطرفين يتم الكشف عنه ويتضمن أيضا مشاركة الولايات المتحدة، في وقت تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية على الأرض السورية.
هذا وأبرم قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي اتفاقا مع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، في العاشر من آذار/مارس الماضي، يقضي بدمج القوات التابعة له ضمن هياكل الدولة.
ومنذ توقيع الاتفاق، زار وفد حكومي المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” ثلاث مرات، في مؤشر على جدية الطرفين في تفعيل بنود التفاهم والتوصل إلى صيغة تفاهمية بين دمشق و”قسد”.
وقبل نحو يومين أنهى وفد “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا اجتماعه الأول في دمشق مع مسؤولين في الإدارة الجديدة بدمشق، وذلك في إطار تطبيق وتنفيذ الاتفاق المبرم بين عبدي والشرع. ووُصف الاجتماع بـ”الإيجابي”
“منطقة حكم ذاتي غير رسمية”
المحادثات المباشرة بين “قسد” وأنقرة، أكده عبدي أيضا في تصريح سابق قبل أيام قليلة لقناة “شمس” الإخبارية، حيث قال إنهم على تواصل مع تركيا، دون أن يكشف عن المدة التي ظلت فيها قنوات الاتصال مفتوحة.
وقال عبدي “لدينا علاقات مباشرة وقنوات اتصال مباشرة مع تركيا وكذلك من خلال وسطاء ونأمل أن تتطور هذه العلاقات”.
وبالعودة إلى موقع “ميدل إيست آي”، فقد قال مطلعون في أنقرة إنه في حين أن الحكومة التركية قد تتسامح مع منطقة حكم ذاتي غير رسمية – حيث يمكن لـ”قوات سوريا الديمقراطية” الاحتفاظ بقوة أمنية محلية في المناطق ذات الأغلبية الكُردية وإدارة الحكم المحلي بصلاحيات بلدية – فإن أي تحرك نحو الحكم الذاتي الرسمي يظل “خطا أحمر”.

هذا واتفقت تركيا و”قوات سوريا الديمقراطية”، في كانون أول/ديسمبر الماضي على وقف إطلاق النار بوساطة أميركية بعد اندلاع مواجهات مع تقدم جماعات معارضة مسلحة نحو دمشق وإسقاطها نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وأشار عبدي إلى أن قواته والأتراك خاضوا حروبا طويلة ضد بعضهم بعضا، لكن الهدنة المؤقتة أوقفت تلك الاشتباكات خلال الشهرين الماضيين، معبّرا عن أمله في أن تصبح الهدنة دائمة.
حول لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال عبدي إنه ليس لديه خطط حالية للقيام بذلك، لكنه أوضح أنه لا يعارض، وأنهم ليسوا في حالة حرب مع تركيا، ويمكن في المستقبل تطوير العلاقات معها، مشيرا إلى أنهم منفتحون على ذلك.
ترتيبات جديدة بشمال شرق سوريا
من ناحية أخرى، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لموقع “ميدل إيست آي” إن الوزارة لا تعلق على المحادثات الدبلوماسية الخاصة.
وقال المسؤول: “نتابع تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس مع قوات سوريا الديمقراطية، وكيفية بلورة تفاصيله”. وأضاف: “إن الخطوات نحو التكامل السلمي بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية تُعدّ مؤشرات مُشجعة على التقدم”.
وخلال الأسبوع الماضي، أفاد موقع “المونيتور” أن تركيا اقترحت لقاءً بين عبدي ومسؤول تركي رفيع المستوى، ربما وزير الخارجية أو رئيس المخابرات. لكن مصادر في وزارة الخارجية التركية سارعت إلى نفي هذا التقرير.
وشجعت الولايات المتحدة قوات “قسد” على التفاهم مع السلطات الجديدة بدمشق، في ظل تراجع الدعم العسكري الأميركي. وقال توم باراك، المبعوث الأميركي إلى تركيا وسوريا، في تصريحات متلفزة، إن “قسد” لا تزال تحت حماية القيادة المركزية الأميركية، مردفا بالقول: “أستطيع القول إنه ما لم يحدث تغيير جذري، فإن تعاوننا سيتلاشى في نهاية المطاف.. وهناك ضغط كبير على الجميع للتوصل إلى اتفاق”.
وقال باراك أيضا إن الولايات المتحدة أغلقت قواعدها العسكرية في سوريا، وقلصت عددها من ثماني إلى خمس، والهدف النهائي هو إبقاء قاعدة واحدة فقط.
مما لا شك فيه أن هذه المحادثات تُمثل تحولا لافتا في العلاقة بين “قسد” وتركيا، اللذين طالما كانا في حالة عداء وصراع. وبالتالي، يمكن القول إن هذا التواصل المباشر من شأنه أن يفتح الباب أمام احتمالات جديدة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والعسكري في الشمال السوري، خاصة في ظل الترتيبات الجارية لما بعد الانسحاب الأميركي.
- صون التضحيات وبناء السيادة.. طريق الفصائل نحو مظلة الدولة العراقية
- أميركا تعيد 36 قطعة أثرية منهوبة من سوريا
- “لا مؤتمر إعادة إعمار سوريا”.. دمشق تنتقد غياب مسار دولي لتمويل مرحلة التعافي
- بعد إعلان توقيف أحد المتهمين.. ماذا نعرف عن “مجزرة العتيبة” بريف دمشق؟
- مفتي السعودية يدعو لتوحيد الصفوف ضد جماعة “الحوثي”

