الدولار يستمر في الصعود أمام الليرة السورية.. ما العوامل الخفية؟

الليرة السورية

في خضم سياق اقتصادي بالغ التعقيد يشهد نقصًا حادًا في السيولة النقدية من العملة الوطنية، تتواصل الليرة السورية رحلة تدهورها المطرد أمام العملات الأجنبية، لا سيما الدولار الأميركي، الذي بات يلامس السعر الرسمي الذي حدده المصرف المركزي السوري عند مستوى 11 ألف ليرة للدولار الواحد.

هذا الارتفاع يأتي بعد فترة استقرار نسبي كان فيها الدولار يتداول حول عتبة 10 آلاف ليرة مع هامش تذبذب محدود، ليفتح الباب أمام توقعات جديدة بوصوله إلى 12 ألف ليرة في المدى القريب، ما ينذر بتفاقم الضغوط المعيشية على شريحة واسعة من المواطنين.

صعود متسارع وتوقعات بمستويات قياسية

يربط متخصصون اقتصاديون محليون هذا التصاعد في سعر صرف الدولار بشكل مباشر بقرار الحكومة الأخير برفع الرواتب بنسبة 200 في المئة، والذي بدأ تطبيقه مطلع الشهر الجاري، فمع ضخ هذه الزيادة في الكتلة النقدية المتداولة، وفي ظل غياب أي زيادة موازية في الإنتاج المحلي والصادرات، بل وتعاظم الواردات، نشأ تضخم في العرض النقدي لم يواكبه نمو في القاعدة الإنتاجية، ما أدى إلى تآكل قيمة الليرة بشكل سريع.

فمنذ بداية صرف الزيادات، حيث كان الدولار عند 10300 ليرة، قفز ليلامس اليوم 11 ألف ليرة، مسجلاً في تداولات يوم السبت الماضية 10900 ليرة في دمشق وحلب وإدلب، و11175 ليرة في الحسكة، ووصل اليوم السبت 11.100 ليرة للدولار الواحد، ما يعكس تسارع وتيرة التدهور النقدي.

تزامن هذا الارتفاع في سعر الصرف مع موجة تصاعدية مماثلة في أسعار السلع والخدمات داخل الأسواق السورية، مما يزيد من معاناة المواطنين الذين يرزحون تحت وطأة قلة الدخل وتفشي الفقر وارتفاع نسب البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

ففي ظل تسعير معظم السلع والخدمات بالدولار أو ربط أسعارها بسعر صرفه في السوق الموازية، حذرت جمعية حماية المستهلكين من أن الارتفاعات المتتالية في الأسعار قد تمتص أي فائدة مرجوة من زيادة الرواتب، لتتحول هذه الزيادة إلى مجرد حبر على ورق لا يسد رمق المواطن في ظل الغلاء الفاحش.

تحذيرات من الدولرة والتضخم المفرط

يرى متابعون أن السوق السورية لم تبلغ بعد مرحلة الدولرة الكاملة، حيث لا تزال الليرة السورية تحتفظ بدورها في التداول المحلي، مما يشير إلى استمرار وجودها بفاعلية نسبية، ومع ذلك، يطلق هؤلاء تحذيرات جدية من مغبة الوصول إلى مرحلة التضخم المفرط، مطالبين المصرف المركزي السوري بضرورة إعادة النظر في أدوات سياسته النقدية، بما يتلاءم مع البيئة الاقتصادية الراهنة التي تشهد انفتاحاً متزايداً في الأسواق.

كما شددوا على أهمية استيعاب الكتلة الدولارية المتداولة، وتوجيهها نحو قنوات إنتاجية واستثمارية، لتحويلها إلى رافعة استقرار اقتصادي بدلاً من أن تكون عاملاً محفزاً لعدم الاستقرار والتذبذب في سعر الصرف.

من جهته، أرجع عضو غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية إلى مجموعة من العوامل، بعضها “غير معروف بل ومبهم” على حد تعبيره، لكنه أشار إلى تأثير أحداث السويداء جنوب البلاد، وفق ما نقل عنه موقع ” اندبندنت عربية”

ووصف الحلاق الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي داخل سوريا بأنه “ضاغط وصعب”، معتبرًا أن هذا الضغط هو العامل الأساسي المؤثر في سعر صرف الليرة.

جدل حول أثر الرواتب وتوقعات مستقبلية

قال الحلاق إن “الوضع يتسم بالعشوائية وأية احتمالات نضعها، يمكن أن تكون أسبابًا محتملة”، مستدركًا بوجود “نقطة في مكان ما مبهمة بالنسبة إلينا”، ومضى ليشير إلى أن حتى “الحرائق يمكن أن تؤثر في سعر الصرف لأنها تلقي بتبعاتها على المجتمع السوري بصورة كاملة، وتحمل المجتمع عبء خسارة ثروة شجرية وزراعية، ولاحقًا ستكلف باتجاه تعويض الناس الذين خسروا أرزاقهم وأعمالهم وحتى بيوتهم، وبالتالي العمل على تمكينهم كي يزرعوا ويعودوا إلى العمل مجدداً”.

واستبعد الحلاق تأثير كتلة الرواتب بعد زيادتها 200 في المئة على ارتفاع سعر الصرف، مشيرًا إلى أن هذه الأموال ستُوجّه لسد الالتزامات السابقة من مديونات وحاجات أساسية، أي أن الكتلة عادت وتوزعت ضمن الحاجات والأسواق بالتالي لن تؤثر في سعر الصرف.

وفي رده على سؤال حول التوقعات المستقبلية، قال الحلاق: “ربما يرتفع سعر الدولار إلى 11500 ليرة قريبًا، وربما يصل إلى 12 ألف ليرة خلال الشهرين المقبلين، وبعدها ربما يكون هناك وضع جديد، مشيرًا إلى إمكانية أن تأتي استثمارات تم الحديث عنها وتؤدي إلى انفراجات، وقد يصبح بالإمكان التحويل عبر نظام “سويفت” الدولي، مما قد يحسن سعر الصرف.

حلول مطروحة وإجراءات نقدية

لفت الحلاق، أيضًا إلى أن المغتربين الذين كانوا يدعمون الاقتصاد بتحويلات صغيرة بات قسم كبير منهم بحاجة إلى إعانة اليوم، ما يشكل خسارة لدعم اقتصادي كان يعتمد عليه، مختتمًا حديثه بالتأكيد على أن هناك أمورًا عدة يمكن تركيبها مع بعضها وتؤثر في الليرة والاقتصاد السوري الذي لم يصبح اقتصادًا متوازنًا حتى الآن.

وأوضح أن هناك عوامل غير معروفة تؤثر في سعر الصرف، ومؤكداً أنه حتى تستقيم الأمور فنحن في حاجة إلى عمل جراحي، يتم من خلاله تغيير العملة أو إضافة فئة أعلى أو إخراج فئات من التداول حتى يُخلق توازن في سعر الصرف، مكرراً أن “الوضع في البلاد ضاغط على الجميع”.

في سياق متصل، يعاني السوريون صعوبة بالغة في سحب أموالهم ورواتبهم من المصارف، مما أثار انتقادات واحتجاجات واسعة، وفي خطوة للتخفيف من هذه المعاناة، أعلن المصرف التجاري السوري (الحكومي) عن رفع المبالغ التي يمكن سحبها عبر نقاط البيع إلى مليون ليرة يوميًا.

خطوات داعمة

كما أصدر مصرف سوريا المركزي قرارًا بإلغاء جميع القيود المفروضة على نقل الأموال بين المحافظات، ليشمل القرار إلغاء شرط تقديم الطلبات المسبقة والحصول على الموافقات قبل تنفيذ عمليات النقل، ما يسمح بنقل الأموال داخل الدولة بحرية تامة دون الحاجة إلى إجراءات مسبقة.

وفي إطار حرصه على تنظيم سوق الصرافة وحماية المواطنين، أهاب مصرف سوريا المركزي بالمواطنين ضرورة حصر تعاملاتهم في مجال الصرافة والحوالات المالية الخارجية بالمؤسسات المرخصة منه حصرًا، والمسجلة أصولًا في سجل شركات ومكاتب الصرافة، بالإضافة إلى الشركات الحاصلة على ترخيص مبدئي.

وفي خطوة وصفت بأنها داعمة ومنشطة لعملية السحب النقدي وتسريع التعامل مع متطلبات المتعاملين مع المصارف، دعا المصرف المركزي المتعاملين إلى تقديم شكاوى في حال عدم تمكنهم من السحب النقدي من الحسابات الجارية

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم