بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد ودخول سوريا في مرحلة جديدة، بدأ اللاجئون السوريون بالعودة إلى البلاد، خاصة ممن كانوا في بلدان الجوار، الأردن، تركيا، ولبنان، حيث عادوا مئات الآلاف منهم في الأشهر الستة الأخيرة، إذ كان قرار العودة بالنسبة للاجئين العائدين رغم معرفتهم بالأوضاع في البلاد وتردي الخدمات، التي ما زال بعضها في مرحلة التخطيط لإعادتها نسبيا في الأشهر المقبلة.
لكن الكثير منهم صُدم بالواقع في سوريا، إذ لم يتوقعوا أن يكون الحال سيئا إلى هذا الحد، من الدمار الذي حل بالمنازل وارتفاع الإيجارات، وصولا إلى ضعف فرص العمل والدخل، في حين ما زالت خدمات المنظمات الدولية والمحلية ضعيفة نسبيا، في ظل ضعف تمويل برامجها الخاصة بالعائدين من بلدان اللجوء.
ويرى عدد من السوريين العائدين أن قرارهم، رغم الصعوبات التي يواجهونها، إلا أنه كان صائبا، في حين يرى آخرون أنهم تسرعوا في العودة، بينما ما زالت البلاد بحاجة للنهوض بعد 14 سنة من الحرب.
تحديات بعد العودة
بعد 9 سنوات من اللجوء في لبنان، عاد رضوان خلف برفقة عائلته إلى العاصمة دمشق، حيث وجد منزله مدمرا، ما اضطره لاستئجار شقة للعيش فيها، رغم ارتفاع الأسعار، لكنه يعيش على أمل أن يتمكن من إعادة إعمار منزله في حرستا، الذي غادره رغما عنه.

لا ينتاب خلف الشعور بالندم لعودته في ظل أوضاع ما زالت شعبة في سوريا، وقال في حديث لـ “الحل نت”: “أنا ما بندم إني رجعت كيف ما كان هاي بلدي وهي الأرض اللي بدي موت عليها”.
“لما رجعنا الواقع صعب بيتنا بحرستا مهدود، مو ضايل فيه غير العضاد. ما كان في خيار غير نستأجر بالشام والمزة تحديدا لأن النا قرايب هنيك، بس الإيجارات مرتفعة. العاصمة كلها صايرة أزمة خانقة، ما بتلاقي شي إلا بأسعار بتخوف”. أضاف خلف لـ “الحل نت”
بعد عودة، بدأ خلف العمل في شركة مواد غذائية، لكن الراتب الشهري ضعيف، وفق وصفه، إذ إن الأسعار في ارتفاع، بينما يترتب عليه التزامات يفوق راتبه بأضعاف، من مصاريف أبنائه في المدارس والفواتير، ناهيك عن إيجار الشقة.
حول المساعدات التي تلقاها بعد عودته من لبنان، قال خلف إنه لم يتلق أي مساعدة، رغم أنه سجّل في لجان لدعم العائدين، وأضاف: “حطينا اسمنا بكل الجهات الحكومية من لجان ع أساس في دعم للعائدين بس كله حكي ولا لقينا شي على الأرض”.
المفوض الأممي فيليبو غراندي قال في منشور على منصة “إكس” في 19 حزيران/يونيو الماضي، إن أكثر من مليوني سوري لاجئ ونازح عادوا إلى ديارهم منذ سقوط نظام الأسد، معتبرا ذلك “مؤشر أمل وسط التوتر المتصاعد في المنطقة”.
ولا يختلف الحال بالنسبة لـ جيهان درويش، التي عادت إلى دمشق قادمة من تركيا بعد شهرين من سقوط النظام، حيث لم تجد منزلا للإيجار مما اضطرها للسكن في بيت غير صالح للسكن، حسب وصفها، إذ يخلوا من الخدمات الأساسية.
وأوضحت في حديث لـ “الحل نت“: “رجعنا بعد التحرير بشهرين على سوريا، قرايبنا عطونا بيت فاضي بركن الدين بس بصراحة ما بنقال عنه بيت… لا تمديدات الكهربا ولا المي زابطة ولا بواب بتتسكر. حاولنا نلاقي بيت بنص الشام بس مستحيل في أزمة سكن مرعبة، والأسعار فلكية، خصوصا بس يسمعوا عيلة جاي من برات سوريا بفكرونا محملين مصاري. قلنا معلش كلو بيتحسن شوي شوي بيزبط وضعنا، بس شوي شوي ما عم تمشي”.
وأضاف درويش، أن زوجها لم يجد عملا ثابتا بعد، بينما العيش في سوريا يتطلب دخلا جيدا، نظرا لارتفاع الأسعار وعدم ثباتها، في حين تغيب الخدمات الأساسية، خاصة الصحية، التي تعتبر من الأهم بالنسبة للناس.
“كنا مفكرين شي وطلع شي تاني “
في إدلب، برزت مشكلة السكن مع بدء عودة السوريين إلى منازلهم، سواء اللاجئين أو النازحين، حيث ارتفعت إيجارات الشقق والمنازل، وباتت لا تتناسب مع دخل الأسرة الحالي، في حين لم تشهد القرى والمدن المدمرة بداية لإعادة الإعمار.

وقال سامي أبو يوسف، إن التحديات التي واجهها بعد عودته من تركيا إلى إدلب، هي السكن في المقام الأول، ثم العمل وفرق الرواتب. وقال لـ “الحل نت”: “بشكل عام الموظفين هون بادلب يعني يلي كان مع النظام استمر ونحن لا. وشغلة تانية ماعم يصرلي دور بالشغل بدك تزكية عند المشايخ
كان أبو يوسف، مهندس مدني، يعمل مع إحدى المنظمات الإنسانية في تركيا، كمنسق برامج، إذ كان يأمل بأن يحظى بعمل جيد في سوريا بعد عودته، لكنه صُدم بالواقع، حسب تعبيره. وأضاف: “كنا مفكرين شي وطلع شي تاني، يعني أنا نزلت من تركيا بس لانو مابقي عندي خيارات تانية غير سوريا، بس انا ما بنصح أي شخص ينزل على سوريا”.
مع انتهاء العام الدراسي شهدت العودة الطوعية من تركيا إلى سوريا زيادة واضحة، إذ ارتفع العدد اليومي للمغادرين إلى سوريا من المعابر الحدودية إلى 2500 شخص، بينما سجل عدد العائدين إلى بلادهم في الأشهر الستة الماضية 300 ألف شخص، وفق وزارة الداخلية التركية.
أما بالنسبة لـ شروق شيخ نجيب، فهي تشعر بالندم لقرار عودتها إلى سوريا في ظل ضعف الخدمات وعدم توفرها في كثير من الأحيان، إذ أشارت في حديث لـ “الحل نت” إلى أن واقع الحال ليس فقط في إدلب، بل في جميع أنحاء سوريا.
“إذا بدك تحكي عن المدارس ولا المشافي ولا الخدمات، على الأقل انو يشيلوا القمامة، بتكون عم تحكي عن الدولة ليش يا حزرك؟ لانو النظافة مستلمتا شركة تابعة للحكومة، الكهرباء للحكومة، المي للحكومة، التموين للحكومة. يعني كل شي بخص الحكومة مافيك تقرب عليه ولا هو موفرلك “
تعمل نجيب في المراقبة والتقييم مع المنظمات الإنسانية، وفق حديثها لـ “الحل نت”، إذ اعتبرت أن ” بالمشىرمحي ما في شي ماشي صح وكل شي الله ربي اسألك نفسي. والله حالة بتتعب لكان من طيبوا الناس عم تموت مجلوطة ومقهورة”.
عودة مبكرة إلى الحسكة
لا تختلف أوضاع السوريين العائدين إلى سوريا من دول الجوار في كل أنحاد البلاد، حيث تعاني جميع المحافظات السورية من الدمار الواضع وضعف الخدمات الأساسية، ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية، التي تقول الحكومة السورية إنها تعمل على دفعها إلى الأمام، بعد رفع العقوبات الغربية، لكنها لم تشهد تحسنا خلال الأشهر الماضية، في حين أن الأسعار ما زالت ترتفع بين الحين والآخر.

بالنسبة لكثير من العائدين، فإن المقارنة بين حياة اللجوء في الخارج والواقع الحالي في المدن السورية أصبحت تميل بوضوح نحو الخارج، ليس حباً بالغربة، بل كرهاً لواقع لا تتوفر فيه مقومات الحد الأدنى من الحياة.
إذ عبر عبد اللطيف العلي، من سكان حي الصالحية في مدينة الحسكة، عن ندمه من العودة المبكرة إلى سوريا، في ظل نقص واضح بالخدمات وقلة فرص العمل.
عاد العلي إلى مدينة الحسكة قادما من مدينة ماردين التركية، بعد أن غادر البلاد في عام 2015، عندما بدأ تنظيم “داعش” بالسيطرة على المدينة. وأضاف لـ “الحل نت”: “عشنا في ماردين حياة طبيعية. الكهرباء، المياه، المواد الغذائية، والأمان.. كلها كانت متوفرة، وأولادي تخرجوا من الجامعات التركية. نسينا تماماً أننا لاجئون”.
“تجري اللجنة الدولية للصليب الأحمر حالياً دراسة شاملة حول أعداد العائلات السورية العائدة إلى مناطقهم بعد سقوط النظام، إلى جانب تقييم أوضاعهم المعيشية والإنسانية”
ياسمين بدير، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا
وأضافت بدير لـ “الحل نت”، أن اللجنة لم تنتهِ من إعداد التقرير بعد، لكن فور الانتهاء منه سنقوم بالإعلان عنه بشكل رسمي.
ولم يكن حال صالح الهيجل، العائد من لبنان، أفضل من عبد اللطيف. حيث عاش الهيجل، من سكان حي غويران بالحسكة، في لبنان نحو 10 سنوات. وقال لـ “الحل نت”: “الوضع في لبنان كان جيداً قبل انفجار المرفأ. كان في شغل، والناس تشتغل وتأكل. لكن العنصرية أحياناً كانت مزعجة جداً. وبعد سقوط النظام قررت أرجع، لأني كنت مطلوباً”.
وحول الأوضاع في سوريا أضاف: “لا يوجد عمل. وإذا وجدت، المعاش ما بيكفي لشي. الأسعار نار، الكهرباء مقطوعة، والماء مقطوع، لا زراعة، حتى المدارس ما عم تشتغل. قررت أرجع لحالي على لبنان، وخلّي عيلتي هون، لأني لازم أعيلهم. هناك الراتب أحسن من هون”.
مسؤول شؤون اللاجئين في “الإدارة الذاتية” لشمال وشرقي سوريا، شيخموس أحمد، قال إن “مناطق الإدارة الذاتية لم تشهد عودة عوائل سوريين من الخارج بشكل كامل إنما عوائل محدودة ولم تسجل لدينا، والعودة تتركز بشكل أساسي في مناطق الداخل السوري الأخرى.
وأضاف في حديث لـ “الحل نت”، أن “الإدارة الذاتية” لم تتلقَ أي طلبات لعودة جماعية أو منظمة، مشيرا إلى أن هناك تنسيقاً مع منظمات إنسانية لمتابعة أي تحركات مستقبلية في هذا الإطار.
أخيرا، تُعتبر عودة السوريين، اللاجئين والنازحين، إلى ديارهم من التحديات التي تواجه الحكومة السورية، إذ إن عودتهم ستشكل ضغطا على البنى التحتية في البلاد، ناهيك عن حاجتهم إلى مدارس وخدمات صحية، بينما لم تبدأ حركة إعادة الإعمار، الي تتطلب دعما دوليا بمئات المليارات.
وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في 19 حزيران/يونيو الماضي، أن أكثر من 1.7 مليون لاجئ ونازح سوري عادوا إلى مناطقهم داخل سوريا. وحذّرت من أن العائدين يواجهون أوضاعاً معقدة في ظل استمرار تدهور الخدمات الأساسية، وغياب البنى التحتية، وضعف الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه.
وأكدت أن استقرار هؤلاء السكان يتطلب استجابة دولية عاجلة تركز على إعادة الإعمار المحلي، وتوفير الحماية، وتسهيل سبل العيش، بما يضمن عودة آمنة وكريمة ودائمة للملايين ممن أنهكهم النزوح الطويل.
وقدرت المفوضية السامية، في شباط/فبراير الماضي، المتطلبات المالية التي تحتاجها لتأمين عودة طوعية للاجئين والنازحين السوريين في المنطقة خلال العام الحالي 2025 بحوالي 371 مليون دولار.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

