يشير تاريخ الاتحاد السوفيتي إلى أهمية الشرق الأوسط بشكل عام وسوريا بشكل خاص. لأن روسيا لديها حلم قديم في الوصول إلى المياه الدافئة. وعلى الرغم من مرور فتراتٍ يتراجع فيها الاهتمام الروسي بتلك المنطقة، فإن الخط العام يبقى استمرارَ الاهتمام والحضور وتعزيزَ النفوذ الروسي في المناطق العربية.
سوريا، كما يبدو، تُعَدّ بالنسبة لروسيا بوابةً لإعادة تموضعها على المستوى الدولي كقوة عظمى منافسة لتفرّدِ الولايات المتحدة الأميركية في النظام الدولي، في مواجهة التجاهل والاستخفاف الغربيَّين بدور روسيا وفاعليتها على الساحة العالمية. ولهذا، وفي ظل محاولات روسيا الدخولَ في تسويةٍ مباشرةٍ مع أوكرانيا برعاية أميركية، نحاول أن نفهم مدى تأثير هذه التسوية على النفوذ الروسي في سوريا، وهل يمكن أن نشهد مرحلةً من إعادة التموضع الروسي في سوريا؟ وما هي الأطراف الدولية المساعدة على إعادة التموضع؟ هل هي تركيا؟ أم إيران؟ وهل عودة إيران تعني عودة “حزب الله”؟ وما موقف الشرع من المواجهة المحتملة مع الحزب اللبناني؟
إيران عائدة إلى سوريا؟
إنَّ كلَّ المعطياتِ السياسيةِ تؤكِّد أنَّ الوجودَ الروسيَّ في سوريا أمرٌ مهمّ لموسكو، وسيصبح أكثرَ أهميةً لروسيا في حالِ الوصولِ إلى التسويةِ مع أوكرانيا. حتى إنَّها وجَّهت دعوةً إلى وزيرِ الخارجيةِ أسعد الشيباني، الذي قبل الدعوةَ وقام بزيارةِ موسكو في 31 يوليو/تموز 2025، برفقةِ وزيرِ الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيسِ المخابرات حسين السلامة. وفي مؤتمرٍ صحفيٍّ مشتركٍ مع وزيرِ الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قال الشيباني إنَّ زيارتَه إلى موسكو تهدف إلى بدء نقاشٍ ضروريٍّ يرتكز على دروسِ الماضي لصياغةِ المستقبل. وتحدَّث الشيباني عن “فرصٍ كبيرة” لسوريا قويةٍ وموحَّدة، مُعربًا عن أملِه في أن تقفَ موسكو إلى جانبِ دمشق في هذه العملية. نحن في مرحلةِ إعادةِ الإعمار ونحتاج إلى جميعِ الشركاء.
وبعودةِ روسيا إلى سوريا، كما تشير المعطياتُ والمواقفُ السياسية، هل ستعتمدُ روسيا في عودتِها على حليفتِها الأولى إيران، أم تُفضِّلُ التعاملَ مع المنافسِ الأولِ لها في سوريا، وهي تركيا؟
يمكننا القولُ إنَّه بعودةِ روسيا ستعودُ إيران، وذلك لعدَّةِ أسباب: أوَّلها أنَّ روسيا وإيران، اللتين كانتا حليفتين في دعمِ النظامِ السوري السابق، فإيران هي التي دعت روسيا إلى دخولِ سوريا عام 2015 لدعمِ نظامِ بشار الأسد آنذاك. كما أنَّ التحالفَ بين روسيا وإيران هو في حقيقتِه تحالفٌ ضدَّ الغرب، وتتَّفقُ كلٌّ من إيران وروسيا على الكراهيةِ للغرب والعملِ معًا من أجل إزاحة النفوذِ الغربيِّ من الشرق الأوسط. كما أنَّ لإيران طموحاتٍ كبيرةً في سوريا — كمشروعِ خطِّ الغاز الإسلامي أو الفارسي، حيث تأملُ طهران تصديرَ مواردِها من الطاقةِ إلى أوروبا من الشواطئِ السورية — وفي ظلِّ التوتُّرِ القائم بينها وبين الولايات المتحدة، بالتأكيد ستسعى إيران إلى العودةِ إلى سوريا عبرَ روسيا.
سوريا لدى إيران تعني ترسيخَ نفوذِها في دولةٍ من دولِ محورِ المقاومةِ الخاصَّةِ بها، وتأمينَ الممرِّ البريِّ إلى لبنان لتموينِ “حزبِ الله” مرَّةً أخرى. فليس لدى إيران مشكلةٌ في ممارسةِ نوعٍ من الضغطِ على روسيا للعودةِ إلى سوريا وتحقيقِ أحلامِها القديمة، وخاصةً أنَّ إيران تعرَّضت خلالَ الفتراتِ الماضية للعديدِ من الانتكاساتِ السياسية، ولديها طموحٌ في إعادةِ وجودِها ونفوذِها في سوريا.
هذا من ناحيةِ الجانبِ الإيراني؛ أمَّا بالنسبةِ إلى الجانبِ الروسي فبالتأكيد تُفضِّلُ روسيا الاعتمادَ على إيران لا على تركيا، لأنَّ مصالحَ روسيا وتركيا في سوريا مختلفةٌ اختلافًا جوهريًّا. فروسيا تسعى إلى تعزيزِ نفوذِها العسكريِّ والسياسيِّ، وضمانِ استمرارِ وجودِها البحريِّ في البحرِ المتوسِّط عبرَ قاعدةِ طرطوس في الساحلِ السوري. كما أنَّ روسيا تعاملت تعاملًا مباشرًا مع الحكومةِ السوريةِ السابقة وقدَّمت الدعمَ لها، بينما تدعمُ تركيا فصائلَ المعارضة.
فعلى الرغمِ من التفاهماتِ بين الطرفين — روسيا وتركيا — بشأنِ بعضِ القضايا مثل مناطقِ خفضِ التصعيد، فإنَّ هناك تنافُسًا مستمرًّا على الأرض. وقد وُجِدت حوادثُ سابقة، مثل التهديدِ المباشرِ بين البلدين بعد مقتلِ جنودٍ أتراك، ممَّا يؤكِّد أنَّ العلاقةَ ليست مبنيَّةً على تحالفٍ استراتيجيٍّ كامل، بل على براغماتيةٍ مؤقَّتة. فوجودُ بعضِ التفاهماتِ بين البلدين لا يعني بالضرورةِ الاعتمادَ على تركيا شريكًا في منطقةٍ تُعَدُّ حيويةً لمصالحِ روسيا الأساسية.
وهذا بالإضافةِ إلى نقطةٍ أخرى تجعلُ من الاعتمادِ على إيران هو السيناريو الأقربَ لا على تركيا؛ فروسيا لا يمكن أن تُغفِلَ أنَّ تركيا هي السببُ المباشرُ لزعزعةِ وجودِها المستقرِّ في سوريا بدعمِها الفصائلَ المعارضةَ لحكومةِ الأسد. فلو عادت روسيا إلى سوريا واعتمدت في عودتِها على تركيا، فهي هنا تعترف بانتصارِ السياسةِ التركية على الروسية؛ أمَّا لو اعتمدت على إيران، التي هي على علمٍ بالطبيعةِ الجغرافيةِ لسوريا بحكمِ وجودِها فيها لسنواتٍ، فيمكن النظرُ إلى هذا بوصفِه مصالحَ مشتركةً تستفيدُ منها روسيا أكثرَ من إيران، كما أنَّ روسيا مع إيران ستكون هي القائد، أمَّا في حالةِ التعاملِ مع تركيا فهي هنا ستكون مجرَّدَ تابعٍ للسياسةِ التركية، ومن فوقِها السياسةُ الأميركية، وهذا لن يتوافقَ مع روسيا.
تحركاتٌ وصراعاتٌ سياسية
يمرّ المشهدُ الإقليميّ بجملةٍ من التغيّراتِ والتحوّلاتِ في مواطنِ القوّة. وقد بدأ هذا بشكلٍ واضحٍ منذ زيارةِ لاريجاني إلى العراق، وكيف فتحت له العراقُ أبوابَها، وبوصفِهِ أحدَ عناصرِ “محورِ المقاومة”. ومن بغداد إلى لبنانَ الذي على المستوى الرسميّ رفضَ تدخّلاتِ طهران، إلّا أنّ هذه الزيارةَ عزّزت موقفَ “حزبِ الله”، وأدّت إلى رفضِه الصريحِ — دون مواربة — مسألةَ حصرِ السلاح، ممّا سيؤدّي، في حالِ إصرارِ الحزبِ على موقفِه، إلى حربٍ أهليّة.

كلُّ هذه المؤشّراتِ توحي بعودةٍ إيرانيّةٍ مرتقبةٍ في المنطقةِ العربيّة، وستؤدّي العودةُ الإيرانيّةُ إلى دخولِ حزبِ الله مرّةً أخرى إلى معادلةِ القوّة. فبعد لقاءِ الرئيسِ السوريّ أحمد الشرع أمس مع وفدٍ إعلاميٍّ عربيٍّ في العاصمةِ دمشق، أشار الإعلاميُّ اللبنانيّ نديم قطيش، الذي كان ضمنَ الوفد، إلى “حرصِ الشرع على عدمِ الانجرارِ إلى المعاركِ داخلَ لبنان، رغم وجودِ دوافعَ دوليّةٍ ومحليّةٍ تشجّع على ذلك، لكنّه اعتبر ذلك فخًّا لسوريا ولبنان، فقرّر التنازلَ عن الجراحاتِ التي تسبّب فيها حزبُ الله في سوريا، وفتحَ صفحةً جديدةً في المستقبل”.
إذًا، من خلالِ كلامِ قطيش، يظهر أنّ هناك بعضَ القوى الدوليّة التي تسعى إلى جرِّ الشرع إلى الدخولِ في حربٍ مع “حزبِ الله” ذي اليدِ العليا لإيران. وهذا المعنى لا ينطبق إلّا على اتفاقيّة “فضِّ الاشتباك” في 25 سبتمبر/أيلول بين سوريا وإسرائيل، التي يُشاع أنّ من بينِ بنودِها تحجيمَ وجودِ “حزبِ الله” — وهي اتفاقيّةٌ نُفِيَت عبرَ وزارةِ الخارجيّةِ السوريّة.
وفي ظلِّ المشهدِ الملتبس على الأرضيّةِ السوريّة، حيثُ كلُّ الاحتمالاتِ ممكنةُ الحدوث، يبرزُ سؤالٌ آخر: هل تكفي قوّةُ الشرع العسكريّةُ، التي تبلغ نحوَ 30 ألف مقاتل، وحدَها للتصدّي لأيِّ تحرّكٍ لبنانيٍّ من ورائه إيران، أم أنّ المسألةَ تتطلّبُ الإسراعَ في حلٍّ داخليٍّ سياسيٍّ قائمٍ على التنوّعِ والتعدّدِ السياسيّ بكلِّ أبعاده؟
بالطبع، لا تكفي قوّةُ النظامِ السوريّ العسكريّةُ وحدَها للتصدّي لأيِّ تحرّكٍ إيرانيّ. فالمسألةُ لا تتعلّقُ بقدرةٍ عسكريّةٍ منفصلة، بل هي مرتبطةٌ مباشرةً بالتوازنِ المعقّدِ للقوى داخلَ سوريا. ما يعني أنّ الشرع، في ظلِّ هذه التكتّلاتِ الدوليّةِ المتغيّرة، يحتاجُ إلى الإسراعِ في لملمةِ الشأنِ السوريّ الداخليّ، مثل حلِّ القضايا العالقةِ مع “قوّاتِ سوريا الديمقراطيّة” (قسد)، أو مشكلاتِ السويداء، أو مشكلاتِ الساحلِ السوريّ عمومًا.
فأيُّ حلٍّ سياسيٍّ داخليٍّ يراعي التنوّعَ والتعدّديّةَ السياسيّةَ سيعزّز شرعيّةَ النظامِ السوريّ، وسيمكّنه من تقليلِ اعتمادِه على الحلفاءِ الخارجيّين. فبناءُ نظامٍ سياسيٍّ أكثرَ شمولًا قد يوفّرُ له القوّةَ الذاتيّةَ اللازمةَ لفرضِ سيادتِه على كاملِ أراضيه، بما في ذلك المناطقُ الحدوديّةُ والمناطقُ التي كانت تنتشرُ فيها الميليشياتُ الإيرانيّة.
وهذا يكون في ظلِّ غطاءٍ دوليٍّ وإقليميٍّ يتجاوزُ القدراتِ المحليّةَ للنظام. إنّ الولاياتِ المتحدةِ الأميركيّة، كحليفٍ أساسيّ، هي اللاعبُ الرئيسيُّ القادرُ على ممارسةِ ضغوطٍ على إيران. وبالإضافةِ إلى ذلك، فإنّ دولًا إقليميّةً — مثل بعضِ الدولِ العربيّة — قد تُقدّم دعمًا سياسيًّا واقتصاديًّا للنظامِ السوريّ لمواجهةِ الضغوطِ الخارجيّةِ التي تدفعُ سوريا إلى مواجهةٍ مع “حزبِ الله”.
التسوية في أوكرانيا وأثرها في سوريا
أعلن الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب، قبيل قمةِ ألاسكا التي جمعتهُ الجمعةَ مع نظيرهِ الروسي فلاديمير بوتين، أن المحادثاتِ حول سُبُلِ إنهاء الحربِ في أوكرانيا ستُبنى على أساس “تبادلِ أراضٍ” بين الطرفين، لكنه لم يحدد طبيعةَ الأراضي التي يعنيها. ومع بدايةِ الحديث عن التفاوضِ والتسويةِ السياسيةِ بين أوكرانيا وروسيا يبرز سؤالٌ مرتبطٌ بالموقف الروسي من سوريا: كيف ستؤثر هذه التسوية على الوجود الروسي في سوريا؟
في الحقيقة، لا تزال روسيا تحتفظ بوجودٍ عسكريٍّ قويٍّ في منطقةِ الساحلِ السوري، خاصةً في قاعدتيها الرئيسيتين: قاعدةِ حميميم الجويةِ وقاعدةِ طرطوس البحرية. ومنطقةُ الساحل مهمةٌ جدًّا لروسيا، إذ يمثّل الساحلُ السوري نقطةً استراتيجيةً حيويةً لها على البحرِ المتوسط، مما يمنحها نفوذًا جيوسياسيًّا في المنطقة. كما تعدّ قاعدةَ حميميم الجويةَ في اللاذقية مركزًا رئيسيًا للعملياتِ العسكريةِ الروسية؛ إذ تُستخدم في شنّ الضربات الجوية ونقلِ المعداتِ والإمدادات، كما أنها نقطةُ انطلاقٍ للمرتزقة الروس إلى مناطق أخرى. وأيضًا تُعَدّ قاعدةُ طرطوس البحرية المنشأةَ البحريةَ الوحيدةَ لروسيا على البحرِ المتوسط، وتوفّر لها القدرةَ على صيانةِ سفنها الحربية وضمانَ وجودٍ دائمٍ لها في المياهِ الدافئة.
وإنَّ احتمالاتِ التسويةِ في أوكرانيا سيكون لها بالتأكيد تأثيرٌ قويٌّ في سوريا، ولكن بطرائقَ معقّدةٍ ومتعدّدة. فربما تستخدم روسيا ورقةَ سوريا في أي مفاوضاتِ تسويةٍ مع الغربِ بشأنِ أوكرانيا. يمكن أن تقدّم تنازلاتٍ معيّنةً في سوريا مقابلَ مكاسبَ في أوكرانيا، والعكسُ صحيح.
فلا يمكن أن نُغفل أنَّ انشغالَ روسيا بالحربِ في أوكرانيا قد أثّر بالفعل على وجودها العسكري في سوريا، حيث تمّ سحبُ بعضِ القواتِ والمعدات. في حالِ التوصّلِ إلى تسويةٍ في أوكرانيا، قد تقرّر روسيا إعادةَ تموضعِ قواتِها في سوريا، إمّا لتعزيزِ وجودها أو لتخفيفهِ، حسب الأهدافِ الاستراتيجيةِ الجديدة. كما أن العقوباتِ الغربيةَ المفروضةَ على روسيا بسبب حربِ أوكرانيا أثّرت على قدرتها على تمويلِ عملياتها في سوريا. وإذا استمرت هذه العقوباتُ أو تغيّرت شروطُها بعد التسوية، فقد يؤثّر ذلك على قدرةِ روسيا على الحفاظِ على نفوذِها الاقتصادي والعسكري في سوريا.
وقد تغيّر التسويةُ في أوكرانيا ديناميكياتِ العلاقاتِ بين روسيا والقوى الأخرى الفاعلةِ في سوريا، مثل تركيا وإيران والولايات المتحدة، وقد يفتح ذلك البابَ أمام تفاهماتٍ جديدةٍ أو تصعيدٍ محتمل. فبعد انتهاء الصراعِ في أوكرانيا، قد تركّز روسيا على أولويّاتٍ أخرى، مما قد يؤدّي إلى إعادةِ تقييمِ دورِها في سوريا.
- واشنطن تعزز قواتها في الشرق الأوسط وطهران تهدد برد أوسع
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا

