دعت منظمة العفو الدولية (أمنستي)، الحكومة السورية الانتقالية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفتح تحقيقات فورية وشاملة ونزيهة في حوادث اختطاف النساء والفتيات من الطائفة العلوية، ومحاسبة المسؤولين عنها.
وقالت المنظمة الدولية، اليوم الاثنين، إنها تلقت منذ شباط/فبراير الماضي تقارير موثوقة عن اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علوية، تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات و43 عاما، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، على يد جهات مجهولة.
وقد وثّقت المنظمة الحقوقية، من بين هذه الحالات، ثماني عمليات اختطاف نفذت في وضح النهار، طالت خمس نساء وثلاث فتيات دون سن الثامنة عشرة.
هذا وفي 22 تموز/يوليو الجاري، أعلنت “اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق” في مجازر الساحل السوري نتائج تحقيقاتها التي أجريت خلال الأشهر الأربعة الماضية، في تقرير وصف بأنه “مخيّب للآمال”، لا سيما فيما يخص حوادث اختطاف النساء والفتيات العلويات. فقد تجاهلت اللجنة، بشكل لافت، ما ورد في تقارير حقوقية وأممية موثوقة، ما أثار انتقادات واسعة بشأن مصداقية التحقيق واستقلاليته.
“العفو الدولية”: دمشق متقاعسة بملف المختطفات
ولفتت “العفو الدولية” إلى تقاعس السلطات الأمنية عن إجراء تحقيقات فعّالة في جميع الحالات الموثقة تقريبا، باستثناء واحدة.
كما أفادت “لجنة التحقيق وتقصي الحقائق“، التي أنشأها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع للتحقيق في أعمال العنف في الساحل السوري، يوم 22 يوليو/تموز الجاري، بأنها لم تتلقَ أي بلاغات بشأن حالات اختطاف لنساء أو فتيات، في تناقض واضح مع الشهادات الموثقة.

وقالت أغنيس كالامارد، الأمينة العامة للمنظمة الحقوقية: “رغم الوعود الرسمية ببناء سوريا لجميع السوريين، تفشل الحكومة في وقف عمليات الاختطاف والانتهاكات الجسدية والزواج القسري والاتجار المحتمل بالبشر، أو حتى التحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها”.
وأكدت أن موجة الاختطاف الأخيرة تركت أثرا بالغا في أوساط الطائفة العلوية، التي سبق أن عانت من مجازر دامية، مشيرة إلى أن الخوف بات يحكم حياة النساء والفتيات اللواتي يتجنبن الخروج من منازلهن أو التنقل بمفردهن.
وفي الحالات الثماني التي وثّقتها “العفو الدولية”، أكدت العائلات أنها أبلغت الشرطة والأجهزة الأمنية عن اختطاف قريباتهن. غير أن أربعا من هذه العائلات قوبلت بالرفض أو تجاهل الأدلة الجديدة التي قدمتها، ولم تتلقَ أي تحديثات بشأن التحقيقات. وفي حالتين، حمّل ضباط الشرطة والأمن العائلة نفسها مسؤولية الاختطاف.
وتقول المنظمة الحقوقية إنه في إحدى الحالات، أرسل الخاطف صورةً لأحد أقاربهم، وقد بدا عليه آثار الضرب. وفي حالتين، طلب الخاطف أو وسيط فدية من العائلتين تتراوح بين 10,000 و14,000 دولار أميركي. لم تتمكن سوى عائلة واحدة من هذه العائلات من الدفع، لكن الخاطف لم يُطلق سراح المرأة. وفي ثلاث حالات على الأقل، يرجح أن الفتاة المختطفة، ومن بينهن قاصرة في إحدى الحالات، قد أجبرت (بشكل قسري) على الزواج من قِبل الخاطف.
خوف عام بالساحل
وقال العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم إن النساء والفتيات، وخاصة من المجتمع العلوي، ولكن أيضا غيرهن ممن يعشن في المحافظات المتضررة، أصبحن الآن خائفات أو حذرات للغاية عند مغادرة منازلهن لحضور المدرسة أو الجامعة أو العمل.
وقالت ناشطة زارت مؤخرا منطقة الساحل السوري: “جميع النساء في حالة تأهب قصوى. لا نستطيع ركوب سيارة أجرة بمفردنا، أو المشي بمفردنا، أو القيام بأي شيء دون الشعور بالخوف. مع أنني لست علوية، ورغم تشكك عائلتي في البداية بشأن عمليات الاختطاف، إلا أنهم طلبوا مني ألا أذهب إلى أي مكان بمفردي، وأن أكون أكثر حذرا”.
من جهتها، قالت أغنيس كالامار: “ندعو السلطات السورية إلى التحرك بسرعة وشفافية لتحديد أماكن النساء والفتيات المفقودات، وتقديم الجناة إلى العدالة، وتزويد الأسر المتضررة بالمعلومات والدعم في الوقت المناسب، مع مراعاة الفوارق بين الجنسين والمصداقية”.
وقد أجرت “العفو الدولية” مقابلات مع أقارب ثماني نساء وفتيات اختطفن بين شباط/فبراير 2025 وحزيران/يونيو 2025. وفي أربع حالات، اتصل الخاطفون بالعائلات من أرقام هواتف سورية أو أجنبية، بما في ذلك من العراق والإمارات العربية المتحدة وتركيا، إما للمطالبة بفدية أو لتهديد العائلات إذا بحثوا عن أحبائهم.

ولم يتمكن سوى اثنين من الضحايا الثمانية من العودة إلى أسرهم. ولم يتسنَّ لمنظمة “العفو الدولية” معرفة أي اعتقالات أو توجيه اتهامات أو بدء إجراءات قضائية ضد المسؤولين عن أي من عمليات الاختطاف الثمانية.
توثيق 28 حالة اختطاف ودمشق صامتة
كما تلقت المنظمة تقارير عن 28 حالة اختطاف إضافية لناشطتين وصحفيتين، و”اللوبي النسوي السوري”، وهي منظمة حقوقية مستقلة. من بين هؤلاء، أطلق سراح 14 امرأة وفتاة. ولا يزال مصير ومكان وجود البقية مجهولين.
وتحققت المنظمة من هذه الحالات من خلال مصادر أخرى، بما في ذلك المحادثات الهاتفية والرسائل الصوتية ولقطات الشاشة للمحادثات النصية بين الخاطفين أو النساء والفتيات والأسر؛ وشهادات الفيديو التي نشرها أفراد الأسر على الإنترنت، والتي تضمنت مناشدات مباشرة من الأسر إلى السوريين للمساعدة أو للسلطات للتحرك، والمطالب أو التهديدات التي أرسلها الخاطفون إلى الأسر.
في 27 حزيران/يونيو، أفادت “لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في سوريا” بأنها وثقت اختطاف ست نساء علويات على الأقل على يد “مجهولين”، و”وردت تقارير موثوقة عن عمليات اختطاف أخرى”. وأضافت اللجنة أن السلطات فتحت تحقيقات “في بعض هذه الحالات”.
في أيار/مايو، أثارت منظمة “العفو الدولية” قضية اختطاف النساء والفتيات العلويات خلال اجتماع مع وزير الداخلية في دمشق. وقال الوزير إنه أمر السلطات المعنية بالتحقيق. وفي 13 تموز/يوليو، راسلت “العفو الدولية” الوزير، مطلعة على نتائجها الأولية، ومطالبة بمعلومات حول التدابير التي اتخذتها السلطات لضمان حماية النساء والفتيات، وحالة التحقيقات، والخطوات المتخذة حتى الآن لمحاسبة الجناة. ولم تتلقَّ المنظمة أي رد حتى وقت نشر هذا التقرير.
تحميل السلطات السورية المسؤولية الكاملة
تقول “العفو الدولية”، إن بعض العائلات لا تزال لا تعرف ماذا حدث لأحبائها المفقودين، اتصلت امرأتان مختطفتان، كانتا متزوجتين عند اختطافهما، بعائلتهما لطلب الطلاق من زوجيهما، وأبلغتاهم بأنهما ستتزوجان أو كانتا متزوجتين بالفعل من خاطفهما، مما يشير إلى أنهما تعرضتا للزواج القسري أو أجبرتا على طلب الطلاق.
وقال أحد أقاربها: “بعد ثلاثة أيام من اختفائها، تلقت العائلة رسالة صوتية من رقم أجنبي. كانت هي. قالت: “أنا بخير… لا تقلقوا عليّ… لم يؤذني، لكنه تزوجني. قال لي إنه لا يمكنني العودة..”.
في حالة منفصلة، اختُطفت قاصرة طلبا للفدية. وأبلغ “الأمن العام”، التابع للسلطات السورية، عائلتها لاحقا بأن الفتاة قد زُوِّجت. وقد تحققت “العفو الدولية” بشكل مستقل من تفاصيل القضية، مؤكدة أن الزواج تم دون موافقة والدي الفتاة، وربما دون موافقة قضائية، مما يجعله غير قانوني بموجب القانون السوري.
وتلقت “العفو الدولية” صورة تظهر تعرض فتاة دون سن الثامنة عشرة، اختُطفت طلبا للفدية، للضرب على يد خاطفها، حسبما زعم. وفي حالة أخرى، اطلعت المنظمة على فيديو لأحد أفراد أسرتها يشرح فيه أن خاطفها، الذي اختطف قريبته وابنها، حلق شعرها لرفضها الزواج منه.

ويعد الزواج القسري انتهاك لحقوق الإنسان، قد يعرّض المرأة أو الفتاة لخطر المزيد من الانتهاكات، بما في ذلك أشكال إضافية من العنف الجنسي، وأشكال أخرى من الإيذاء الجسدي، وسوء المعاملة. كما أن اختطاف النساء والفتيات، قد يشكّل اتجارا بالبشر، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي، إذا نُقلن أو أُوِينَ لغرض الاستغلال. وتقول “العفو الدولية” إنه يجب على السلطات اتخاذ جميع التدابير لمنع هذه الأشكال من الإيذاء ومعاقبة مرتكبيها، وضمان تقديم مساعدة شاملة للضحايا والناجين.
تقول المنظمة الحقوقية، إن العائلات، في جميع الحالات الثماني الموثقة، أبلغت رسميا السلطات المعنية، بما في ذلك الشرطة المحلية و”الأمن العام”، عن اختفاء قريباتهن، سواء في المنطقة التي وقع فيها الاختطاف أو في مكان إقامتهن. ومع ذلك، لم تقدّم السلطات، باستثناء حالة واحدة فقط، أي معلومات أو تحديثات حول مجريات التحقيق.
وقالت أغنيس كالامارد: “تتحمّل السلطات مسؤولية قانونية وأخلاقية لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي ومعاقبة مرتكبيه. يجب أن تكون التحقيقات سريعة وشاملة، بقيادة محققين مستقلين يتمتعون بإمكانية الوصول الكامل إلى الموارد اللازمة. يجب السعي إلى المساءلة وتقديم التعويضات”.

