منذ البارحة وصنعاء ما تزال جاثمة على وجهها من هول الفاجعة، فالمدينة التي ترزح تحت وطأة الإجرام “الحوثي” منذ عشر سنوات، لم تعد قادرة على احتمال ضربات أعداء جدد، ينتهكون ما تبقى من شرفها الممزق أصلاً بأيدي “الطارئين” عليها من الكهف، ولكنها الحرب تدمي بلا رحمة وتبطش بلا قلب.
وفتحت الغارات الإسرائيلية أبواب الموت على مصراعيها مساء أمس الأربعاء، مخلفة أكثر من 170 قتيلاً وجريحاً، معظمهم من المدنيين، في سلسلة غارات عنيفة هزت الأحياء السكنية والمقار الحكومية، وفق مصادر محلية.
“الحوثي” يختبئ والمدنيون ضحايا
تصاعدت أعمدة الدخان من شارع القيادة وشارع الجزائر وفج عطان، فيما تحولت بيوت العائلات الآمنة هناك إلى ركام، وخلفت الضربات جروحاً غائرة في المجتمع الذي أنهكته جماعة “الحوثي” منذ سنوات.

وبينما نجت قيادات الصف الأول لدى جماعة “الحوثي” من الغارات، فقد قتل مدير فرع البنك المركزي في الجوف داخل مكتبه بالمجمع الحكومي.
“لقد باتت حياة اليمنيين رهينة مغامرات الجنون الحوثي”، يقول أحد الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن الجماعة “تدفع بالبلاد إلى حروب الآخرين، ثم تختبئ تاركة الناس وقوداً للغارات”.
وتسببت هجمات جماعة “الحوثي” بالصواريخ والطائرات المسيرة تجاه إسرائيل على توفير ذريعة مثالية لتل أبيب لفتح جبهة جديدة داخل اليمن.
كيف مهدت إيران الطريق لإسرائيل؟
في تصريح خاص لـ”الحل نت”، يقول الكاتب الصحفي عبد السلام القيسي بأن إسرائيل أمضت نصف قرن وهي تبحث عن حماية نفسها من الدول العربية، عبر خطوط اشتباك واتفاقات سلام، كما حدث مع الجبهة المصرية.

إلا أن المشهد تغير مع دخول إيران إلى المنطقة، والتي ساهمت – بحسب القيسي – في “تفكيك الدول الوطنية وإغراق المنطقة بصراعات أضعفتها وأسقطت بعضها، ما سمح لإسرائيل بالتمدد والتحول إلى القوة الأولى بلا منازع”.
ويضيف القيسي أن حلم إسرائيل خلال عقود كان محصوراً في التطبيع مع الدول العربية، وقد تحقق ذلك مع مصر والأردن والمغرب ثم الإمارات، غير أن التحولات الإقليمية الأخيرة جعلت إسرائيل – كما يقول – تتجاوز هذا الطموح.
ويوضح الكاتب اليمني أن إسرائيل “لم تعد ترى في التطبيع هدفها الأول، بل باتت تطمح إلى نفوذ أبعد، بينما العرب هم من سيبحثون عن التطبيع لضمان الحد الأدنى من التوازن”.
ويؤكد القيسي أن إيران “كانت الدليل الذي دل الغول الإسرائيلي إلى كل مكان”، مشيراً إلى أن صراعاتها في الإقليم منحت إسرائيل مكاسب استراتيجية لم تكن لتحلم بها قبل عقدين فقط.
بين فكي الأسد
وجدت إسرائيل في الساحة اليمنية الحلقة الأضعف لاستعراض قوتها في الإقليم، بالوقت الذي تحاول فيه إيران عبر أذرعها تثبيت معادلة استنزاف طويلة الأمد عبر ذراعها “الحوثي”.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب الصحفي خالد سلمان أن المشهد لا يتعدى “مناوشة حوثية سطحية يقابلها ضربات إسرائيلية عاصفة”، وأن الطرفين يقتلان اليمنيين وإن بحسابات مختلفة.
وبينما تبحث إسرائيل على تكريس قوتها الإقليمية وإثبات قدرتها على الوصول إلى صنعاء، فإن “الحوثي” “يرفع قميص الضحايا ويوظف الدم اليمني في بازار السياسة لإطالة أمد سيطرته والانقلاب باسم القدس”، حد وصف سلمان.
ملاحقة الكاميرات بدل إنقاذ الضحايا
ولم يكن مفاجئاً أن أول رد لجماعة “الحوثي” هو توجيه النائب العام التابع للجماعة بقرار يمنع تصوير مواقع القصف أو نشر مقاطع الفيديو على منصات التواصل، فالجماعة التي تقتل اليمنيين وتنهب مقدراتهم منذ سنين، لا يٌستغرب منها هذا الرد.

وقد بررت جماعة “الحوثي” هذه الخطوة بأنها “حرص على سلامة المواطنين”، لكنها في الحقيقة محاولة لطمس حجم الكارثة وحجب مشاهد الركام والضحايا.
ويكشف تهديد جماعة “الحوثي” بملاحقة الصحفيين والمواطنين الذين ينشرون الصور ومقاطع الفيديو، أن الهاجس الأول لدى الجماعة هو حماية صورتها الإعلامية، لا إنقاذ من بقي تحت الأنقاض.
ويعد القصف الإسرائيلي “فشلاً استخباراتياً ذريعاً” تحول إلى جريمة بحق المدنيين، إلا أن “الحوثي” هو من استدعى هذا الجحيم عبر ولائه المطلق لإيران ومغامراته العسكرية الطائشة، ليجد اليمنيون أنفسهم اليوم محاصرين في وسط هذه الدوامة التي لا نهاية لها.
- “الاسم المستعار آنا”.. وثائقي يكشف تفاصيل الإيقاع بمرتكبي مجزرة التضامن
- الأكراد والبلوش في صدارة الضحايا.. العفو الدولية تطالب بمحاسبة “مهندسو الجرائم” في إيران
- اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية التركية.. اختبار معادلة الردع الجديدة
- 3 أشهر من الانتظار.. مستحقات مزارعي الحسكة عالقة
- مظاهرة في سلمية واحتجاجات متواصلة ضد تسعيرة المحروقات الجديدة

