تعيش المناطق الجبلية في الساحل السوري منذ عشرة أيام، واحدة من أسوأ كوارثها البيئية في السنوات الأخيرة، حيث اندلعت سلسلة من الحرائق الهائلة في غابات اللاذقية، ما أدى إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والحرجية، ونزوح مئات العائلات، وسط ظروف مناخية قاسية، ومحددات ميدانية وأمنية شديدة التعقيد.
هذه الحرائق التي التهمت الأخضر واليابس، اندلعت مع بداية موجة حر غير مسبوقة ضربت شرق المتوسط مطلع تموز/يوليو الجاري، لتكشف مجددًا عن هشاشة أنظمة الإطفاء المحلية، وضعف البنية التحتية لمواجهة الكوارث الطبيعية في بلد أنهكته الحرب.
السيطرة على بؤر النيران
صباح الأحد، أعلن الدفاع المدني السوري تمكنه من السيطرة على معظم بؤر النيران التي اجتاحت غابات غرب البلاد، بينما لا تزال الفرق تعمل على تبريد بعض النقاط الساخنة، تحسبًا من أي تمدد جديد للحرائق تحت تأثير الرياح الحارة.
وأشار الدفاع المدني في بيان نشره على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك” إلى أن العمل لا يزال مستمرًا في عمليات التبريد والرصد، حيث تم تقسيم المناطق المتضررة إلى قطاعات محمية بخطوط نار اصطناعية، شُقت بصعوبة وسط الغابات، لتسهيل حركة فرق الإطفاء، ومنع انتقال النيران من محور إلى آخر في حال تجدد الحريق.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في دمشق، فقد التهمت الحرائق ما لا يقل عن 100 كيلومتر مربع من الغابات والأراضي الزراعية، وهو ما يعادل تقريبًا عشرة آلاف هكتار، وهو رقم صادم بالنظر إلى أهمية هذه المنطقة بيئيًا وزراعيًا وسياحيًا.
كما أكد المكتب أن التقييمات الميدانية الأولية شملت حتى الآن 60 تجمعًا سكنيًا، وتشير البيانات الأولية إلى نزوح مئات الأشخاص، وفقدان العشرات لمنازلهم، فضلًا عن دمار واسع في البنى التحتية الحيوية، بما فيها شبكات الكهرباء والطرق وخزانات المياه، مما أدى إلى تعطل مصادر الرزق الأساسية للسكان المحليين، وخاصة العاملين في الزراعة وتربية النحل.
تعبئة غير مسبوقة ودعم إقليمي
رغم صعوبة الظروف، نجحت فرق الإطفاء في احتواء معظم الحرائق بعد تعبئة غير مسبوقة للموارد، حيث شارك في عمليات الإخماد أكثر من 150 فريقًا من الدفاع المدني وأفواج الإطفاء، تدعمهم 300 آلية إطفاء متوسطة وثقيلة، وعشرات المعدات اللوجستية من مؤسسات حكومية ومتطوعين مدنيين.
كما لقيت هذه الجهود دعمًا إقليميًا واسعًا، إذ انضمت فرق من تركيا والأردن ولبنان والعراق وقطر إلى العمليات، خاصة في الجوانب الجوية، حيث تم تشغيل 16 طائرة إطفاء للمرة الأولى في تنسيق إقليمي استثنائي لمواجهة الكارثة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية “سانا” بأن المحاور الثلاثة الأصعب التي تركزت فيها جهود الإطفاء كانت غابات برج زاهية، والفرنلق، ومنطقة نبع المر قرب كسب، وهي مناطق شديدة الوعورة، تنتشر فيها مخلفات الحرب والألغام، مما جعل العمل فيها بالغ الخطورة.
المخاطر الميدانية لم تتوقف عند التضاريس الصعبة وكثافة الغطاء النباتي، بل تضاعفت بفعل العوامل الجوية، حيث تراوحت درجات الحرارة بين 40 و44 درجة مئوية خلال الأسبوع الماضي، ترافقت برياح غربية نشطة، وهي ظروف مثالية لتفاقم الحرائق وانتقالها بسرعة عبر مساحات شاسعة.
استجابة أممية عاجلة
أكد وزير الطوارئ رائد الصالح، في منشور على منصة “إكس”، أن الجهود الجبارة التي بُذلت أسهمت في وقف تمدد النيران، واعتبر أن الوضع بات تحت السيطرة النسبية، لكنه حذّر من أن أي تغير في اتجاه الرياح قد يعيد إشعال بؤر كانت قد خمدت ظاهريًا، وهو ما يجعل استمرار أعمال التبريد والرصد ضرورة ملحة.

وفي استجابة عاجلة للأزمة، أعلن المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا، آدم عبد المولى، تخصيص مبلغ 625 ألف دولار من صندوق سوريا الإنساني لدعم الجهود الطارئة في محافظة اللاذقية، مشيراً إلى أن هذا التمويل سيسهم في توفير احتياجات الإغاثة العاجلة للمتضررين، وتمكين الهلال الأحمر العربي السوري من قيادة استجابة أولية فعالة بالتعاون مع شركاء الأمم المتحدة في الميدان.
وأكد مكتب “أوتشا” أن المساعدات ستركز في المرحلة الأولى على تأمين الإيواء المؤقت، وتوزيع المواد الغذائية والمياه، ودعم خدمات الصحة الأولية في المناطق المتضررة.
وحدة لإدارة حرائق الغابات
في إطار تعزيز الاستجابة التقنية، أعلن الاتحاد الأوروبي تفعيل خدمة “كوبرنيكوس” لرصد الكوارث، والتي توفر خرائط أقمار صناعية محدثة لحظياً، تُستخدم لتقييم حجم الأضرار، وتوجيه عمليات الإنقاذ والإطفاء بدقة، خاصة في المناطق الوعرة وغير المخدّمة.
وتم بالفعل تزويد فرق الإطفاء بخريطة مفصلة للمناطق الأكثر تضررًا، تصل دقتها إلى مستوى القرى والتجمعات الصغيرة، مما ساعد في تحسين عمليات التخطيط الميداني وتوزيع الموارد على نحو أكثر كفاءة.
رغم الجهود المشهودة التي بُذلت على الأرض، إلا أن غياب طائرات إطفاء متخصصة لدى الحكومة، والنقص الحاد في المعدات الحديثة، فضلًا عن قلة الخبرة في التعامل مع الحرائق الكبرى، كل ذلك ساهم في تفاقم الأزمة التي كان يمكن احتوائها خلال أيام لو كانت هناك بنية تحتية متخصصة جاهزة، تشمل طائرات مروحية مزودة بخزانات ماء، وطرق وصول مفتوحة في أعماق الغابات، ونظام إنذار مبكر يعتمد على صور الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد.
وفي هذا السياق، دعا عدد من الناشطين البيئيين والمنظمات المحلية إلى ضرورة إنشاء وحدة وطنية مستقلة لإدارة حرائق الغابات، مزودة بتمويل كافٍ وتكنولوجيا حديثة، وتخضع لتدريب دولي مستمر، خاصة أن الأشجار التي تضررت في اللاذقية، مثل السنديان والصنوبر والبطم، تحتاج لعقود حتى تستعيد كثافتها، ما يجعل التدخل الوقائي أكثر كفاءة من الانتظار حتى وقوع الكارثة.
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء

