في خطوة لافتة أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، السبت، توقيع مُذكرة تفاهم مع وزارة النقل والبنية التحتية التركية، بهدف إعادة تفعيل النقل الطرقي الدولي والترانزيت بين البلدين، بعد ما يقرب من عقد ونصف من الجمود في هذا المجال الحيوي.
وأكدت الهيئة بحسب بيان رسمي نشرته عبر منصاتها الرسمية، فإن الاتفاق يُعيد العمل باتفاق النقل الطرقي الموقع بين الجانبين بتاريخ 10 أيار/ مايو عام 2004، بما يشمل نقل الركاب والبضائع، وتسهيل عبور الشاحنات التجارية عبر الأراضي السورية والتركية.
تطبيع اقتصادي
يأتي هذا التفاهم في سياق سعي متبادل لتطبيع العلاقات الاقتصادية وتجاوز التوترات التي عطلت التعاون في مجالات النقل والتجارة منذ اندلاع الأزمة السورية، إذ تشكل إعادة فتح المعابر البرية وتسهيل حركة الشاحنات خطوة مفصلية باتجاه إعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي كممر بري يربط الخليج بتركيا وأوروبا.
ويتضمن الاتفاق، كما ورد في البيان السوري، التزامًا متبادلًا بفرض رسوم طرق “معقولة” وقابلة للتعديل لاحقًا، والسماح باستخدام مرافق “رو- رو” Ro-Ro للنقل البحري السريع، مما يمنح الشحن البري مرونة إضافية في العبور والنقل المركب.

كما أكد الطرفان وفقًا للمذكرة، أهمية تسهيل منح تأشيرات الدخول للسائقين المهنيين، وتطوير آليات التعاون في تنظيم النقل البري وفق المعايير الدولية المعتمدة، بما في ذلك المواءمة التشريعية وتحديث الأنظمة الفنية، وشملت المذكرة أيضًا اتفاقًا على إطلاق برامج تدريبية مشتركة للعاملين في قطاع النقل في كلا البلدين، بما يعكس توجهًا نحو بناء شراكة مؤسساتية عابرة للحدود.
ومن أبرز ما ورد في البيان السوري أيضًا، إعادة تفعيل اللجنة السورية التركية المشتركة للنقل الطرقي، والتي ستُعنى بمتابعة تنفيذ التفاهم ومعالجة أي قضايا فنية مستجدة بما يضمن استمرار انسيابية الحركة التجارية والركابية بين البلدين.
خطة شاملة
يشار إلى أن هذه اللجنة كانت قد توقفت عن العمل منذ سنوات، بسبب تعثر العلاقات الدبلوماسية وتجميد التعاون الثنائي في مجالات النقل واللوجستيات.
ترافقت الخطوة السورية التركية مع إعلان تركي رسمي عن خطة شاملة لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية مع سوريا، حيث صرّح وزير التجارة التركي، عمر بولات، بأن الجانبين حدّدا خارطة طريق جديدة تبدأ بإعادة فتح البوابات الجمركية أمام الترانزيت إلى المحافظات الحدودية، كمرحلة أولى قبل توسيع نطاق التعاون.
وأضاف أن أنقرة ودمشق ستبدآن قريبًا مفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، والتي تهدف إلى وضع إطار متكامل للتكامل التجاري والاستثماري بين الطرفين.
ووفق ما نقلته صحيفة “ميليت” التركية، فإن البرامج التنفيذية للاتفاق ستتضمن زيارات ميدانية للمناطق السورية التي تحتاج إلى دعم فني وخبروي، إضافة إلى تبادل الخبرات في مجالات البناء والتشغيل والنقل العام، وبناء شراكات جديدة بين القطاعين العام والخاص في كلا البلدين، كما ستُقدم دورات تدريبية متخصصة للمؤسسات السورية، بما فيها المنظمات غير الحكومية، لتعزيز معرفتها بمنظومات التجارة الحرة ومنظمة التجارة العالمية.
تنشيط منظومة النقل
في انعكاس مباشر لهذا المسار الجديد، أظهرت البيانات الرسمية التركية ارتفاعًا كبيرًا في حجم الصادرات إلى سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، إذ تجاوزت المليار دولار، محققة بذلك زيادة نسبتها 47 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وحققت تركيا صادرات بقيمة 669 مليونًا و661 ألف دولار إلى سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، مسجلة زيادة بنسبة 36.7 بالمئة عن نفس الفترة من العام الماضي، بحسب الأرقام التي قدمها الوزير بولات، ما يعكس تحسنًا لافتًا في حجم التبادل التجاري، واستعدادًا تركيًا لتوسيع نشاطها الاقتصادي عبر السوق السوري.
وتأتي هذه التطورات في ظل محاولات الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية تنشيط منظومة النقل الإقليمي والدولي، في محاولة لإعادة التموضع الاستراتيجي لسوريا كممر تجاري حيوي يربط بين آسيا وأوروبا، عبر شبكة معابرها البرية ومرافئها البحرية على البحر المتوسط.
رهان وتحديات
كما تراهن دمشق على هذا الدور كرافعة اقتصادية جديدة، خصوصًا في ظل تراجع موارد الدولة من القطاعات الإنتاجية، وانكماش عائدات التصدير، وتقلص مصادر العملة الصعبة.
تطرح هذه الخطوة تحديات عدة، أبرزها مدى جهوزية المعابر السورية للعمل وفق المعايير الفنية الدولية، ومدى قدرة القطاع اللوجستي السوري على استيعاب الزيادة المتوقعة في الحركة، إضافة إلى التحديات الأمنية والإدارية المرتبطة بالمناطق الحدودية المشتركة.
ويمثل توقيع مذكرة التفاهم مع تركيا فتح بابًا جديدًا نحو علاقات جديدة بين تركيا وسوريا عبر الطرق البرية، وكسر عزلة دمشق الإقليمية وربط البلاد مجددًا بدول الجوار بعد سنوات من الانقطاع ومن ثم إعادة حركة التجارة مجددًا.
- نيويورك تختبر فرص التفاوض بين واشنطن وطهران.. هل يفتح هرمز باباً للتهدئة؟
- أكثر من ألف مدجنة خارج العمل.. ما الذي ينتظر مربي الدجاج في حماة؟
- العراق يمدد مهلة نزع سلاح الفصائل حتى حزيران 2027.. ماذا تتضمن الخطة؟
- بين القتل القصد والعمد.. لماذا انتهت قضية باسل الحسن إلى 20 عاماً؟
- موظفو الشؤون الاجتماعية في إدلب يحتجون على تدني الرواتب

