في مشهد يعكس عمق أزمة النظام المصرفي في سوريا وتآكل الثقة بين المودعين والمؤسسات المالية، تتصاعد الشكاوى من سياسات البنوك التي فرضت قيودًا صارمة على السحب النقدي، ورفعت الرسوم إلى مستويات غير مسبوقة، حتى بات كثيرون يصفون تجربتهم مع المصارف بأنها أقرب إلى “الاستجداء” للحصول على أموالهم الخاصة.
أصوات المواطنين الغاضبين تكشف عن حالة احتقان غير مسبوقة، حيث يتهمون البنوك بممارسة ما يصفونه بـ”السرقة العلنية” تحت غطاء الإجراءات المالية، في ظل غياب واضح لأي رقابة فعّالة أو مساءلة.
وعود على الورق وقيود على الأرض
وتبرر الحكومة هذه السياسات النقدية بأنها تهدف إلى ضبط السوق وتعزيز الاستقرار النقدي، وعلى الرغم من ذلك فإن انعكاساتها طالت الأوضاع المعيشية للسوريين وحركتي الصناعة والتجارة بشكل مباشر، إذ بات السوريين يواجهون تحديات كبيرة في توفير المال لتيسير أعمالهم ومعيشاتهم.

أصدر “مصرف سوريا المركزي” مؤخرًا تعميمًا يطلب تمكين المتعاملين من أصحاب الحسابات الجارية المُغذّاة نقدًا بعد تاريخ 7 أيار/مايو من سحب كامل أرصدتهم دون سقوف، في مسعى صريح لاستعادة الثقة وتحرير التدفقات الجديدة من عقدة القيود الموروثة.
لكن هذا الانفراج النظري اصطدم بفجوة التطبيق، فشكاوى متكررة أفادت بأن التنفيذ متفاوت بين مصرف وآخر، وأن حسابات ما قبل 7 أيار/مايو بقيت، عمليًا أسيرة قيود غير متناظرة ورسوم متزايدة، وهو ما يكشف عن وجود مأرق مزدوج بين بنوك تحتاج سيولة ورقية لتسيير أعمالها وتفادي المخاطر، ومودعون يحتاجون أموالهم للاستهلاك والعمل.
مبالغ لا تكفي وعمولات تستنزف
ينعكس هذا الازدواج بوضوح في تفاصيل يومية، سقوف السحب من أجهزة الصراف الآلي ارتفعت مؤخرًا في المصرف التجاري السوري إلى 600 ألف ليرة للعملية الواحدة لتخفيف طوابير الانتظار، لكنها تبقى مبالغ صغيرة قياسًا بحاجات شركات وتجار يدفعون نقدًا لمورّدين وضرائب ورسوم وخدمات.
وفي مصارف خاصة، تحدد لوائح رسمية سقوفًا يومية للسحب عبر القنوات الإلكترونية لا تتجاوز مئات آلاف الليرات، مع عمولات على بعض العمليات النقدية الفورية.
في هذا السياق عبّر أحد المودعين عن إحباطه العميق، قائلاً إن الوضع بلغ مرحلة لا تطاق، فبعد أن اعتادوا على سقف سحب شهري لا يتجاوز 200 دولار، جاءت السياسات الجديدة لتضيف أعباء أكبر، إذ ارتفعت العمولات إلى 10 بالمئة على كل عملية سحب، في ما اعتبره استنزافًا متعمدًا للمدخرات.
تهديدات بإغلاق الحسابات
لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل باتت البنوك تفرض أجورًا شهرية ثابتة على الحسابات الجارية، بحيث يدفع المودع رسومًا على ماله حتى وهو عاجز عن سحبه، وإذا استطاع الحصول على جزء منه، وجد نفسه مضطرًا لدفع أضعاف تلك الرسوم.
هذا الواقع المرهق جعل السؤال مشروعاً عن الجهة المخوّلة بمراقبة هذه الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها، خصوصاً أن السلطات النقدية تلتزم الصمت في معظم الأحيان، مكتفية بإرجاع الأمر إلى “الظروف الاقتصادية الاستثنائية”.

مشاعر الإحباط لم تقتصر على الأفراد، بل طالت بيئة الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على السيولة النقدية لتغطية التزاماتها اليومية، أحد عملاء البنك التجاري السوري روى أنه فقد ثقته تمامًا بالمؤسسة المصرفية، مؤكدًا أنه لن يودع أمواله فيها مجددًا، بعدما بات يشعر وكأنه “يتسول” حقه.
وأوضح أن الاعتراض على الإجراءات أو رفع الصوت بالمطالبة بالحق المشروع في السحب يقابله تهديد مباشر من الموظفين بإغلاق الحساب ومنع الوصول إلى أي مبلغ، مضيفًا أن بعض العاملين يتصرفون وكأنهم فوق القانون، في ظل مناخ يكرّس الفساد وغياب الرقابة الداخلية والخارجية.
سياسة متعمدة لحبس النقد
التدهور الحاصل لم يكن وليد اللحظة، كما يروي أحد العملاء القدامى، بل بدأ منذ نهاية العام الماضي حين تبدّلت قواعد اللعبة فجأة، ففي السابق، كان سقف السحب الشهري يبلغ ألف دولار مقابل عمولة لا تتجاوز 2 بالمئة، دون فرض رسوم شهرية على الحسابات، وهو ما كان يعتبر الحد الأدنى المقبول للخدمات المصرفية في ظل الظروف الصعبة.
لكن التحول الأخير شكّل انحدارًا حادًا في جودة الخدمات وتراجعًا عن المعايير، ما دفع المودعين إلى إعادة النظر في تعاملهم مع الجهاز المصرفي برمته، وأضاف الرجل أن آمال الناس في تحسن الأوضاع تلاشت، وأن ما يجري اليوم يمثل مرحلة أكثر قسوة وتعسفًا مما سبق.
ويرى آخر أن هذه الأزمة ليست مجرد نتيجة “طبيعية” لشح السيولة، بل هي انعكاس لسياسة متعمدة تهدف إلى إبقاء النقد داخل البنوك بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك على حساب تآكل الثقة وضرب حقوق المودعين.
واعتبر أن الهدف الأساس هو سد فجوة السيولة التي تعاني منها المصارف منذ سنوات، وضمان بقاء الأموال ضمن دورة مالية مغلقة تسيطر عليها السلطة النقدية بعيدًا عن التداول الحر في السوق، ما يتيح لها التحكم في المعروض النقدي والحد من خروج العملة إلى السوق الموازية.
التضحية بالقطاع المصرفي
لكن هذه السياسات، تحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، فمع كل قيود إضافية، يتزايد لجوء الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج النظام المصرفي، سواء في المنازل أو عبر التعامل مع شبكات الصرافة غير الرسمية، ما يقلل من قدرة المصارف على لعب دورها التقليدي في الوساطة المالية وتوجيه التمويل نحو الاستثمار والإنتاج، كما أن ارتفاع الرسوم والعمولات يرفع كلفة المعاملات النقدية، ويؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي في قطاعات حيوية.

قال الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، في تصريح خاص لموقع “الحل نت“، إن السياسات النقدية الحالية في سوريا، القائمة على حبس السيولة وفرض قيود صارمة على السحب، لا يمكن تبريرها بأي منطق اقتصادي أو سياسي، مؤكدًا أن ما يجري هو تضحية متعمدة بالقطاع المصرفي الذي يعد شريان الاقتصاد الوطني، في سبيل محاولة ضبط السوق وسعر الصرف، وهي محاولة وصفها بـ”قصيرة النظر” و”بالغة الخطورة”.
وأوضح الجاموس أن القطاع المصرفي السوري يعيش اليوم أضعف مراحله، حيث إن عددًا كبيرًا من البنوك مهدد بالتوقف عن العمل، مما يعني عمليًا تهديدًا مباشرًا للاستثمار والإنتاج والتفاهمات الاقتصادية الخارجية، مضيفًا أن السياسة الحالية لحبس السيولة قد تكون مقبولة إذا استُخدمت لفترة قصيرة لا تتجاوز شهرين أو ثلاثة، لكنها تتحول إلى “بركان اقتصادي” عند استمرارها، بما يولد انفجارًا في الأسعار وارتفاعًأ حادًا في معدلات التضخم.
الثقة المفقودة
أشار الباحث إلى أن هذه السياسات ضربت أهم عنصر في العمل المصرفي وهو الثقة، فالمصارف اليوم لم تعد قادرة على تقديم منتجاتها الأساسية مثل القروض، وهي شريك رئيسي في تمويل المشاريع الاستثمارية والصناعية والزراعية.
عزوف المواطنين عن إيداع أموالهم في البنوك، نتيجة فقدان الثقة، أفقد المصارف المصدر الأساسي لكتلتها النقدية، وهو ما وضع القطاع المصرفي في حالة “نزاع اقتصادي” حقيقي، مع معلومات متداولة عن أن بعض البنوك لم تعد قادرة على الاستمرار.
الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس
وبيّن الجاموس أن حجم الأموال المخزنة لدى السوريين خارج النظام المصرفي يقدر بنحو 220 مليار دولار، وهي أموال كان من المفترض أن تضخ في البنوك لتتحول إلى قروض واستثمارات، مشددًا على أن تدمير القطاع المصرفي مقابل محاولة ضبط السوق هو “مقايضة عبثية” ستدمر الاقتصاد الوطني على المدى البعيد.
جذور الأزمة
عن جذور أزمة السيولة، أوضح الجاموس أنها نتيجة مباشرة للحرب الطويلة التي عاشتها سوريا وما رافقها من عقوبات دولية، إضافة إلى الانكماش الاقتصادي الحاد، وتراجع الصادرات، ونزيف العملة الصعبة، وانخفاض تحويلات المغتربين، وتراجع السياحة، مما أدى إلى ضعف الطلب على الليرة السورية.

وأضاف أن تمويل العجز في الموازنة العامة عبر الاقتراض من البنوك والبنك المركزي استنزف السيولة المتاحة، في حين كانت الحكومات السابقة تلجأ لسياسة “منصة الاستيراد” لتأمين سيولة جزئية عبر المستوردين.
لكن، بحسب الجاموس، تفاقمت الأزمة في السنوات الأخيرة بفعل استمرار السياسات النقدية الخاطئة، والسماح بتداول العملات الأجنبية بحرية، ما قلل الطلب على الليرة، إضافة إلى فقدان جزء من السيولة في البنك المركزي في ظروف غامضة يُقال إنها مرتبطة بتحويلات خارجية، كما لعبت العقوبات الأميركية، وخاصة قانون “قيصر” وخروج سوريا من نظام “سويفت” للتحويلات المالية، دورًا أساسيًا في زيادة عزلة النظام المالي السوري وإضعاف القطاع المصرفي.
تحذير من انفجار تضخمي
يرى الجاموس أن أحد أهم العوامل التي فاقمت الأزمة هو تراجع الثقة الحاد بالقطاع المصرفي، خصوصًا بعد أزمة المصارف اللبنانية، إذ لجأ معظم السوريين إلى تخزين أموالهم في منازلهم، لتخرج بذلك كتلة نقدية هائلة من الدورة الاقتصادية المنظمة وتتحول إلى ما يشبه “اقتصاد الظل”، وهو ما حرم البنوك من مصدر تمويلها الأساسي.
وحول سؤاله عن مدى مشروعية القيود على السحب وفرض الرسوم المرتفعة، أكد الجاموس أن هذه الإجراءات لا تملك أي مبرر اقتصادي، بل هي تدمير متعمد لعمود الاقتصاد المالي، موضحًا أن الحلول البديلة موجودة، ومنها العودة لسياسة منصة المستوردين، أو طباعة فئات نقدية كبيرة (10 آلاف، 25 ألف، 50 ألف، 100 ألف ليرة سورية) لتوليد سيولة فورية في السوق.
وشدد على ضرورة إعادة بناء الثقة بين المصارف والمودعين عبر تمكينهم من حرية السحب الفعلية وليس النظرية، مشيرًا إلى أن قرارات البنك المركزي الأخيرة التي تتيح حرية السحب بقيت بلا أثر لأن السيولة غير متوفرة أصلاً لدى البنوك.
وختم الجاموس بالتحذير من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى انفجار تضخمي وارتفاع جنوني في أسعار السلع خلال الأشهر القليلة المقبلة، معتبرًا أن ثمن هذه السياسات سيكون باهظًا وعكسيًا على الهدف المعلن منها، وهو ضبط السوق، بل قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى والانهيار الاقتصادي إذا لم يتم التراجع عنها بسرعة واعتماد سياسات نقدية أكثر عقلانية ومرونة.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

