تحولًا لافتًا شهدته العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، في ظل مؤشرات اقتصادية تعكس العودة التدريجية للحركة التجارية العابرة للحدود، وتوسع لافت في صادرات المجوهرات، التي ارتفعت قيمتها إلى أرقام غير مسبوقة منذ أكثر من عقد من الزمن.
ويأتي هذا التحسن النسبي في حركة التجارة رغم تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والأمني، ما يعكس توجهًا لدى الطرفين لاستثمار الاستقرار النسبي في البلاد، والانفتاح الحذر في السياسة الاقتصادية الإقليمية.
نمو تجارة المجوهرات
في هذا السياق، أفادت بيانات رسمية جمعتها وكالة “الأناضول” التركية من وزارة التجارة التركية ومجلس المصدرين الأتراك، بأن صادرات المجوهرات من تركيا إلى سوريا بلغت خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 3 ملايين و861 ألف دولار.
ورغم تواضع الرقم مقارنة بإجمالي صادرات تركيا في هذا القطاع، فإن دلالاته تتجاوز القيم الرقمية، ليعكس مسارًا اقتصاديًا آخذ في التشكل على مستوى التبادل الثنائي بين البلدين.

وتُدرج سوريا حاليًا ضمن قائمة الدول السبع المتاخمة لتركيا والتي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في قيمة الصادرات التركية إليها، حيث سجلت نمواً نسبته 45 بالمئة في الأشهر الستة الأولى من العام 2025، وهي النسبة الأعلى ضمن دول الجوار.
وقد ارتفع إجمالي صادرات تركيا إلى الدول المجاورة بنسبة 4.8 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، ما يشير إلى تنامي النشاط التجاري الإقليمي، رغم استمرار بعض العوائق السياسية والأمنية.
دلالات ارتفاع صادرات الذهب إلى سوريا
الدول المشمولة في هذه الإحصاءات هي: سوريا، العراق، إيران، جورجيا، أذربيجان، بلغاريا، واليونان، مع استثناء أرمينيا بسبب غياب العلاقات التجارية الرسمية معها.
ووفق ترتيب الدول من حيث قيمة الصادرات التركية، جاءت العراق في الصدارة بنحو 5 مليارات دولار، تلتها بلغاريا بـ2.2 مليار دولار، ثم اليونان بـ1.8 مليار دولار، فـجورجيا بـ1.7 مليار دولار، بينما تبقى حصة سوريا متواضعة نسبياً، لكنها تسجل أعلى معدل نمو نسبي.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى قطاع المجوهرات كحالة رمزية تعكس طابع التحول، فالمجوهرات لم تكن تقليديًا من السلع الرئيسة في التجارة بين البلدين، إلا أن ارتفاع صادراتها يعكس ربما تنامي الطلب داخل السوق السورية، سواء من قبل التجار أو من قبل شرائح معينة من المستهلكين، أو إعادة تصديرها من خلال شبكات غير رسمية، كما أن المجوهرات ترتبط غالبًا بعمليات ادخار صغيرة أو استثمار فردي في ظل غياب الثقة بالعملة المحلية.
قفزة نوعية بحركة النقل البري
في سياق موازٍ، شهدت حركة الشحن البري بين سوريا وتركيا قفزة نوعية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، حيث ارتفعت بنسبة 60 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتصل إلى 113 ألف شحنة، بحسب ما أعلنه شرف الدين أراس، رئيس مجلس إدارة اتحاد وكلاء الشحن الدولي التركي.
ويُعزى هذا النمو، وفق أراس، إلى تحسن ما وصفه بـ”الديناميكيات” داخل سوريا، في إشارة إلى الاستقرار النسبي الذي سمح بإعادة تفعيل بعض خطوط النقل والعبور البري.

أراس لفت إلى أن عدد شحنات الترانزيت التي كانت تمر عبر سوريا قبل عام 2011 كانت تقترب من 50 ألف شحنة، قبل أن يتراجع هذا الرقم بشكل حاد بسبب ظروف الحرب، لكنه أوضح أن تركيا واصلت خلال السنوات الماضية تصدير السلع إلى سوريا، إنما عبر معابر حدودية، حيث كانت الشاحنات تفرغ حمولتها عند بوابة “جيلوه غوزو” المقابلة لمعبر باب الهوى، وتعود دون دخول الأراضي السورية، التزامًا بمخاوف أمنية ولوجستية.
انفتاح متزايد بالتجارة
لكن العام الجاري شهد تحوّلاً ملموساً في هذا النمط، مع دخول فعلي للشاحنات التركية إلى الأراضي السورية، في دلالة على أن ثمّة انفتاحًا متزايدًا في طرق التجارة.
توقع أراس أن يستمر عدد الرحلات التجارية بالتصاعد خلال المرحلة المقبلة، مدفوعًا بحاجة السوق السورية إلى السلع الاستهلاكية والمواد الأولية، فضلًا عن أن سوريا باتت تشكّل معبرًا أساسيًا للبضائع الأوروبية المتجهة نحو دول الخليج، مثل الإمارات والسعودية، عبر الأراضي العراقية.
وتشير المؤشرات المتوفرة إلى أن العلاقات التجارية السورية – التركية مرشحة لمزيد من التطور خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا استمر التحسن النسبي في البيئة الأمنية في بعض المعابر والمناطق الحدودية.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

