كشف تقرير أممي حديث صدر عن قطاع الصحة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) عن صورة قاتمة للوضع الصحي في سوريا، محذرًا من انهيار تدريجي محتمل لمنظومة الرعاية الصحية، في ظل تراجع حاد في مستويات التمويل الإنساني، وتضاؤل الاستجابة الدولية، وغياب أي أفق للدعم المؤسسي المستدام من قبل السلطات المحلية أو المركزية.
التقرير، الذي يغطي واقع القطاع خلال شهر تموز/يوليو الماضي، وصف مستوى الجاهزية العامة بأنه “ضعيف”، في وقت تتراجع فيه مؤشرات المرونة والتمويل إلى مستويات اعتبرها “مقلقة”، على نحو ينذر بانتكاسة صحية قد تكون الأكبر منذ بدء النزاع قبل أكثر من عقد.
تداعيات الانهيار
هذا الانحدار الواضح لا يعود فقط إلى تداعيات الحرب طويلة الأمد، وإنما أيضاً إلى اعتماد النظام الصحي شبه الكامل على المساعدات الخارجية، دون وجود خطط حكومية فعالة لتحمل جزء من العبء أو لإعادة بناء المؤسسات الصحية المنهكة.

وبحسب التقرير، فقد أدى هذا الاعتماد المزمن إلى جمود واضح في قدرات الطوارئ الطبية، وإلى فجوات كبيرة في سلاسل الإمداد، وتراجع ملحوظ في وجود منظمات المجتمع المدني، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في الشمال الشرقي، ما عمق أزمة الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
ورصد التقرير غيابًا شبه كامل لخطط الاستجابة الصحية في عدد من المناطق، لا سيما في الجنوب السوري، حيث تشهد محافظتا درعا والسويداء اضطرابات أمنية متصاعدة، مشيرًا إلى أن الفئات الأكثر هشاشة، كالنساء والأطفال والنازحين داخليًا، باتت الأكثر تضررًا من غياب التوزيع الجغرافي العادل للخدمات الصحية.
الاستجابة الصحية تفقد بوصلتها
أكد التقرير أنه مع تغير أولويات التمويل لدى الجهات المانحة، بات من الواضح أن الاستجابة الصحية فقدت بوصلتها، وتحوّلت إلى تدخلات مجتزأة قصيرة الأمد، لا تراعي السياق المحلي ولا تواكب تطور الحاجات.
وبيّن أن الوضع في شمال شرقي سوريا، الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لم يكن أفضل حالًا، إذ أفاد التقرير بأن السلطات الصحية هناك تفتقر إلى أي خطط استجابة عاجلة في حال تفشّي أمراض أو وقوع كوارث صحية، وسط ضعف مزمن في التنسيق بين الجهات المحلية والمنظمات الدولية، وصعوبة متزايدة في الحصول على بيانات محدثة بشأن حجم الإنفاق الصحي المحلي.
وأشار التقرير إلى أن البنية التحتية الصحية في هذه المناطق تشهد تراجعاً حاداً على مستوى التجهيزات، إلى جانب شبه انعدام في مشاريع التطوير أو إعادة التأهيل.
نظرة مستقبلية متشائمة
أما في المناطق الحضرية، خصوصًا المدن الكبرى التي تستقبل أعدادًا متزايدة من النازحين، فتتعاظم الضغوط على المستشفيات والمراكز الصحية، ومع استمرار موجات النزوح الداخلي وتضاؤل موارد الاستجابة، رجح التقرير أن تشهد الخدمات الصحية مزيدًا من التدهور خلال عام 2026، لا سيما مع بقاء مناطق الريف مهمشة وتحوّل تركيز التدخلات إلى المدن.

ومن المرجح أن يتفاقم الوضع مع تردي الظروف المعيشية، وازدياد حالات انعدام الأمن الغذائي، وانتشار الأوبئة الموسمية، في ظل نقص مزمن في المياه النظيفة.
التحذيرات الواردة في التقرير لا تبدو جديدة، لكنها تأتي في توقيت حرج، حيث تواجه سوريا واحدة من أسوأ أزماتها المركّبة منذ اندلاع الصراع، وبينما تتراجع الأولويات الدولية تجاه الملف السوري لصالح ملفات أخرى أكثر سخونة، لا يبدو أن هناك خططًا إنقاذية واضحة أو شراكات استراتيجية لإعادة بناء القطاع الصحي المنهار، الذي كان يومًا ما من أكثر القطاعات تقدمًا في المنطقة. غياب هذا الأفق يعزز المخاوف من أن تكون المرحلة القادمة محفوفة بتفجر أزمات صحية واسعة النطاق، في وقت تُظهر فيه الحكومة والمؤسسات المحلية عجزاً شبه كامل عن التصدي لها أو حتى التخفيف من آثارها.
- اعتقال بريطانية مرتبطة بمنفذ “هجوم برلين” في سوريا.. القصة الكاملة
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض

