“تنظيم السلاح لا تسليمه”.. ما الذي يمنع توافق “الدروز” مع سلطات دمشق؟

في حين ماتزال التوترات الأمنية تحيط بمحافظة السويداء، حيث اندلعت اشتباكات ليلة الأحد – الاثنين في ريف المحافظة الغربي، ما أدى إلى حركة نزوح جزئي من المنطقة، قال المتحدث الرسمي باسم حركة “رجال الكرامة”، باسم أبو فخر، إن مسألة تسليم السلاح في السويداء “تخص وزارة الدفاع ولم يبت به بعد من قبل الجميع”.

وأوضح أبو فخر لصحيفة “الشرق الأوسط”: أن “سلاحنا لم يشكّل خطرا على أي جهة، ولم نعتدِ على أحد، بل هو موجود للدفاع عن أرضنا وعِرضنا”، مشددا على أنه “ليست لدينا مشكلة في تنظيم السلاح، ولكننا نرفض تسليمه”.

جليا، تفتح هذه التصريحات الباب أمام تساؤلات عدة حول أزمة الثقة بين أبناء الطائفة الدرزية والسلطات في دمشق، في وقت يرى فيه الدروز أن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع ينفرد بالسلطة، ويُقصي باقي المكونات السورية في إدارة البلاد، خاصة بعد أن وضع الشرع جميع المناصب القيادية بيد دائرته الضيقة. 

ويُنظر الدروز إلى محاولة الشرع لنزع سلاح فصائل الجنوب كخطوة للهيمنة الكاملة على المشهد السياسي والعسكري، وهو ما يعمّق الهوة بين الدروز والسلطات الجديدة في دمشق.

الدروز.. لا تسليم للسلاح

بالعودة إلى تقرير “الشرق الأوسط“، فقد أردف أبو فخر في حديثه أنه “ليست لدينا مشكلة بتنظيم السلاح، ولكن ليس تسليمه، بحيث يظل ضمن الحدود الإدارية للمحافظة وتابعا للدولة، ولكن مسألة السلاح ما زالت عالقة”، مؤكدا على “سلاحنا كرامتنا”.

المتحدث الرسمي باسم حركة “رجال الكرامة” باسم أبو فخر -“حساب فيسبوك”

وتم الإعلان رسميا، أمس الأحد، عن البدء بتنفيذ بنود الاتفاق الصادر عن مشايخ ووجهاء طائفة الموحدين الدروز في محافظة السويداء، جنوب سوريا.

وبيّن أبو فخر أن الاجتماع الذي عقد الخميس الماضي (اجتماع السويداء) وضم شيوخ عقل الطائفة ومرجعيات درزية ووجهاء وعموم أبناء الطائفة، تم خلاله التوافق على تفعيل الشرطة والضابطة العدلية التابعتين لوزارة الداخلية.

كما وكانت حركة “رجال الكرامة” نفت الأنباء التي تحدثت قبل يومين عن اتفاق شيوخ عقل ووجهاء وقادة الفصائل في المحافظة على “تسليم السلاح بشكل كامل” للسلطات بدمشق.

فصيل “رجال الكرامة” هي أكبر حركة درزية مسلحة في محافظة السويداء، وأسست في 2013 لحماية أبناء الطائفة ومنع تجنيدهم للقتال مع أي من أطراف الأزمة التي اندلعت إثر الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد السابق. ولا تزال تعمل كقوة دفاع محلية مستقلة عن الأجهزة الرسمية.

ومع استمرت محاولات إعادة الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي في ضاحيتي جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق بعد بسط الأمن العام سلطته فيهما في أعقاب التوتر الذي حدث في المنطقتين الأسبوع الماضي، أعلن محافظ السويداء مصطفى البكور عن البدء بتنفيذ بنود الاتفاق الصادر عن مشايخ ووجهاء الطائفة الدرزية في السويداء.

وبحسب البكور، فإن “الاتفاق ينص على تفعيل الشرطة والضابطة العدلية حصرا من أبناء السويداء وفتح طريق دمشق – السويداء وتأمينه”، وفق ما نقلته وسائل الإعلان السورية.

لا ثقة بسلطات دمشق!

أبو فخر ذكر أنه “ما زال هناك توتر في السويداء ريفا ومدينة، لأن الأحداث التي جرت في أشرفية صحنايا جعلت أغلبية سكان الجبل في حالة قلق وتوجس، وهذا دعاهم لرفع الجاهزية”، موضحا لـ”الشرق الأوسط” أن “الحدود كلها مدججة بالسلاح الخفيف والثقيل والمتوسط، وتم أيضا إجراء تحصينات، خشية من أي هجوم، وحتى داخل مدينة السويداء في أثناء الليل يكون هناك انتشار كبير لحواجز من عناصر الفصائل المحلية والأهالي”.

في أعقاب الحوادث والوقائع الأمنية والسياسية، بما فيها أعمال العنف التي شهدتها مناطق جرمانا وأشرفية صحنايا وصحنايا بريف دمشق قبل أيام قليلة، نتيجة تصاعد خطاب طائفي متشنج تضمّن تحقيرا للطائفة الدرزية واتهامها بالعمالة، حيث روج البعض لمزاعم (لم يتثبت أحد من صحتها) ملفقة تشير لوجود تسريب صوتي لأحد المشايخ يحمل إساءة للنبي محمد، قال شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، عبر بيان رسمي، إنه “لم نعد نثق بهيئة تدّعي أنها حكومة”، مطالبا بحماية دولية، نظرا لأنه حق مشروع لشعب “قضت عليه المجازر”، وفق تعبيره. 

عناصر من الفصائل المحلية الدرزية- “ألند العيسى”

الهجري طالب في بيان له، بتدخل دولي عاجل ومباشر لحماية المدنيين في سوريا. واتّهم الحكومة السورية بقتل شعبها عبر ما وصفها بـ “عصاباتها التكفيرية” التي تنتمي إليها، مشيرا إلى “وجود إجماع على نفس الآراء تجاه هذه الإدارة بفصائلها الإرهابية التكفيرية”.

وقال في بيانه: “مضت خمسة شهور من تاريخ التحرر من رجس العنف والقهر والإذلال، ولا نزال ننتظر من أبنائنا في الوطن بكل زواياه، كشركاء في الانتصار، تتويج النصر بدستور يحقق العدل والعدالة، ويضع أسس التقدم ومواكبة الحضارة، ومنح الحرية الصحيح لأهلها، وبحكومة تنبثق من بينهم ويرتاحون لها، لتعالج همومهم وتحقق أمانيهم ضمن دولة حضارية متقدمة بالفكر، مدنية لا مركزية كما يرغب أهلها، بعيدة عن الإقصاء”.  

وتابع: “لم نعد نثق بهيئة تدّعي أنها حكومة.. لم نعد نثق بوجود عناصرها بيننا لأنهم مجرد آلات قتل ودموية وخطف وتزييف حقائق، بتفكير طائفي تكفيري للجميع، لم نكن نتكلم عن الأقليات، ولكنهم يتصرفون بفكر أن الأقليات من طوائف وأديان غيرهم كلهم كفّار”.

لماذا طلب الحماية الدولية محق؟

وأضاف الهجري، أن “القتل الجماعي الممنهج واضح ومكشوف وموثق ولا يحتاج للجان كالتي تم تشكيلها بالنسبة للجرائم التي ارتُكبت في الساحل السوري من جرائم إبادة لم تنل حقها من المجتمع الدولي والعدالة الدولية، ولم يتم وقفها رغم الاستغاثات”.

وطالب الهجري، بتدخل “قوات دولية لحفظ السلم” في سوريا، وندد بـ”هجمة إبادة غير مبررة” ضد أبناء طائفته. ووصف في بيان ما يجري في جرمانا وصحنايا بـ”هجمة إبادة غير مبررة” ضد “آمنين في بيوتهم”. وقال إن “القتل الجماعي الممنهج” يتطلب “وبشكل فوري أن تتدخل القوات الدولية لحفظ السلم ولمنع استمرار هذه الجرائم ووقفها فورا”.

ورأى مراقبون أن مطالبة الدروز بالحماية الدولية “حق مشروع”، وسط الهجمات العنيفة التي تعرضوا لها، وغياب أي تدخل جاد من قبل السلطات السورية لحمايتهم.

وأشاروا إلى أن فقدان الدروز للثقة بسلطات دمشق، ورفضهم لإعادة تكريس حكم ديكتاتوري جديد مثيل لحكم “آل الأسد”، هو ما دفعهم إلى هذا المطلب وعدم ترك السلاح دون ضمانات أو تحقيق مطالبهم.

ولفتوا إلى أنه “طالما أن السلطات بدمشق لا تعترض على الوجود التركي في شمال وغرب سوريا، ولا على احتلال أنقرة وبالتعاون مع الفصائل السورية الموالية لها على مناطق سورية مثل عفرين ورأس العين/سري كانييه، لا تملك حجة منطقية للاعتراض على مطلب الحماية الدولية الذي طالب به الدروز”.

وعليه، يبدو من الواضح أن ثمة أزمة ثقة بين الدروز والسلطات في دمشق. ولن تُحلّ هذه الأزمة ما لم يُطلق أحمد الشرع حوارا وطنيا حقيقيا، يشمل جميع المكونات السورية، فضلا عن إشراك الجميع في إدارة البلاد، بجانب وضع دستور يعكس تطلعات السوريين بمختلف أطيافهم وقومياتهم.

وقد أسهمت الهجمات العنيفة الأخيرة ضد الدروز، وقد طاولت في السابق العلويين، على يد فصائل مسلحة متشددة محسوبة على الإدارة السورية الجديدة، في تعميق فجوة الثقة بين السلطات بدمشق والدروز. وعليه، بات واضحا أن الفصائل المحلية الدرزية في الجنوب وكذا في مناطق أخرى، لن تتخلى عن سلاحها أو تندمج ضمن هياكل الدولة، وبما فيها “وزارة الدفاع السورية”، ما لم تُنفَّذ المطالب التي ذكرها الشيخ الهجري في العديد من بياناته، وعلى رأسها مطلب “اللامر كزية”.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم