واقعيا، تعد قطر حتى أمس الاثنين، أكثر دولة عربية، لها علاقات إيجابية وطيدة مع إيران، سواء سياسيا أو شعبيا، ويمكن القول إنها الدولة الأكثر مساندة لطهران في السنوات الأخيرة، لكن ما فعلته إيران، حين قصفت “قاعدة العديد” الأميركية في الدوحة، مساء الاثنين، وانتهاكها للسيادة القطرية، نسف هذه العلاقة بنسبة كبيرة.
أمس الاثنين، وبعد أن ضربت أميركا منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية في إيران، فجر الأحد، قررت طهران الرد، فاختارت أن تكون حليفتها الأقرب لها قطر وبشكل غريب، ساحة لتصفية الحساب مع واشنطن، فقصفت “قاعدة العديد” بـ 17 صاروخا، لم يُصب القاعدة منها إلا صاروخ واحد، بعد إسقاط الدفاعات الاعتراضية لكل الصواريخ الأخرى.
قطر.. استياء واستنكار واستدعاء ورسالة لمجلس الأمن
عمليا، الأمر لا يتوقف عند حجم القصف، المتفق عليه مسبقا مع واشنطن وحتى مع الدوحة، ليكون بمثابة رد رمزي لحفظ ماء الوجه بالنسبة لإيران، بل الأمر يتعلق بانتهاك سيادة دولة حليفة، ولها ثقلها السياسي في المنطقة، بل وهي الوحيدة التي كانت داعمة إعلاميا عبر مؤسسة “الجزيرة” بشكل لا محدود لإيران في الحرب مع إسرائيل، فهل هكذا يكون رد الجميل؟ هذا ما يقوله الشارع القطري.
سياسيا، تحركت قطر بمستويات متعددة، فبعد الضربة الإيرانية، عبرت الدوحة في بيان لوزارة الخارجية، عن إدانتها الشديدة للهجوم، بل واعتبرته “انتهاكا صارخا لسيادة دولة قطر ومجالها الجوي، وللقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، وأكدت احتفاظها “بحقها الكامل في الرد المباشر والمناسب على هذا الاعتداء السافر، بما يتوافق مع القانون الدولي”.
اليوم الثلاثاء، استدعت الخارجية القطرية السفير الإيراني لدى قطر علي صالح آبادي، وجدّدت إدانة الدوحة الشديدة للهجوم، مؤكدة أن هذا الانتهاك الصارخ لسيادة دولة قطر “يتنافى تماما مع مبدأ حسن الجوار والعلاقات الوثيقة التي تجمع الدوحة وطهران، لا سيما وأن قطر كانت دائما من دعاة الحوار مع إيران وبذلت جهودا دبلوماسية حثيثة في هذا السياق”.
ليس هذا فحسب، بل وجهت الدوحة، رسالة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن كررت فيها إدانتها للهجوم وانتهاك سيادتها الصارخ، وطلبت تعميم الرسالة على أعضاء مجلس الأمن وإصدارها كوثيقة رسمية، مؤكدة على ضرورة اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته واتخاذ تدابير عاجلة لفرض وقف إطلاق نار فوري وشامل في المنطقة.
عربيا، كان التضامن واسعا مع قطر، والإدانات بحق الهجوم الإيراني صدرت من جل الدول، وحتى من البرلمان العربي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بل أن الأخير وصف الهجوم هو “مساس بأمن الخليج”، قائلا في الوقت الذي كنا ندين فيه الاعتداءات على إيران، نتفاجأ باعتدائها على أرض وسيادة قطر.
صحيح أن إيران، وصفت قطر بـ “الصديقة والشقيقة”، وأشادت بالعلاقة الثنائية الوطيدة بينها والدوحة، وقولها إنها تحترم حسن الجوار، وأن الهجوم لم يكن على قطر بل على قاعدة أميركية، للرد على الهجوم الأميركي، لكن هذا الأمر، في العرف السياسي، لا يسمن ولا يغني من جوع، أي لا ينفي حقيقة الاعتداء على سيادة الدوحة وانتهاك القانون الدولي.
حركة إيران تنسف التعاطف القطري والعربي!
لم يسفر الهجوم الإيراني عن أي أضرار، لكنه تسبب بقلق وفزع بين القطريين، فأصوات الصواريخ والتصدي لها كانت مرعبة للناس، هذا ناهيك عن تضرر عدد من عجلات المواطنين القطريين، فضلا عن سقوط شظايا على بيوت مواطنين قطريين عزّل، بل وشوهد الفزع بين الناس وهم يفرون من المولات والشوارع إبان القصف.
هذا الأمر، بالتأكيد لم يمر مرور الكرام على المواطن القطري الذي عاش كل حياته سالما لم يشهد أي حروب وهجمات على أرضه، حتى في أحلك الظروف التي مرت بها بلاده إبان الحصار الخليجي للدوحة، وبالتالي فإن وقعه سيبقى في النفس، وهذا أثّر كثيرا على نظرة الشعب القطري تجاه إيران.
شهدت العلاقات القطرية الإيرانية، انفتاحا وتوسعا كبيرا وملحوظا، بعد الأزمة الخليجية عام 2017 وحصار قطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، حيث كانت إيران من أوائل الدول التي كسرت الحصار بعد فتحها لمجالها الجوي وموانئها أمام قطر لتزويدها بالغذاء والدعم، وهذا الأمر انعكس على تطوير العلاقات الاقتصادية والتقارب الدبلوماسي بين طهران والدوحة.
في المقابل، فإن قطر ومنذ تلك اللحظة، أي لحظة دعم إيران لها ضد الحصار، لعبت حتى أمس، دورا كبيرا في العديد من المرات كوسيط بين إيران وأميركا أو الأطراف الأخرى، وهي أكثر من سعت إلى منع أي هجوم عسكري على إيران، وذلك على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، بل هي التي ساهمت بوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل وإنهاء الحرب التي استمرت 12 يوما.
فعليا، كانت قطر بشعبها من أكثر الدول العربية المتعاطفة مع إيران، لكن التصرف غير المحسوب وغير اامدروس من قبل طهران، أفقدها كل هذا التعاطف الشعبي القطري، بل وخسرت أيضا التعاطف العربي معها؛ لأن معركتها مع إسرائيل وأميركا لا مع العرب، وبفعلتها هذه، لم تخسر التعاطف فقط، بل خسرت الرهان على الانفتاح العربي الدبلوماسي والشعبي معها، لتبقى منعزلة عن محيط مهم بالنسبة لها لو أحسنت التصرف.
بعد حركتها الأخيرة، لم تعد دول المنطقة – لا سيما الخليجية منها – تنظر إلى إيران كدولة جارة، وتربطها بها حدود جغرافية وعلاقات تاريخية وما إلى ذلك، بل ستنظر لها، على أنها مصدر تهديد لسيادتها ولأمنها القومي، خاصة إذا ما دخلت مستقبلا بأي صراع مباشر مع إسرائيل أو أميركا، إذ لا يمكن ضمان عدم تهديدها للمنطقة وجرها لخضم الحرب وتوريطها بها، فمن تقصف مرة، لن تتردد في القصف مرات أخرى.

