عقود الإيجار القديمة تثير الجدل.. والعدل تدرس إنهاء “التمديد الحكمي”

التمدي الحكمي

تُمهد الحكومة السورية لاتخاذ خطوة لحل الخلل المتعلق بملف الإيجارات الخاضعة للتمديد الحكمي، المعروفة شعبيًا باسم “الإيجار القديم”، حيث أعلنت وزارة العدل عن تشكيل لجنة متخصصة لدراسة الملف ووضع مقترحات عملية تضمن تحقيق التوازن القانوني والاجتماعي بين المالكين والمستأجرين، بعد عقود من الجدل والتجاذبات.

وتتولى اللجنة، برئاسة رئيس محكمة النقض القاضي أنس منصور السليمان، دراسة التشريعات المتعلقة بعقود الإيجار ذات التمديد الحكمي، سواء للعقارات المملوكة للدولة أو للأفراد، ومراجعة الإطار القانوني الناظم لهذه العقود.

مهام اللجنة

تضم اللجنة في عضويتها عددًا من القضاة وممثلي النقابات المهنية والجهات العامة، وقد باشرت أعمالها بعقد ندوة حوارية موسعة جمعت أطرافًا متعددة من المالكين والمستأجرين، إلى جانب ممثلين عن الوزارات والمؤسسات ذات الصلة، بهدف فتح نقاش شفاف حول الإشكاليات القانونية والاجتماعية الناتجة عن استمرار العمل بعقود الإيجار الخاضعة للتمديد الحكمي، وتحديد النقاط الخلافية تمهيدًا لصياغة مقترحات تشريعية قابلة للتنفيذ.

وحددت الوزارة مهلة لإنجاز مهام اللجنة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، مع إمكانية تقديم مقترحات تشريعية أو تنظيمية لحل الإشكاليات المزمنة المرتبطة بهذا الملف.

وخلال الندوة، التي عُقدت في دمشق الثلاثاء الماضي، شدد القاضي السليمان على التزام اللجنة بالحياد، مؤكدًا أن هدفها الأسمى هو تحقيق العدالة والمصلحة العامة، دون انحياز لأي طرف على حساب الآخر، مشيرًا إلى أن هذه المبادرة تأتي استجابة لمطالب شعبية واحتجاجات متكررة من متضرري منظومة الإيجارات القديمة، وكذلك في ظل متغيرات اقتصادية واجتماعية تحتم إعادة النظر في التشريعات العقارية بما يتماشى مع مبدأ التوازن في الحقوق والواجبات.

مراجعة قوانين الإيجار

وزارة العدل كانت قد أعلنت في 12 حزيران/ يونيو الفائت عن تشكيل هذه اللجنة بشكل رسمي، وكُلّفت بمراجعة القوانين الناظمة لعقود الإيجار، سواء المتعلقة بعقارات مملوكة للأفراد أو مؤسسات الدولة، مع التركيز على العقود التي تعود إلى عقود سابقة لا تزال سارية بموجب قانون التمديد الحكمي، والذي يمنح المستأجر حق البقاء في العقار لفترات طويلة دون موافقة المالك، وغالباً بإيجارات رمزية لا تعكس القيمة السوقية للعقار.

وتكمن الإشكالية في أن آلاف المالكين في سوريا، لا سيما في المدن الكبرى كدمشق وحلب، لا يستطيعون استثمار عقاراتهم المؤجرة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بسبب تشريعات تم تمديدها عبر مراحل تاريخية مختلفة، كانت تهدف في حينها لحماية المستأجرين في ظروف الحروب والأزمات، لكنها اليوم تُعدّ – وفق توصيفات حقوقية – تجاوزًا صارخًا لمبدأ الملكية الخاصة.

وقد شهدت العاصمة دمشق، خلال الأشهر الماضية، سلسلة وقفات احتجاجية نظمها أصحاب العقارات المتضررين من تلك القوانين، مطالبين بإلغاء التمديد الحكمي وإعادة حق التصرف الكامل بالملكية لأصحابها.

مطالب المستأجرون

ممثلو المستأجرين المشاركون في الندوة شددوا على ضرورة أن تأخذ أي حلول قادمة بالاعتبار الواقع المعيشي الصعب، وعدم إلقاء العبء الكامل على شريحة سكانية تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية خانقة، داعين إلى اعتماد مبدأ التدرج في معالجة الإيجارات القديمة، بحيث يُمنح الطرفان الوقت الكافي للتكيف مع القوانين الجديدة دون الإضرار بمصالح أي منهما.

وفي ضوء هذا الحراك، ينتظر الشارع السوري ما ستخرج به اللجنة من توصيات خلال الأشهر المقبلة، وسط آمال متزايدة بإصلاح تشريعي متوازن يعيد الاعتبار للحق بالملكية، ويحافظ في الوقت نفسه على الأمن السكني والاجتماعي، ضمن مقاربة عادلة تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع الحالي والتراكمات التاريخية التي أنتجت هذه الأزمة الممتدة منذ عقود.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم