النفط يُمسك بزناد التهدئة.. كيف كبحت الطاقة الانفجار الإيراني الإسرائيلي؟

النفط

بعد اثني عشر يومًا من التصعيد المتواصل بين إيران وإسرائيل، والذي دفع المنطقة إلى حافة الانفجار، خمدت الجبهات فجأة دون اتفاق واضح أو إعلان رسمي يفسر حقيقة ما جرى، ليبدو المشهد كأن حربًا وُلدت واختُتمت تلقائيًا، أو بفعل ضغوط غير معلنة مارسها “فاعل خفي” لم يظهر إلى العلن.

وبخلاف التطورات العسكرية خلال هذا الصراع، اهتزت أسواق الطاقة، بينما لوحت الدول الكبرى بمخاوف من تكبد خسائر اقتصادية جسيمة في حال استمر التصعيد وخرج عن السيطرة.

النفط والتهدئة

أمسك النفط بزناد التهدئة، ولعبت الطاقة دورًا غير مباشرًا لكنه حاسمًا في كبح الانفجار الإيراني الإسرائيلي، في ظل مصالح متشابكة تطال الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية ودول الخليج، بل وتمتد إلى آسيا والصين، في شبكة واحدة تشدّها أسواق النفط والغاز من أطراف متعددة.

وبدأت شرارة التصعيد فجر الجمعة الثالث عشر من حزيران/ يونيو الجاري، حين نفّذت إسرائيل سلسلة ضربات جوية استهدفت منشآت نووية ومواقع عسكرية داخل إيران، ترافقت مع عمليات اغتيال طالت شخصيات عسكرية وعلماء بارزين في القطاع النووي، ما دفع طهران للرد بهجوم صاروخي واسع أُطلق عليه اسم “الوعد الصادق 3″، مستهدفة به مواقع عسكرية إسرائيلية في الشمال والجنوب.

كان التصعيد في منحى تصاعدي حاد، ينذر بانزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية مفتوحة، وسط مؤشرات عسكرية ميدانية توحي بأن العودة إلى الوراء باتت مستبعدة، لكن ما حدث فعليًا كان عكس ذلك، حيث توقفت الضربات فجأة بعد تطورها بشكل غير مسبوق، وفرض الهدوء نفسه على الجبهات، بعد إعلان مبهم من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف لإطلاق النار، دون الإفصاح عن شروطه أو أطرافه أو الضمانات التي جاءت به.

وعادة ما تنتهي المواجهات في معظم الحروب، إما بهزيمة عسكرية لأحد الأطراف، أو بتسوية دبلوماسية برعاية واضحة، لكن المشهد الحالي يشير إلى أن قرار وقف التصعيد لم يكن وليد مفاوضات سياسية، بقدر ما كان استجابة لضغوط اقتصادية ثقيلة تتجاوز الطرفين المتحاربين.

عامل حاسم

تحوّلت المخاوف من انهيار استقرار سوق الطاقة إلى العامل الحاسم في اتخاذ القرار، خاصة أن إيران، رغم العقوبات الغربية، لا تزال من كبار المنتجين في سوق النفط والغاز، وتُصدّر نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، تمر معظمها عبر مضيق هرمز باتجاه آسيا، وتحديدًا الصين والهند، ما يعني أن أي توتر في هذا المضيق لا يهدد صادرات طهران فحسب، بل يضع الإمدادات العالمية كلها في مهب الخطر، ما يؤدي حتميًا إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني.

وقد ظهرت بوادر هذا الخطر بالفعل، إذ قفزت أسعار النفط بشكل مفاجئ بأكثر من 7 بالمئة خلال أقل من 48 ساعة من بدء التصعيد، ليصعد خام برنت من نحو 69 دولارًا إلى ما بين 74 و78 دولارًا للبرميل، في واحدة من أعنف موجات الصعود منذ بداية العام، ووصف محللون هذه القفزة بأنها “ارتداد معنوي”، لكنه يعكس عمق الخوف من انقطاع محتمل في مسارات الشحن أو إغلاق المضائق.

لم يكن الصراع الإيراني الإسرائيلي شأناً يخص الطرفين فحسب، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لأكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، فمضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، وُضع تحت المجهر، تمامًا كما وضعت منصات الغاز الإسرائيلية في شرق المتوسط تحت خطر التوقف أو الاستهداف في حال تطور القتال.

وقد لوّحت طهران بإمكانية إغلاق المضيق، حيث أعلن مسؤولون إيرانيون أن القرار “قيد الدراسة”، كان أبرزهم تأكيد القيادي في الحرس الثوري الإيراني اللواء إسماعيل كوثري، أن إغلاق المضيق قيد الدراسة، وأن طهران ستتخذ القرار الأفضل بحزم، كما أكد البرلمان موافقته على ذلك مبدئيًا، وأنه بانتظار تصديق مجلس الأمن القومي، ذلك في أعقاب استهداف الولايات المتحدة الأميركية أهداف نووية إيرانية.

خسائر الحرب الشاملة

 لكن على الرغم من هذه التهديدات، بدا واضحًا أن طهران نفسها تدرك أن أي خطوة من هذا النوع ستُفسَّر كإعلان حرب شاملة، وتعرضها لخسارة أسواق استراتيجية في آسيا، وتهدد علاقتها مع بكين ونيودلهي، بينما أي استهداف مباشر لمنشآت الغاز الإسرائيلية سيؤدي إلى شلل مؤقت في تصدير الغاز إلى أوروبا، وهو ما يشكل تهديدًا لمسار الطاقة البديل الذي تتبناه بروكسل في تقليل اعتمادها على روسيا.

كل طرف من أطراف الأزمة كان يعلم أن إشعال حرب في ممرات حيوية كهذه يعني رد فعل قاسيًا من الأسواق العالمية، وربما عزلة دولية، ولهذا السبب ظل المضيق مفتوحًا، رغم كل التصريحات المتوترة.

وعلى الرغم من تجنّب الكارثة، إلا أن أسواق المال لم تسلم من الارتباك، فقد شهدت العقود الآجلة تقلبات حادة، وارتفعت توقعات التضخم، وحذرت مؤسسات مالية كبرى من موجة ركود جديدة إذا ما تجاوز سعر البرميل حاجز المئة دولار، خصوصًا في الأسواق الناشئة، وفي أوروبا، التي تعتمد على الغاز الإسرائيلي المُسال، ظهرت مخاوف من تأثر سلسلة الإمدادات، ما دفع بدول الاتحاد الأوروبي إلى الضغط في اتجاه التهدئة.

المعركة هنا لم تكن ميدانية فقط، بل اقتصادية بامتياز، وتحولت قرارات الحرب والسلم إلى رهينة بيد الأسواق، التي ضغطت بقوة، لتفادي الأسوأ، ويُرجح أن قرار وقف إطلاق النار جاء استجابة لضغوط غير معلنة من قوى اقتصادية كبرى، شرقية وغربية، أدركت أن الخسارة في حرب كهذه ليست عسكرية فقط، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد الدولي الذي يعاني أصلًا من هشاشة مزمنة بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.

قلق بالغ في عواصم الخليج

في هذا السياق، راقبت عواصم الخليج المشهد بقلق بالغ، إذ إن أي تصعيد مفتوح لا يهدد أمنها الجيوسياسي فقط، بل يضرب مباشرة مشاريعها الضخمة في الطاقة والتجارة البحرية، فالسعودية، بصفتها أكبر مصدر للنفط عالميًا، كونها تملك احتياطي يُقدّر بأكثر من 264 مليار برميل، لا يمكنها القبول بحرب قد تهدد مرور صادراتها عبر الخليج، وتعيد الفوضى إلى السوق النفطية، وقطر أيضًا كمصدر رئيسي للغاز المسال، تدرك أن أي اضطراب في سلاسل التوريد سيعيد خلط أوراق المنافسة، ويقلص من نفوذها كمصدر موثوق.

من هذا المنطلق، تشير الترجيحات إلى أن هذه الدول مارست ضغطًا هادئًا عبر قنواتها مع واشنطن وتل أبيب وطهران، للحفاظ على استقرار السوق في وقت بالغ الحساسية عالميًا، وقد انعكس ذلك في تثبيت نسبي لأسعار النفط، واستمرار تدفق الغاز.

وتجلت تلك الترجيحات، خلال أنباء نقلتها وكالة “رويترز” عن مسؤول قوله إن رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ضمن موافقة إيران على اقتراح وقف إطلاق النار الأميركي في مكالمة مع مسؤولين إيرانيين بعد الهجمات الإيرانية على قاعدة “العديد” الأميركية في قطر يوم الإثنين.

ويشار إلى أن الردود العسكرية من كلا الطرفين بدت محسوبة بدقة، دون أن تمس المنشآت الحيوية للطاقة، أو تغلق ممرًا بحريًا، أو تخلق أزمة فورية في الإمدادات. فقد أصبح القرار الاستراتيجي رهينًا للوقائع الاقتصادية، التي فرضت منطقها على لغة النار.

تحولات سوق الطاقة

في هذا السياق، أكدت أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، في حديث لموقع “الحل نت“، أن المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، والتي خيمت على أسواق الطاقة العالمية في الأيام الماضية، بدأت تتلاشى مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل.

وأوضحت أن سوق النفط العالمي، بطبيعته الحساسة، لا يتحرك فقط بفعل المؤشرات الكلية والعرض والطلب، بل يتأثر أيضًا بالتصريحات السياسية والتطورات الجيوسياسية، وهو ما كان واضحًا في سلوك السوق خلال لحظات التوتر الأخيرة.

وأضافت أن الأسواق، وخصوصًا سوق النفط، كانت في حالة ترقب حذر لما يمكن أن تسفر عنه الأزمة، خاصة أن الرئيس الأميركي نفسه تعهّد، عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، بالعمل على خفض أسعار النفط، بل ووجّه دعوة صريحة للشركات الأميركية لاستئناف عمليات الحفر، ما يعكس إدراكًا مباشرًا بأن أسعار الطاقة المرتفعة تمثل خطرًا مباشرًا على الاقتصاد الأميركي والدولي على حد سواء.

أداة ضغط استراتيجية

وأكدت أن ملف الطاقة تحوّل في هذه الأزمة إلى أداة ضغط استراتيجية تتجاوز الجغرافيا السياسية، وأن ورقة غلق مضيق هرمز – رغم رمزيتها – لم تُستخدم فعليًا نظرًا لما قد يسببه إغلاق هذا الممر الحيوي من شلل اقتصادي عالمي، وهو ما دفع العديد من الأطراف إلى تغليب المصالح الاقتصادية على التصعيد العسكري.

وأكدت على أنه ليست هناك مصلحة لأحد، في هذا التوقيت، بارتفاع أسعار النفط والغاز، خاصة في ظل استمرار أزمة الطاقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتداعيات الحرب في أوكرانيا، التي لا تزال تلقي بظلالها على أوروبا.

المشهد الاقتصادي العالمي يعاني بالأساس من هشاشة شديدة، خاصة في قطاع الطاقة، الذي يتأثر بما يُعرف بـ”المعنويات السوقية”، حيث ارتفعت العقود الآجلة للنفط فور تصاعد التوتر، فقط لأن المنتجين والمستثمرين شعروا بأن أي تهديد بإغلاق هرمز يمثّل اختناقًا حقيقيًا لشرايين الاقتصاد الدولي.

أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي

وختمت بالتأكيد على أن ترامب، في ظل هذه التوترات، استشعر أن برنامجه الاقتصادي قد يتعرض لانهيار حقيقي، خاصة مع استمرار الفيدرالي الأميركي في سياسة التشدد النقدي، ورفض رئيسه جيروم باول خفض الفائدة رغم تصاعد مؤشرات التضخم.

 ولهذا، رأت أن ترامب لم يسعَ إلى وقف إطلاق النار بدافع إنساني أو سياسي فقط، بل حفاظًا على ما تبقّى من استقرار اقتصادي داخلي ودولي، بعدما أثبتت الأزمة أن الاقتصاد العالمي يقف على أرض رخوة، وأن أي هزّة في سوق النفط أو اضطراب في الإمدادات قد يؤدي إلى زعزعة تامة في بنية الاستقرار العالمي.

مخاوف أميركية وهواجس خليجية

فيما رأى خبير اقتصاديات الطاقة، الدكتور نهاد إسماعيل، خلال تصريح لموقع “الحل نت”،  أن أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في وقف التصعيد بين إيران وإسرائيل كان إدراك الإدارة الأميركية، لما يمكن أن تسببه الأزمة من تداعيات اقتصادية واسعة، خاصة في سوق الطاقة.

وأشار إلى أن المخاوف الجيوسياسية، إلى جانب تهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز، تضع نحو خُمس إنتاج النفط العالمي في خطر، ما قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات ورفع الأسعار بشكل يهدد اقتصادات الدول المنتجة والمستوردة على السواء، بما في ذلك الصين وإيران ودول الخليج.

وأضاف أن ترامب، الذي وعد ناخبيه خلال حملته الانتخابية بخفض أسعار البنزين والمواد الأساسية، يدرك تمامًا أن أي تصعيد قد يدفع إيران إلى خيارات تصعيدية مثل إغلاق المضيق أو استهداف ناقلات النفط والمنشآت الحيوية، مما سيخلق أزمة طاقة عالمية.

 كما أوضح أن هواجس دول الخليج من ضربة إيرانية محتملة قد تشل اقتصاداتها وصلت إلى البيت الأبيض وأسهمت في دفع واشنطن نحو الضغط لإنهاء التصعيد، خصوصًا أن هذه الدول كانت واضحة في رفضها لأي حرب إقليمية، ودعت إلى حلول تفاوضية سلمية.

معضلة ترامب

تابع خبير اقتصاديات الطاقة بأن الاقتصاد العالمي بحاجة إلى استقرار دائم في قطاع الطاقة، وأن أسعار النفط التي تتجاوز 80 دولارًا للبرميل لا تخدم هذا الهدف، أما الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، فترغب في إبقاء الأسعار دون 60 دولارًا لأسباب داخلية وانتخابية بحتة، إذ أن ارتفاع الأسعار ينعكس فورًا على المستهلك الأميركي.

وقد حذّر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أن المواجهة بين إسرائيل وإيران قد تخفض النمو الأميركي من 1.7 إلى 1.4 بالمئة، وترفع معدل التضخم إلى ما يفوق 4 بالمئة، ما سيؤجل خطة خفض أسعار الفائدة، رغم ضغط ترامب من أجل تخفيض سريع.

ترامب يواجه معضلة حقيقية بين خوض حرب قد تفضي إلى انهيار اقتصادي شامل، أو التحرك لاحتوائها حفاظًا على الداخل الأميركي، مشيرًا إلى أن قرار واشنطن منح الصين الضوء الأخضر لاستيراد النفط الإيراني قد أثار تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يشير إلى تخفيف العقوبات، أو مجرد خطوة تهدف إلى تهدئة الحرب التجارية، لكنه يرى أن المؤكد هو أن ترامب أدرك أن اندلاع حرب إقليمية في الشرق الأوسط لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة بأي حال.

خبير اقتصاديات الطاقة، الدكتور نهاد إسماعيل

وفي منشور على منصة “تروث سوشيال”، كتب ترامب: “يمكن للصين الآن مواصلة شراء النفط من إيران، ونأمل أن تشتري كميات كبيرة من الولايات المتحدة أيضاً”.

في غضون ذلك، أوضح البيت الأبيض في بيان، أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، أن الصين يمكنها مواصلة شراء النفط الإيراني بعد موافقة إسرائيل وإيران على وقف إطلاق النار، وأنه كان يقصد عدم إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، إذ إن إغلاقه كان سيؤدي لعواقب وخيمة على الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني في العالم.

يشار إلى أن أسعار النفط العالمية سجّلت تراجعًا حادًا عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل، فبعد أيام من الارتفاع الحاد على خلفية التصعيد العسكري، انعكست المعادلة فور إعلان التهدئة، ليتراجع خام برنت بنحو 6 بالمئة إلى 67.14 دولارًا، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى 64.37 دولارًا للبرميل، في أكبر انخفاض يومي يسجله الخامان منذ مطلع العام.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم