ما يزال مصير آلاف المعتقلين السوريين إبان حكم النظام المخلوع في عداد المختفين قسريا، في وقت يستمر فيه العثور على مقابر فردية وجماعية قرب حواجز عسكرية لجيش النظام المخلوع ونقاطه العسكرية، التي كانت تنتشر في كافة مناطق سيطرته.
إذ تعد هذه المقابر غير المعروفة واحدة من أبرز انتهاكات النظام المخلوع وأجهزته الأمنية، حيث كانت تُنفذ إعدامات ميدانية ودفن الضحايا من دون محاكمات وتسليمهم لذويهم، وتسجيلهم في عداد المفقودين والمختفين قسريا.
100 قبر فردي و6 جماعي في المسمية
أمس السبت، عُثر على مقابر فردية وجماعية في المسمية بريف درعا الشمالي، جنوبي سوريا، حيث قُدر عدد رفات الضحايا مجهولي الهوية، التي عُثر عليها بنحو 300 شخص، يُعتقد أنهم قضَوا تحت التعذيب من قبل عناصر الحواجز العسكرية المنتشرة في المنطقة.

رجح المحامي والناشط الحقوقي عاصم الزعبي، ارتفاع العدد، نظر لوجود مغارات في المنطقة لم يتم فتحها بعد، حيث يُعتقد وجود جثث فيها، مشيرا إلى أن المنطقة كانت تخضع لحاجز “منكت الحطب” على الطريق الدولي دمشق – درعا و”اللواء 34″.
“الحاجز كان يتواجد فيه عناصر من بينهم عناصر يتبعون للحرس الثوري الإيراني من قوة كانت تُعرف بـ المغاوير، إضافة للأجهزة الأمنية التابعة للنظام المخلوع”
المحامي والناشط الحقوقي عاصم الزعبي
وأوضح أن “اللواء 34” كان يضم قوات من “الفرقة الرابعة”، وقوات “نسور الزوبعة” التابعة لـ “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، إضافة إلى قوات مرتبطة بـ “حزب الله” اللبناني.
وقال المسؤول الإعلامي في الأمن الداخلي، علي اللباد، إن الموقع يحتاج إلى تدخل فرق متخصصة في عمليات التنقيب والتحليل الجنائي، في حين قامت القوى الأمنية بتطويق المنطقة ومنع اقتراب المدنيين حفاظًا على سلامة الموقع وحفظًا للأدلة.
ورجح اللباد، استنادًا إلى مصادر أهلية، أن الموقع يضم ما لا يقل عن 30 جثة تعود لمقاتلين من فصائل الجيش الحر، ينحدرون من بلدة ناحتة شرقي درعا، وقد قُتلوا بعد تعرضهم لكمين نصبه جيش النظام المخلوع عقب مشاركتهم في معركة تحرير “اللواء 34” وانسحابهم منه في كانون أول/ديسمبر 2012.
كما يُرجّح وجود تسع جثث أخرى تعود لأشخاص من مدينة الصنمين، مدفونة جميعها في قبر جماعي واحد داخل الموقع ذاته، وفق ما نقل “تجمع أحرار حوران” المحلي.
181 ألفا مختفون قسرياً
بحسب بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فإن ما لا يقل عن 181,244 شخصاً، من بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة، ما يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري في مراكز احتجاز تتبع لجهات مختلفة داخل سوريا منذ آذار/مارس 2011 وحتى حزيران/يونيو 2025.
من بين هؤلاء، يُصنّف ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، منهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، كمختفين قسراً. وتؤكد الإحصاءات أنَّ الغالبية العظمى من المعتقلين كانوا على خلفية مشاركتهم في الحراك الشعبي، وقد احتُجزوا تعسفياً دون أي إجراءات قانونية أو قضائية نزيهة، وفق “الشبكة السورية”.
حسب المحافظات، تظهر الخريطة توزع حصيلة الضحايا تحت التعذيب في سجون النظام السابق، أن 7587 شخصاً من درعا و7172 من ريف دمشق و6879 من حماة و5963 من دمشق و5548 من حمص و3847 من حلب.
وأظهرت بيانات “الشبكة السورية” أن 2989 من إدلب قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام السابق و2936 من دير الزور و798 من الحسكة و698 من الرقة و269 من اللاذقية و201 من القنيطرة، إضافة لتوثيق مسقط رأس نحو 300 ضحايا التعذيب أطراف النزاع الأخرى، بزيادة على كل محافظة.
أكّد التقرير أنَّ سقوط نظام بشار الأسد وبداية المرحلة الانتقالية يُحمّلان السلطات الجديدة، إلى جانب المجتمع السوري بأكمله، مسؤولية تاريخية لتفكيك هذا الإرث الثقيل والتعامل معه بجدية ومؤسسية. ويتطلب ذلك اعتماد خطة شاملة لمعالجة ملف التعذيب.
وفي 17 أيار/مايو الماضي، أصدر الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، مرسومَيْن رئاسيَيْن يُنشئان هيئتين حكوميتين جديدتين: “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”الهيئة الوطنية للمفقودين”، في حين اعتبر حقوقيون أن هذه الخطوة جاءت منقوصة، إذ حصر المرسومان المحاسبة بـ الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد فقط، من دون التحقيق في انتهاكات الأطراف الأخرى.

