نساء سوريات قفزن فوق الظروف بمهنٍ احتكرها الرجال

نساء سوريات قفزن فوق الظروف بمهنٍ احتكرها الرجال (2)
نساء سوريات قفزن فوق الظروف بمهنٍ احتكرها الرجال (2)

لم تعد تداعيات الحرب والظروف التي عاشتها سوريا على مدار 14 عاماً تخفى على أحد، خاصة بما يتعلّق بالوضع المعيشي والأسروي والاجتماعي لمعظم السوريين الذين اضطروا للبقاء داخل سوريا، ووجدوا حلولاً منها ما هو آنٍ، ومنها ما هو دائم لمواصلة الحياة بكرامةٍ حاملين كسرة خبزٍ، وشلالات من العرق على جباههم.

ولأن للمرأة دائماً طابعها الخاص، ودورها المحوري في أي أسرة ومجتمع، فقد وجدت المرأة السورية نفسها أمام مسؤوليات جمّة، تفوق قدرتها على حمل العناء ومواجهة الظروف، إذ حوّلتها الحرب لضحية الحياة اليومية في سعيها لإنقاذ عائلتها من الجوع بعد فقدان المعيل أو غيابه. غير أنها أمام ما تحتاجه عائلتها لم تأبه سوى بتأمين حياة كريمة لأسرتها فاقتحمت مهناً مختلفة وجديدة وشاقة، كانت حكراً على الرجال غير مكترثة بطبيعة المهنة، أو بنظرة المجتمع، بغية الوصول لهدفها في تأمين حياة كريمة لأسرتها، وبحثاً عن لقمة العيش.

امرأة ورجل في آن معاً

استطاعت المرأة السورية خلال السنوات الفائتة مجاراة الحياة، والقفز على ظروفها من ناحية دخولها ميدان العمل الشاق والذي يحتاج إلى جهد بدني وعضليّ كبير، مثل قيادة سيارة الأجرة، والعمل في حمل الأوزان الثقيلة المعروفة شعبيا بـ “العتالة”، ونقل البضائع، وقيادة السيارات الثقيلة والكبيرة، والعمل في مغاسل السيارات، والنجارة، والميكانيك وغيرها من المهن التي أظهرن من خلالها شجاعة كبيرة بتحدي العادات والتقاليد التي تمنعهن من هذه الأعمال.

وإن كانت مهن المطاعم، والأعمال الزراعية لها الحظ الأوفر بالحصول على جهد النساء السوريات اللواتي يتوجهن بداية إلى هذه الأعمال، غير أن من لا تجد لها مكانا، ولا تحب الاستكانة تبحث عن لقمة الحياة في مكان مختلف وغريب عنها وعن المجتمع.

فمن شمال سوريا إلى جنوبها بات المشهد غير مستغربٍ أن تجد سيدة تقود شاحنة، أو تعمل في الأسواق “عتّالة”، أو سائقة توكتوك، أو سيارة أجرة، أو ورشة للنجارة أو الحديد، أو غسيل السيارات ووصلت للعمل حتى في مهنة ميكانيك السيارات.

وخلال السنوات الفائتة تعرّف المواطن السوري على المرأة التي تعمل في إيصال الطلبات للمنازل، أو التي تسابق غيرها للحصول على عمل “العتالة” خاصة في “سوق الهال” بمختلف المحافظات السورية، وقد تدخل فجأة إلى مصنع لنجارة الخشب لتجد سيدة تشرف على كل تفاصيل العمل، أو تذهب إلى شركة بناء وإعمار لتقابلك سيدة حجزت لنفسها مكانا يسد رمق عائلتها في تعبئة أكياس الرمل والاسمنت.

بعض أولائي السيدات اضطررن لترك أسرهن ومكان سكن عائلاتهن والبحث عن مهنة صباحية، وأخرى مسائية لدفع بدل الإيجار، والمساهمة أيضا في إيصال بعض المال للعائلة، وتأخذن إجازة يومين في الشهر لزيارة الأسرة وقضاء بعض الوقت مع أفرادها، ولتخفيف المصاريف فإنهن يلجأن إلى البحث عن إيجارات مشتركة حيث تسكن كل 5 سيدات في غرفة يتشاركن خلالها مبلغ الإيجار ساعياتٍ إلى توفير المال.

تخبرنا “رشا” أنها تعمل صباحا في التنقل مع والدها على عربة خضار حتى المساء بين الأحياء في دمشق، وتتجه مساء للعمل في مقهى حتى الثانية عشر ليلا. مضيفة أنها تشعر بالإنهاك في أحايين كثيرة، وتتمنى لو تجد عملا بدوام واحد يسدّ الحاجة المالية للأسرة، ويمنحها بعض الوقت للراحة الجسدية لكن أمام مرض والدها وغياب شقيقها تفضل الصمت والعمل وانتظار كل يوم خميس للحصول على أجرها الأسبوعي.

عبير “ميكانيكية” سيارات

عبير المحمد “1989” سيدة سورية أبت الاستسلام للظروف، ورفضت أن تجلس بانتظار أي مساعدات فسعت نحو العمل لتجد نفسها ميكانيكية سيارات، تعمل في “كراج الأصدقاء” بريف دمشق، باتت معروفة في منطقتها ومصدر ثقة لمن يعاني من أعطال في سيارته ليتم التعامل معها تبعا لخبرتها التي شارفت على الثلاثة عشر عاما.

اليوم يمكنني القول إنني أحبّ هذه المهنة على الرغم من الصعوبات التي عانيت منها في البداية، وخاصة دهشة البعض، ومخاوفهم من أن يسلّموا سيارتهم لامرأة، حيث كان البعض سابقاً يهرب عندما يجدني، ولكن مع مرور الوقت والتجربة بات كثيرون يلجؤون إليّ لإصلاح سياراتهم

عبير المحمد لـ”الحل نت”

تتابع عبير لـ “الحل نت” التي وجدت نفسها فجأة في مقتبل العمر بحاجة لمن يسند عائلتها، ويؤمن لها قوت يومها على حساب حياتها، فكانت التضحية قرارا وخيارا بالنسبة لها بعيداً عن العوز والحاجة ومد اليد للآخرين: “في البداية كان هدفي هو إعالة أسرتي بأي شكل من خلال العمل الحرّ الكريم، والمساعدة في تحمل مصاعب الحياة”.

لم تفكر عبير كثيراً بنفسها أو مستقبلها الذي تطمح إليه كل أنثى بتكوين أسرة أو عائلة، كانت عيونها تشخص نحو العمل، وترنو إلى ما يمكن أن تحصل عليه من أجر مادي يساعدها. وتضيف: “استطعت أن أتجاوز بعض نظرات الاستهجان والاستغراب ممن كان يجدني أعمل في كراج السيارات، كذلك تجاهلتُ كثيرا من همسوا في أذني أن هذه المهنة ليست للنساء وعليّ أن أبحث عن بديل آخر – طبعا لم يكن متوفرا، ولم أكن وقتها أملك رفاهية اختيار مهنتي”.

منذ أيامها الأولى في هذه المهنة بدأت تتعلم أصول وأسس ميكانيك السيارات حتى أتقنتها، كانت تعاني من صعوبات في بعض الأمور والتقنيات بالبداية، لكن وأمام إصرارها، ومساعدة “باسل- شاب تعمل معه” أصبحت تمتلك خبرة كبيرة، وعلاقات جيدة ومتميزة مع الزبائن الذين تصلح لهم أعطال سياراتهم.

وبينت أنها تعمل يوميا بين العاشرة صباحا والسادسة مساء، ولم يعد يصعب عليها شيء في هذا المجال. مؤكدة أنها الآن سعيدة بنفسها وبما أنجزته خلال رحلتها التي قدمت لها عملا حراً، وساعدتها لتقدم شيئا لعائلتها بظل الظروف المعيشية القاسية.

التقاليد أصبحت من الماضي

على الرغم من كل ما ذكرناه آنفاً، وما لم نذكره لكننا نعرفه عن المصاعب والمتاعب التي تعرضت لها المرأة السورية خلال السنوات الفائتة، لكن على أرض الواقع تعيش قصصا كثيرة، ومدهشة عن قوة تحمل المرأة السورية للظروف، وإصرارها على الحياة، وتحمّلها لمسؤولياتها ومسؤوليات ذكور العائلة الذين غيّبتهم الحرب أو أقعدتهم بين العاطلين عن العمل.

فأصبحن يوماً تلو الآخر أكثر جرأة على اقتحام سوق العمل بكافة اختصاصاته، وأظهرن محنةً تلو الأخرى قدرة على التكيّف، بعيدا عن شغفهن في الخروج من عباءة التقاليد التي اعتبرنها باليةً وغير ذات قيمة أمام مصلحة الأسرة والعائلة، وكرامة الإنسان. فأثبتن نجاحهن واستحقين الاحترام والتقدير على أفعالهن وأفكارهنّ إصرارهن على الحياة الكريمة.

ربى الحايك

ربى الحايك

صحفية سورية مهتمة في مجالات الثقافة والفن والمجتمع

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم