دمشق تبدي اهتماماً باستئناف دوريات الشرطة العسكرية الروسية في الجنوب السوري

قالت صحيفة “كوميرسانت” الروسية، إنها حصلت على معلومات تفيد بأن السلطات السورية الانتقالية تبدي اهتماما باستئناف دوريات الشرطة العسكرية الروسية في محافظات الجنوب السوري، على غرار ما كان عليه الوضع قبل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

ونقلت الصحيفة في عددها الصادر اليوم الثلاثاء، عن مصدر مطلع أن الحكومة السورية ترى في هذه الخطوة وسيلة لتقليص العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتي تأتي بغية إقامة منطقة عازلة وحماية الدروز في سوريا، وفق ما تقوله تل أبيب.

إعادة روسيا للجنوب السوري

نحو ذلك، كشف المصدر، الذي حضر لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الجالية السورية في موسكو أواخر تموز/يوليو الماضي، أن السلطات السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع معنية بعودة الدوريات الروسية إلى مواقع انتشارها السابقة في الجنوب، بهدف “منع تدخل إسرائيل في الشؤون السورية”.

اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره السوري أسعد الشيباني في موسكو – فرانس برس

وبعد أيام قليلة على زيارة الشيباني إلى موسكو، شوهدت دوريات للشرطة العسكرية الروسية في محيط مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، بحسب تقارير إعلامية عربية. 

وعزا مصدر الصحيفة ذلك إلى تنامي التعاون بين دمشق وموسكو، مشيرا إلى أن الدوريات نفذت من دون مشاركة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وفي المقابل، نقلت “كوميرسانت” عن مصدر إسرائيلي أن موقف تل أبيب من عودة الدوريات الروسية إلى الجنوب سيتحدد بناءً على عدة عوامل، منها الاتفاقات القائمة بين روسيا وإسرائيل، والموقف الروسي في حال التوصل إلى اتفاق جديد مع الحكومة السورية بشأن استئناف هذه الدوريات.

من جهته، ذكّر الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيميونوف، بأن الوجود الروسي في جنوب سوريا قبل تغيير السلطة في دمشق كان يلبي جزئيا المصالح الإسرائيلية، إذ ساهم في الحد من انتشار مجموعات موالية لإيران، رغم صعوبة تحديد هوية تلك العناصر بدقة.

هذا وكان وفد سوري رفيع المستوى، ضم الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات حسين سلامة، وماهر الشرع الأمين العام لرئاسة الجمهورية العربية السورية قد زار موسكو في 31 تموز/يوليو الماضي. 

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، نفى الشيباني أن تكون لدى دمشق نيات عدوانية تجاه إسرائيل، في إشارة فسرتها الصحيفة على أنها تعزز من احتمالية عودة الدوريات الروسية إلى الجنوب كعامل ردع ضد الهجمات الإسرائيلية.

اتصالات روسية إسرائيلية بشأن سوريا

خلال الأسابيع الفائتة، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالات هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ركزت على تطورات الملف السوري.

الاتصالات جاءت وسط تصاعد التوتر الإقليمي، في ظل استمرار الوجود العسكري الروسي في سوريا عبر قاعدتي طرطوس وحميميم.

في ضوء كل ذلك، يبدو أن روسيا تحاول أن تبرز الساحة السورية كورقة استراتيجية تحاول الحفاظ عليها، خاصة وأن الملف الإسرائيلي تحديدا يعد أحد أعقد ملفات هذا الحضور.

ويعكس تكرار الاتصال بين بوتين ونتنياهو في فترة وجيزة رغبة موسكو في تعزيز حضورها كفاعل إقليمي موثوق، بديلا عن الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، خاصة، وأنه خلال حكم بشار الأسد السابق، لعبت موسكو دورا في الحد من التصعيد بين سوريا وإسرائيل عبر إنشاء قنوات تنسيق عسكرية غير معلنة، بهدف تجنب المواجهات المباشرة، فضلا عن تسيير دوريات الشرطة العسكرية في الجنوب. 

واليوم، ومع تكرار الضربات الإسرائيلية، رغم سقوط نظام الأسد، تبدو روسيا ترغب أن تلعب الدور ذاته أو مماثل له، وذلك بغية الحفاظ على نفوذها في سوريا وتعزيز موقعها بالمنطقة ككل، خصوصا بعد زيارة وفد سوري رفيع إلى موسكو بقيادة الشيباني، ما يؤشر إلى أن اتفاقيات جديدة قد ترتسم بين هذه الأطراف، وعودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية في محافظات الجنوب السوري ربما من بين إحدى هذه الاتفاقيات.

ميناء طرطوس غرب سوريا، في 16 ديسمبر 2024- “أ ف ب”

وما يعزز هذه الفرضية أن التنسيق الإقليمي يشكّل بالنسبة للسلطات في دمشق أهمية كبيرة، لا سيما مع التوتر المتصاعد وتدخل إسرائيل على الخط. وتسعى الحكومة السورية إلى تعزيز موقعها كطرف أساسي في معادلة أمن المنطقة، من خلال الموازنة بين تجنب التصعيد مع تل أبيب وفتح قنوات تواصل جديدة.

من جهتها، تدرك موسكو أهمية هذا الدور، وتضع نفسها كوسيط محتمل لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل المجالين السياسي والأمني، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية والدولية بعد غزو أوكرانيا، والتي دفعتها إلى اعتماد أدوات أكثر مرونة للحفاظ على نفوذها في سوريا والمنطقة.

ما التداعيات؟

زيارة الشيباني إلى موسكو، جاءت في وقت شهدت الأراضي السورية تصعيدا إسرائيليا، على خلفية الأحداث في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، بينما كان من المقرر أن يتم لقاء بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في أذربيجان، خلال التوقيت ذاته.

لكن في سياق استمرار الوجود الروسي في سوريا، فإن ذلك سيتسبب في تعقيد حسابات الغرب وواشنطن، ويقلل من فرص التعاون والشراكة الاستراتيجية، كما سيجعل ملف العقوبات مأزوما بتداعيات السلبية، على الوضعين الاجتماعي والسياسي.

وعلى اعتبار أن جرائم روسيا في حق المدنيين بسوريا وبنيتها التحتية التي دمرتها بطائراتها لا تقل فداحة عن ما ارتكبه نظام الأسد وبراميله المتفجرة. 

وعليه، فإن استمرار هذا التواجد سيبعث أيضا بانقسام وغبن شديدين داخل المجتمع السوري الذي يسعى إلى الخروج من الحقبة السابقة، وطي صفحة الماضي، وبناء دولة طبيعية لها سيادتها، ومصالحها.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم