ترسيم الحدود مقابل تخفيف العقوبات.. واشنطن تطرح عرضًا لسوريا فهل تقبله؟

ترسيم الحدود

في تطور دبلوماسي لافت، كشفت مصادر سورية مطلعة عن وجود مبادرة أميركية جديدة، تحمل في طياتها عرضًا بتخفيف إضافي للعقوبات المفروضة على سوريا، شريطة إتمام عملية ترسيم الحدود البرية والبحرية بين سوريا ولبنان.

المبادرة، التي تأتي في إطار مقاربة أوسع لمعالجة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات السورية-اللبنانية، تستهدف وضع حد للفوضى الأمنية المستمرة على جانبي الحدود منذ سنوات، وهي الفوضى التي أسهمت في جعل هذه المناطق ممرات لتهريب الأسلحة والأفراد والمخدرات، وأعاقت انتشار الجيش اللبناني، ما أوجد مناطق ذات سيادة منقوصة خارجة عن الرقابة الفعلية للدولة.

دعم فرنسي وأممي للمبادرة

يحظى المقترح الأميركي بدعم فرنسي ومن الأمم المتحدة، والذي يهدف إلى ضبط الأوضاع الأمنية في المناطق الحدودية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بحسب معلومات نقلها موقع “إرم نيوز“.

وتشمل المناطق التي تقع ضمن نطاق المبادرة مواقع وبلدات إستراتيجية، أبرزها شمال البقاع، وادي خالد، وسلسلة جبال لبنان الشرقية، وهي مناطق ظلت لعقود مسرحًا لنشاطات التهريب وملاذًا لعناصر مسلحة، مستفيدة من غياب اتفاق رسمي بين دمشق وبيروت على ترسيم الحدود منذ استقلال البلدين.

المبادرة تتجاوز الإطار الأمني لتشمل أيضًا بعدًا تقنيًا وتاريخيًا، إذ تنص على إجراء مباحثات سورية-لبنانية حول الحدود في مناطق حساسة مثل الهوامل-القصير وعرسال-القلمون، مع اعتماد خرائط الانتداب الفرنسي لعام 1933 وسجلات عقارية تاريخية كأساس مرجعي، وهو ما يضفي على العملية بعدًا قانونيًا يهدف لتفادي النزاعات المستقبلية.

هذا الجانب الفني من المبادرة يوازيه التزام بدعم البنية التحتية الحدودية عبر إنشاء أبراج مراقبة ومراكز جمركية حديثة، إلى جانب نشر وحدات الجيش اللبناني لضمان التنفيذ الفعلي للاتفاق.

العقوبات كأداة ضغط وتحفيز

في السياق، يرى الخبير السياسي نعمان أبو ردن، أن هذا الطرح يعكس استراتيجية أميركية واضحة لتوظيف أداة العقوبات كوسيلة ضغط وتحفيز في آن واحد، بغرض دفع دمشق إلى تقديم تنازلات في ملف طالما تجنبت الخوض فيه بجدية.

الدعم الفرنسي والأممي يمثل رافعة سياسية قد ترفع من فرص نجاح المبادرة، خاصة إذا ارتبط ترسيم الحدود بمشاريع تنموية تحسن من الوضع المعيشي للسكان المحليين في المناطق المعنية، ما قد يخلق بيئة أكثر قبولًا للاتفاق لدى المجتمعات الحدودية.

الخبير السياسي نعمان أبو ردن

لكن خلف الأبعاد التقنية والاقتصادية للمبادرة، تكمن أهداف سياسية أعمق، إذ يشير أبو ردن إلى أن واشنطن تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تقليص نفوذ إيران وحلفائها الذين سيطروا على مساحات واسعة من الحدود خلال السنوات الماضية، واستغلوها لعمليات تهريب منظمة للمخدرات والسلاح باتت مصدر قلق إقليمي ودولي.

حسابات دمشق ومخاوفها

أما المحلل السياسي صفوان القدسي، فيرى أن تردد الدولة السورية في التعاطي مع ملف ترسيم الحدود يعود إلى اعتبارات سياسية وأمنية معقدة، بينها خشيتها من فقدان أوراق ضغط استراتيجية في الساحة اللبنانية، خاصة في منطقة البقاع التي تمثل عمقًا جغرافيًا وحيويًا لبعض تحالفاتها.

ومع ذلك، يعتقد القدسي أن إغراء تخفيف العقوبات، إلى جانب ضمانات تتيح لدمشق الحفاظ على دورها في المشهد الحدودي، قد يدفعها إلى قبول المقترح، لا سيما إذا رافقه دعم مالي ولوجستي لإعادة تأهيل المعابر الشرعية وضبط حركة الأشخاص والبضائع.

تحديات التنفيذ لا تقل تعقيدًا عن المفاوضات السياسية نفسها، فنجاح المبادرة يعتمد على تمويل دولي كافٍ لإنشاء البنية التحتية المطلوبة، وعلى إرادة سياسية متينة من الطرفين، إضافة إلى ضغط دبلوماسي يضمن التزام دمشق وبيروت بالاتفاق.

وفي حال فشل عملية الترسيم، فإن عمليات التهريب ستستمر بل وقد تتوسع، مما سيؤخر جهود التعافي الاقتصادي في كلا البلدين ويعمق من عزلة سوريا الاقتصادية.

لجنة ثلاثية وخطة لإعادة اللاجئين

يتضمن المقترح الأميركي تشكيل لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن سوريا ولبنان والأمم المتحدة، تتولى مهمة الترسيم باستخدام خرائط رقمية حديثة مقرونة بالسجلات التاريخية، مع خطة لنشر الجيش اللبناني في النقاط الحدودية التي سيتم الاتفاق عليها، فضلًا عن بنود تتعلق بإعادة اللاجئين السوريين المقيمين في المناطق الحدودية وتسريع تسوية ملف المفقودين، وهو ملف إنساني شائك ظل عالقًا منذ سنوات الحرب الأولى.

من الناحية الإقليمية، قد يشكل نجاح هذه المبادرة نقطة تحول في العلاقات السورية-اللبنانية، ويفتح الباب أمام نمط جديد من التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، خاصة في ظل رغبة بعض الأطراف العربية في إعادة دمج سوريا تدريجيًا في محيطها.

 أما من الناحية الدولية، فإنها تمثل اختبارًا جديدًا لمدى قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على استخدام أدوات الحوافز الاقتصادية لإحداث تغييرات سياسية على الأرض، بعيدًا عن سياسة الضغوط القصوى التي لم تحقق نتائج ملموسة خلال السنوات الماضية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم