سوريا في دائرة اتصال بوتين ونتنياهو الثاني خلال أسبوع.. ماذا وراء ذلك؟

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالا هاتفيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ثاني محادثة بينهما خلال أسبوع، ركزت على تطورات الملف السوري والتوتر الإيراني الإسرائيلي.

وأفاد المتحدث باسم “الكرملين” دميتري بيسكوف، أن بوتين شدد على أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا. فماذا وراء هذا الاتصال الذي يعتبر الثاني خلال أسبوع، وتصدرت فيه سوريا جدول المناقشات بين بوتين ونتنياهو، لا سيما في أعقاب الزيارة السورية الأخيرة إلى موسكو، والتي وصفت بـ “التاريخية”؟

مناقشة الوضع في سوريا

وذكر بيسكوف في البيان: “أكد فلاديمير بوتين على تعزيز استقرار سوريا السياسي الداخلي من خلال مراعاة الحقوق والمصالح المشروعة لجميع المجموعات العرقية والدينية من السكان”.

ميناء طرطوس غرب سوريا، في 16 ديسمبر 2024- “أ ف ب”

كما أشار البيان إلى أنه “في ضوء التصعيد الأخير في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، أبدى الجانب الروسي استعداده لبذل كل ما في وسعه لتسهيل إيجاد حلول تفاوضية بشأن البرنامج النووي الإيراني. واتفق الزعيمان على مواصلة الحوار حول القضايا الراهنة على الأجندة الدولية والثنائية”.

هذا وناقش الجانبان في اتصال سابق يوم 28 تموز/يوليو الفائت الشأن السوري ومختلف جوانب الوضع المتوتر في الشرق الأوسط.

ولا تزال موسكو تحتفظ بقاعدتين عسكريتين في سوريا، الأولى في طرطوس والثانية في حميميم في شمال غرب البلاد.

ماذا وراء ذلك؟

الاتصال يأتي وسط تصاعد التوتر الإقليمي، في ظل استمرار الوجود العسكري الروسي في سوريا عبر قاعدتي طرطوس وحميميم.

ويبدو أن روسيا تحاول أن تبرز الساحة السورية كورقة استراتيجية تحاول الحفاظ عليها، خاصة وأن الملف الإسرائيلي تحديدا يعد أحد أعقد ملفات هذا الحضور.

ويعكس تكرار الاتصال بين بوتين ونتنياهو في فترة وجيزة رغبة موسكو في تعزيز حضورها كفاعل إقليمي موثوق، بديلا عن الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، خاصة، وأنه خلال حكم بشار الأسد السابق، لعبت موسكو دورا في الحد من التصعيد بين سوريا وإسرائيل عبر إنشاء قنوات تنسيق عسكرية غير معلنة، بهدف تجنب المواجهات المباشرة. 

واليوم، ومع تكرار الضربات الإسرائيلية، رغم سقوط نظام الأسد، تبدو روسيا ترغب أن تلعب الدور ذاته أو مماثل له، وذلك بغية الحفاظ على نفوذها في سوريا وتعزيز موقعها بالمنطقة ككل، خصوصا بعد زيارة وفد سوري رفيع إلى موسكو بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني، ما يؤشر إلى أن اتفاقيات جديدة قد ترتسم بين هذه الأطراف، وسط المتغيرات الإقليمية المتسارعة.

وما يعزز هذه الفرضية أن التنسيق الإقليمي يشكّل بالنسبة للسلطات في دمشق أهمية كبيرة، لا سيما مع التوتر المتصاعد وتدخل إسرائيل على الخط. وتسعى الحكومة السورية إلى تعزيز موقعها كطرف أساسي في معادلة أمن المنطقة، من خلال الموازنة بين تجنب التصعيد مع تل أبيب وفتح قنوات تواصل جديدة.

اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره السوري أسعد الشيباني في موسكو – فرانس برس

من جهتها، تدرك موسكو أهمية هذا الدور، وتضع نفسها كوسيط محتمل لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل المجالين السياسي والأمني، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية والدولية بعد غزو أوكرانيا، والتي دفعتها إلى اعتماد أدوات أكثر مرونة للحفاظ على نفوذها في سوريا والمنطقة.

تداعيات تقارب دمشق مع موسكو

وفي أول زيارة لمسؤول سوري بعد سقوط الأسد، توجه الشيباني، إلى روسيا مطلع آب/أغسطس الجاري، على رأس وفد رفيع المستوى، ضم وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وأمين عام الرئاسة السورية، ماهر الشرع.

والتقى الشيباني نظيره الروسي، سيرغي لافروف، حيث عقدا مباحثات تتعلق بالعلاقات بين البلدين، قبل أن يلتقي الشيباني بالرئيس الروسي، بوتين، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”.

وزارة الخارجية السورية اعتبرت أن ما وصفته بـ”اللقاء التاريخي بين الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية أسعد الشيباني أكد انطلاق مرحلة جديدة من التفاهم السياسي والعسكري بين البلدين تقوم على احترام سيادة سوريا ودعم وحدة أراضيها”.

وأضافت أن بوتين شدد خلال اللقاء “على رفض روسيا القاطع لأي تدخلات إسرائيلية أو محاولات لتقسيم سوريا وأكد التزام موسكو بدعمها في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار”.

كما ذكرت أن الشيباني أكد “التزام سوريا بتصحيح العلاقات مع روسيا على أسس جديدة تراعي مصالح الشعب السوري وتفتح آفاق شراكة متوازنة.

زيارة الشيباني إلى موسكو، جاءت في وقت شهدت الأراضي السورية تصعيدا إسرائيليا، على خلفية الأحداث في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، بينما كان من المقرر أن يتم لقاء بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في أذربيجان، خلال التوقيت ذاته.

في العموم، فإن استمرار الوجود الروسي في سوريا سيتسبب في تعقيد حسابات الغرب وواشنطن، ويقلل من فرص التعاون والشراكة الاستراتيجية، كما سيجعل ملف العقوبات مأزوما بتداعيات السلبية، على الوضعين الاجتماعي والسياسي.

وعلى اعتبار أن جرائم روسيا في حق المدنيين بسوريا وبنيتها التحتية التي دمرتها بطائراتها لا تقل فداحة عن ما ارتكبه نظام الأسد وبراميله المتفجرة. وعليه، فإن استمرار هذا التواجد سيبعث أيضا بانقسام وغبن شديدين داخل المجتمع السوري الذي يسعى إلى الخروج من الحقبة السابقة، وطي صفحة الماضي، وبناء دولة طبيعية لها سيادتها، ومصالحها.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم