تعيش محافظة السويداء الجنوبية في سوريا حالة من الترقب الحذر بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أكد مصدر أمني سوري، يوم الثلاثاء، أنه يُطبق في معظم مناطق المحافظة دون تسجيل خروقات تُذكر حتى الآن، الأمر الذي يبعث بآمال مشوبة بالحذر في إمكانية عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها بعد أسبوع من العنف الدامي.
وأوضح المصدر أن التهدئة الجارية ستتيح للحكومة البدء بعملية إعادة العائلات المهجرة إلى منازلها في أسرع وقت ممكن، مشيراً إلى أن الخطوة التالية ضمن خطة استعادة الاستقرار تتمثل في تنفيذ تهدئة شاملة تترافق مع عمليات تبادل للمعتقلين بين الأطراف المتنازعة، بما يعزز فرص المصالحة المحلية ويعيد ترميم ما تهدّم اجتماعيً، وفقًا لما نقله عنه موقع “العربية”.
نزوح الآلاف
في هذا السياق، قام محافظ السويداء مصطفى البكور بجولة تفقدية في محافظة درعا المجاورة، حيث لجأ الآلاف من أهالي السويداء الذين نزحوا بسبب الاشتباكات الأخيرة.
وهدفت الجولة إلى الاطلاع على أوضاع المهجّرين وتقييم احتياجاتهم من خدمات وإغاثة، في إطار الاستجابة الحكومية للأزمة الإنسانية التي خلفتها الأحداث الدامية.

وخلال لقائه مع بعض العائلات النازحة، شدد المحافظ على ضرورة ضبط النفس والعمل على تهدئة النفوس، مؤكداً أن أولوية المرحلة الراهنة هي إعادة السلم الأهلي وفتح صفحة جديدة من المصالحة بين جميع الأطراف، بما يضمن عودة الأهالي إلى بيوتهم في أقرب وقت.
ونقل البكور عن المهجّرين رغبتهم الشديدة في العودة، قائلاً: “التقينا أناسا يقولون إنهم لا يريدون البقاء نازحين أو مهجّرين، بل يريدون العودة إلى بيوتهم. قلنا لهم إنهم الآن ضيوف إلى أن يعودوا إلى الأرض التي وُلدوا وعاشوا عليها، فهم أبناء هذه المحافظة وهذه الأرض.”
تدهور أمني
تشير التقديرات الرسمية في محافظة درعا إلى أن أكثر من 3500 أسرة نزحت من منازلها في محافظة السويداء نتيجة الاشتباكات العنيفة التي اندلعت منتصف تموز/يوليو.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فإن أكثر من 93,000 شخص أقدموا على النزوح بسبب تصاعد الأعمال العدائية في محافظة السويداء السورية، سواء داخلها أو باتجاه محافظتي درعا وريف دمشق المجاورتين.
هذه الموجة الجديدة من النزوح تعكس حجم التدهور الأمني الذي عاشته المنطقة خلال الأيام الماضية، ما وضع سكانها أمام تحديات إنسانية غير مسبوقة، بدءًا من انقطاع الخدمات الأساسية ووصولًا إلى فقدان الأمن الشخصي والخوف من أعمال الانتقام.
تعود جذور التوتر الأخير إلى الثالث عشر من تموز/يوليو، حين اندلعت اشتباكات مسلحة بين مجموعات بدوية مسلحة وفصائل محلية من أبناء الطائفة الدرزية.
تدخل أمني يعقد المشهد
اتسع نطاق العنف خلال يومين فقط ليشمل أحياء عدة في المدينة وريفها، ما دفع القوات الأمنية السورية إلى التدخل في الخامس عشر من الشهر ذاته في محاولة للسيطرة على الوضع ومنع انهيار الأمن بشكل كامل، غير أن التدخل الأمني لم يكن العامل الوحيد الذي عقد المشهد، إذ قامت إسرائيل، بعد وقت قصير من دخول القوات الأمنية، بشن ضربات جوية استهدفت آليات عسكرية سورية كانت في طريقها إلى السويداء، كما قصفت مواقع استراتيجية في العاصمة دمشق في السادس عشر من يوليو، ما أضاف بُعداً إقليمياً إلى الأزمة وزاد من تعقيد مسار التهدئة.

أمام هذا التصعيد، أعلنت وزارة الدفاع السورية مساء السادس عشر من تموز/يوليو عن سحب القوات العسكرية من مدينة السويداء تنفيذًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه، رغم استمرار بعض الاشتباكات المتفرقة بين مقاتلين بدو وفصائل درزية مسلحة.
وفي فجر الجمعة التالية، أُعلن عن اتفاق جديد دخلت بموجبه قوات الأمن إلى بعض النقاط الحساسة بهدف فك الاشتباك، فيما انسحبت مجموعات العشائر من خطوط التماس، هذا الترتيب أعطى إشارات أولية على إمكانية عودة الهدوء، لكنه بقي هشًا في ظل انعدام الثقة بين الأطراف وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن اندلاع العنف.
هل ينجح الاتفاق؟
يرتبط نجاح اتفاق وقف إطلاق النار بشكل رئيسي بالتزام جميع الأطراف ببنوده، وتوفير ضمانات حقيقية تمنع عودة المواجهات، خصوصًا أن السويداء شهدت في السنوات الماضية احتكاكات متكررة بين العشائر والميليشيات المحلية بسبب خلافات على النفوذ والموارد، إلى جانب تنامي الشعور بالتهميش لدى بعض المكونات الاجتماعية.
وتبرز الحاجة هنا إلى جهود مصالحة حقيقية تعالج جذور الصراع، وليس الاكتفاء بتهدئة مؤقتة تعيد الوضع إلى ما كان عليه دون معالجة الأسباب العميقة.
يأتي ذلك تزامنًا مع الحديث عن ضرورة إطلاق حوار بين وجهاء العشائر وقيادات الطائفة الدرزية لتثبيت التهدئة بشكل دائم، إلى جانب الإفراج المتبادل عن المعتقلين والمخطوفين كخطوة لبناء الثقة.
ورغم أن وقف النار الحالي يبدو مستقراً حتى الآن، فإن المخاوف قائمة من تجدد العنف في حال تعثرت جهود المصالحة أو لم تُنفذ وعود الحكومة بإعادة النازحين وضمان سلامتهم، لذلك تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وهل ستنجح دمشق في استعادة السلم الأهلي وبسط الأمن، أم أن التهدئة الحالية لن تكون سوى استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من المواجهات.
وتحاول الإدارة السورية بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، تسويق اتفاق التهدئة الأخير باعتباره بداية لمرحلة استقرار جديدة في الجنوب السوري، إلا أن هناك تحديات كبيرة أمام ذلك، أبرزها استمرار حالة التوتر الطائفي بين الدروز والبدو.
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام

