رغم استمرار الظلام.. الحكومة تدرس رفع أسعار الكهرباء في سوريا

الكهرباء

رغم أن غالبية المحافظات السورية ما تزال تغرق في الظلام منذ أكثر من عقد، مع ساعات تقنين كهربائي تتجاوز العشرين ساعة يوميًا في كثير من المناطق، فإن الحكومة السورية تبحث حاليًا رفع أسعار الكهرباء، وسط امتعاض شعبي تجاه هذا التوجه.

ومن شأن قرار مثل هذا أن يلقي بعبء جديد يثقل كاهل السوريين الذين يعيشون في ظل عجز اقتصادي مزمن يقابله عجز أيضًا بالطاقة، خاصة مع عدم تقديم الحكومة الانتقالية أي رؤية حقيقية لإعادة تأهيل البنية التحتية أو تحسين الخدمة.

اتجاه لرفع الأسعار رغم تدهور الخدمة

في هذا السياق أكدت وزارة الطاقة قرب إقرار تعرفة جديدة على خلفية استيراد الغاز الأذربيجاني، في خطوة عللتها بأنها تهدف إلى تعزيز استقرار التغذية الكهربائية، ودعم جهود إعادة الإعمار.

وأوضح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سلمان، خلال مقابلة تلفزيونية تابعها “الحل نت”، أن أسعار الكهرباء في سوريا حاليًا شبه مجانية، في وقت تتحمّل فيه الدولة تكاليف الاستيراد والصيانة والتشغيل.

ولم يحدد سلمان كم ستكون التسعيرة الجديدة لكنه قال إنها قيد الدراسة “وستكون متناسبة مع الرواتب”، لتراعي دخل المواطن، ولن تُعتمد قبل التحقق من ملاءمتها للأوضاع المعيشية، بحسب تعبيره.

وبيّن أن التعديل سيبدأ على الأرجح بالقطاع المنزلي، ثم يُطبّق تدريجيًا على قطاعات أخرى، في خطوة تُعدّ جزءًا من سياسة ترشيد الدعم وتحقيق توازن مالي.

تعزيز للتغذية أم مبرر للزيادة؟

من المُرجح أن تتأثر أسعار الكهرباء في سوريا سلبًا بارتفاع تكلفة الغاز المستورد، ما لم تُعزَّز الإيرادات أو تُوفَّر مصادر تمويل بديلة لخفض العبء على الخزينة.

يأتي ذلك في وقت لم يعد المواطن يحصل فعليًا على أي خدمة توازي حتى الحد الأدنى من احتياجاته، إذ إن معدل ساعات التغذية في العاصمة دمشق لا يتجاوز 3 إلى 4 ساعات يوميًا في أفضل الأحوال، بينما تنخفض إلى أقل من ساعتين يوميًا في مناطق الساحل وحمص والسويداء، وتتراجع إلى أقل من ساعة واحدة في بعض القرى النائية شرق البلاد، وفق تقديرات مجتمعية.

ويشهد قطاع الكهرباء في سوريا فجوة كبيرة، تبلغ نحو 5.2 غيغاواط بين القدرة على توليد التيار وتلبية الطلب الكامل، بسبب الأضرار الجسيمة التي تعرّضت لها محطات توليد الكهرباء وخطوط النقل.

نصف الكهرباء المنتجة لا تصل للمستهلكين

رغم أن الحكومة تربط الزيادة المحتملة بضرورة تقليص عجز القطاع وتوفير السيولة لشراء مستلزمات التوليد، إلا أن البيانات التي كشفت عنها الشركة العامة للكهرباء في أيار/مايو الماضي، أظهرت أن نسبة الهدر الفني والتجاري في الشبكة الكهربائية تجاوزت 46 بالمئة، بفعل تقادم التجهيزات وسوء الإدارة والفساد، الأمر الذي يعني أن ما يقرب من نصف الكهرباء المنتجة لا تصل أصلاً إلى المستهلكين، أو تضيع قبل بلوغ العدادات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى أي زيادة سعرية دون إصلاح جذري في بنية القطاع.

بحسب المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، فإن تأهيل البنية التحتية لقطاع الكهرباء السوري، بجانب بناء محطات جديدة، يتطلبان استثمارات تصل إلى نحو 40 مليار دولار، وهو ما يمكن أن يلبي الطلب المحلي وتوفير التيار لمدة 24 ساعة.

من ناحية أخرى، فإن أي زيادة مرتقبة في التعرفة لن تمس فقط المستهلك المنزلي، بل ستشمل غالبًا الشرائح الصناعية والخدمية، في وقت تحاول فيه الحكومة إحياء ما تسميه “دورة الإنتاج الوطني”، عبر تشجيع الورش الصغيرة والمصانع المتوسطة على استعادة نشاطها.

إلا أن أصحاب المشاريع في مناطق مثل ريف دمشق وحلب وحماة يشيرون إلى أن انقطاعات الكهرباء الطويلة، والاعتماد على المولدات بتكلفة تشغيل تتجاوز 8000 ليرة للكيلوواط/ساعي، تجعل من أي مشروع إنتاجي مخاطرة غير محسوبة.

القطاع الصناعي يئن

وفقا لتقديرات حديثة فإن 71 بالمئة من المنشآت الصناعية العاملة حاليًا تعمل بأقل من 30 بالمئة من طاقتها التصميمية، بسبب ضعف التغذية الكهربائية، فيما اضطر أكثر من 39 بالمئة من الحرفيين إلى التوقف الكامل خلال العام الماضي بسبب عدم القدرة على تغطية تكاليف الطاقة البديلة.

على المستوى المعيشي، فإن أي رفع جديد في تعرفة الكهرباء، ولو جزئي، سينعكس تلقائيًا على أسعار السلع الأساسية، سواء عبر ارتفاع تكاليف التبريد والنقل والتخزين، أو بفعل زيادة فاتورة الورش والمخابز والمعامل، والتي عادة ما تمرّر فروقات التكاليف إلى المستهلك النهائي.

بحسب تقرير “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة”، ارتفع متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من 5 أفراد، خلال آذار/ مارس الماضي، إلى نحو 12.5 مليون ليرة سورية، في وقت لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 750 ألف ليرة سورية أي ما يُعادل نحو 75 دولارًا، بعد أن تم إقرار زيادة 200 بالمئة على الأجور الشهر الماضي، حيث كان الحد الأدنى للأجور يساوي نحو 250 ألف ليرة سورية “نحو 25 دولارًا”.

وبلغ متوسط إنفاق الأسرة السورية على بدائل الطاقة في الشتاء الماضي 320 ألف ليرة شهريًا، أي ما يعادل 2.5 ضعف متوسط الراتب الرسمي، ما يجعل أي زيادة رسمية في أسعار الكهرباء عبئًا إضافيًا على شريحة واسعة من السوريين الذين يعيش أكثر من 90 بالمئة منهم تحت خط الفقر، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

ضعف الاستثمار يعمّق الأزمة

ما يزيد من التوتر الشعبي، أن الحكومة لم تُقدم حتى الآن أي التزامات واضحة على أرض الواقع بتوسيع الاستثمار في الطاقة البديلة أو تحسين البنية التحتية لشبكات التوزيع.

لم يتجاوز الإنتاج الفعلي من الطاقات المتجددة في سوريا حاجز 150 ميغاواط حتى منتصف عام 2025، وهو رقم ضئيل جدًا قياسًا بالاحتياج الوطني الذي يتجاوز 4000 ميغاواط، بحسب تقديرات المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء.

وتعول الحكومة الانتقالية السورية، على تزويدها بالغاز القادم من أذربيجان، حيث من المقرر أن تزود بـ3.4 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، تُنقل عبر خط أنابيب يمتد من ولاية كلس التركية إلى مدينة حلب.

وبحسب سلمان، فإن الخط، الذي أُعيد تأهيله بجهود وطنية بعد سنوات من التوقف، بات جاهزًا لضخ الغاز إلى محطات التوليد، ما سيسمح بإنتاج بين 800 و900 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، ورفع عدد ساعات التشغيل اليومية من 5 إلى 10 ساعات.

غاز أذربيجان.. حل مؤقت أم بداية تحوّل؟

تابع سلمان، أن البنية التحتية داخل سوريا، خصوصًا خط كلس-حلب، قادرة على استيعاب هذه الكميات وتوجيهها إلى محطات حلب وحمص حسب الضغط، مؤكدًا أن استعمال الغاز سيكون حصرًا لأغراض توليد الكهرباء.

برّر المسؤول السوري الاتجاه إلى أذربيجان بانخفاض الإنتاج المحلي من الغاز، الذي تراجع من 30 إلى 6 ملايين متر مكعب يوميًا، مشيرًا إلى سعي الحكومة إلى ترميم الحقول المتضررة، لكنها تحتاج حاليًا إلى مصادر سريعة لتأمين الكهرباء.

وشدّد على أن الاتفاق مع أذربيجان لا يتضمّن أي خلفيات سياسية، بل هو فني بالكامل، وتم التوافق عليه بالتنسيق مع تركيا، التي وافقت على مرور الغاز لأغراض إنسانية وتنموية.

هل يحدث فارقًا في أزمة الطاقة؟

أوضح أن الاتفاق يمتد 3 سنوات قابلة للتجديد، وأن الحكومة تدرس خيار الشراء النقدي مستقبلًا، وهو ما قد يؤثر في أسعار الكهرباء لدى سوريا إذا لم تُوفَّر آليات دعم مناسبة.

وأعلنت تركيا أن بدء التصدير سيكون في 2 آب/ أغسطس، بقدرة تغذية تصل إلى 1.6 مليون منزل، في حين أكد الأردن وجود مباحثات متقدمة لتوريد 40 ألف أسطوانة غاز منزلي يوميًا إلى سوريا، في محاولة لتخفيف أزمة الغاز المنزلي.

وتأتي هذه الاتفاقات وسط تزايد التنسيق الإقليمي مع سوريا في ملفات الطاقة، رغم ما تعانيه من عقوبات، وتدهور في الإنتاج المحلي، وانقسام جغرافي في السيطرة على حقول النفط والغاز.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم