السلطة الموازية في سوريا.. هل بات “الشيخ” هو الدولة؟

تتكرر في سوريا، ولا سيما العاصمة دمشق، حوادث تظهر فيها شخص يسمى أو يلقب بـ”الشيخ” بوصفه المتحكم الفعلي في العديد من الأمور، سواء الأمنية أو العسكرية وحتى الإعلامية، رغم غموض موقع “الشيخ” الرسمي أو إلى أي جهة يتبع بالتحديد.

وفي تقرير حديث نشره موقع “يورونيوز“، ورد أن “سوريا الجديدة”، التي رُفعت فيها شعارات مثل “التحرير”، و”عودة القانون”، و”عقلية الدولة”، تتكشف على أرض الواقع بوجه مختلف، حيث تفرغ هذه الشعارات من معناها عبر ممارسات تعكس واقعا أمنيا مشوشا، تحكمه شخصية واحدة لا تحمل أي صفة رسمية، لكنها تتكرر في كل قصة: “الشيخ”.

حوادث متفرقة لكنها مترابطة من حيث الدلالة، ترسم صورة سلطة موازية أو “سلطة في الظل” تتجاوز مؤسسات الدولة الرسمية، وتثير تساؤلات حول من يملك القرار فعليا على الأرض.

تكرار ظهور “الشيخ”

وأردف تقرير “يورونيوز” أنه في أعقاب التفجير الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، يوم الأحد الفائت، برزت ملاحظات لافتة على هامش الحدث، تعكس قلقا متزايدا من طبيعة السلطة الفعلية على الأرض.

وفي تصريح علني أمام أحد المسؤولين، قال الوكيل البطريركي لبطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، المطران رومانوس الحنات: “المسؤول عني الشيخ فلان والشيخ علان”، قبل أن يعقب مستنكرا: “ما في شي اسمه شيخ.. في دولة، وإلا يفتح كل واحد دكانتو لحالو”.

لم يكن هذا التصريح الواضح مجرد لحظة احتجاج عابر، بل تعبيرا صريحا عن شعور متزايد لدى شرائح مختلفة من المجتمع السوري بأن ما يُفترض أنه جهاز دولة بات يُدار من خلف ستار، وبأدوات غير رسمية، طبقا للتقرير ذاته.

كذلك، تكرر الأمر مع قصة “الشيخ” في حلب، منذ أيام قليلة، فخليل العموري، شاب مغترب أمضى أكثر من 11 عاما خارج البلاد بسبب ملاحقات أمنية، قرر العودة إلى مدينته بعد ما ظن أنه بعد “سقوط النظام السوري السابق” القمعي واستقرار الأحوال أن البلاد تغيّرت. 

لكن في آخر يوم له، دخل في مشادة كلامية بسيطة مع أحد السكان بسبب موقف للسيارات، ليظهر فجأة شخص يعرف في المنطقة باسم “الشيخ” ويطالبه بإزاحة سيارته. وحين رفض، تطور الموقف بسرعة إلى اعتداء لفظي، ثم جاء التهديد: “بدي أدقك” بالتعبير الدارج.

ومن ثم، هجم عليه عدد من الأشخاص ممن قيل إنهم يتبعون “للأمن العام”، وقاموا بضربه بوحشية أمام أخيه، وصوب أحدهم فوهة سلاحه إلى رأسه وهو يصرخ: “راح أقوّصك”.

ويقول خليل العموري في منشور على منصة “فيس بوك” مرفق بصورة لكتفه وتبدو عليه آثار الضرب: “كلما رفعت رأسي لأتحدث، كانت الضربة جاهزة. شتائم، إهانات، وصفونا بالشبيحة والخنازير، وضعونا في أرضية السيارة كأننا أسرى حرب”.

نُقل خليل مع شقيقه إلى مخفر قرب جامع الحسن، وفق ما رواه عبر حسابه على “الفيسبوك”، وهناك أكمل الاعتداء عليهما بتهمة “النيل من هيبة الدولة واعتداء على عنصر أمن”، وتم تصويرهما كمجرمين. وأدخلوا إلى غرفة موقوفين دون أي تهمة رسمية. وعندما طالب خليل بعرضه على قاضٍ أو جهة قضائية محايدة، أجابه أحدهم: “هاد الشعب ما بيفهم غير بالدعس”. 

رغم أن أحد المعتدين كان من معارف والده، لم يقدم أي اعتذار، بل قال له لاحقا: “عمك ضربك، خلص، شو بدك بعد؟”. وعبّر خليل عن شعوره بالخذلان قائلا لوالده بعد خروجه: “ما عاد ارجع عالبلد خالص.. عيوني دموع بتغرق كل سوريا.. وتمّي مليان دم”.

حوادث تعرض لها صحفيون

رغم أن العمل الصحفي والإعلامي يعد حساسا إلى حد ما، ويُفترض أن تتعامل معه السلطات بحذر أكبر، إلا أن مثل هذه الحوادث طالت صحفيين مؤخرا في دمشق.

وقد تعرضت الصحفية سولين محمد أمين، مراسلة قناة “رووداو” في دمشق، لموقف سيئ عند أحد الحواجز، حيث واجهت إهانات لفظية واتهامات، لمجرد أن لوحة سيارتها ونفوسها تشير إلى أنها من القامشلي/قامشلو، المنطقة الكُردية الواقعة ضمن سيطرة “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا.

وبحسب ما قالته الصحفية عبر حسابها على منصة “فيسبوك”، وفق متابعة “الحل نت“، بدا أن العسكري الموجود على الحاجز يحمل عداءً تجاه “الإدارة الذاتية” الكُردية، أو ربما تجاه كل من يتحدر من مناطق “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

ولحلحلة الموقف، تواصلت الصحفية مع مسؤول إعلامي في المنطقة، فأرسل الأخير سيارة إلى الحاجز الذي كانت متوقفة عنده. وتبين أن السيارة كان فيها “شيخ”، وفق ما ذكرته، مشيرة إلى أن “الشيخ” قال لها: “تفضلي، روحي للسيارة، كان سوء تفاهم.”

كذلك، حادثة أخرى حصلت مع، الصحفي السوري أمجد الساري كتب على “فيسبوك” عن حادثة وصفها بأنها “أسوأ ما تعرض له في بلده منذ التحرير”. كل ما فعله أنه التقط صورة لواجهة السفارة الإيرانية في حي المزة بدمشق، لكنها لم تنتهِ إلا باتهامات بالخيانة والعمالة، وتهديد صريح.

ويقول أمجد سألني العنصر: “صورت؟ قلت نعم. طلب هاتفي فرفضت، فصرخ ساخرا: مفكر حالك بلاس فيغاس؟ قلت له: وليش لا؟ ما منستحق قانون متلهم؟”، هكذا بدأت القصة.

بعد دقائق، وبتسلسل يشبه سيناريوهات الاستدعاء الأمني في أفلام قديمة، حضرت دراجة نارية يستقلها عنصران، أحدهما عرّف عن نفسه بأنه مسؤول في الأمن الدبلوماسي. طلب الهوية، ثم قال: “تعاون معنا لنساعدك!”، فكان الجواب الصادم من الصحفي: “أنا متهم؟ على شو؟ صورة؟”.

ضحك الصحفي من هول المفاجأة، قبل أن يسمع العبارة التي اختزلت عقلية من يتولون السلطة على الأرض: “أنا بنظري كل الناس مجرمون حتى يثبتوا العكس”.

وبعد جدال طويل يقول أمجد إنه استجاب لطلب عنصر الأمن وقام بحذف الصورة، لكن التحقيق استمر وزادت الضغوط، وكررت العناصر تهديدها بـ”الشيخ” أو “الأمير”، ويضيف العنصر: “لهلأ نحنا متعاونين معك، بس إذا أجا الشيخ.. ما بتعرف شو بصير فيك”.

حوادث أخرى

وفي دمشق، حي القصاع، اقتحمت عصابة مسلحة منزل عائلة بغرض السرقة. وبعد تبليغ الأمن، حضر “الشيخ” بنفسه، وقبل بدء التحقيق طلب من السيدة في المنزل “أن تتستر”، قائلا: “إذا بدنا نبلش تحقيق، لازم الست تتستر أول”.

يروي الشاب ثائر في حديثه لـ”يورونيوز” أنه فوجئ قبل أيام باقتحام ثلاثة عناصر من الأمن العام منزله في إحدى ضواحي دمشق، بحجة أن المنزل “يعود لضابط سابق في نظام بشار الأسد”، وبعد سلسلة من الأسئلة الاستجوابية، كان أحدها السؤال عن طائفته ووظيفته. أحضر ثائر عقد الإيجار، ليتبين للعناصر أنه مستأجر للمنزل من امرأة مدنية، وليس من أي جهة عسكرية. ومع ذلك، لم تُغلق القضية، بل طلب منه الحضور في اليوم التالي لمقابلة شخصية تُدعى “الشيخ”.

وانتظر ثائر نحو ساعتين حتى وصل “الشيخ”، ليتفاجأ بحضوره المهيمن وسلطته المطلقة على عناصر الأمن العام، وكأنه الآمر الناهي في المنطقة. لم يطلب فتح تحقيق، ولم يناقش التفاصيل، بل اكتفى بقول واحد: “اترك عقد الإيجار الأصلي عندي، واحتفظ بصورة فقط”.

وخلص تقرير “يورونيوز” بالقول: تشير الحوادث المتكررة في سوريا إلى وجود معادلة جديدة باتت مألوفة لدى السوريين: غياب القانون والمساءلة، مقابل صعود سلطة فعلية يمارسها شخص يُعرف فقط بلقب “الشيخ”، دون صفة رسمية أو هوية واضحة، ويوجد نسخة منه في جميع مؤسسات الدولة المدنية منها والعسكرية، لا أحد يعرف من هو، أو ما هي رُتبته، ومن أين يأتي بسلطته.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم