تقريرٌ مُصوّرٌ هو الأوّل من نوعه لقناةٍ عربيّةٍ بعد حوالي الشهرين من أحداث السويداء الدامية، لكن هذا التقرير الذي نشرته قناة “العربيّة” مساء أمس الأربعاء 18 أيلول/سبتمبر أحدث ضجّةً وتساؤلاتٍ كثيرة، ويأتي نشر هذا التقرير بعد يومٍ من الإعلان عن خارطة حلّ حول السويداء برعاية أردنيّة أميركيّة؛ فما القصة؟
إعادة بناء الثقة
ظهرت في نهاية التقرير مقابلة أجرتها المذيعة مع قائد أمن السويداء المعيّن حديثاً من قبل الحكومة السورية الانتقالية العميد حسام طحّان خلفاً لأحمد الدالاتي. تحدّث طحّان عن حرص الدولة السوريّة على إعادة السويداء إلى الحضن السوري، وأكّد على الالتزام بنتائج التحقيقات القضائيّة ومحاسبة كل من ارتكب التجاوزات.

وأشار طحان إلى أنّ القصف الإسرائيلي كان المعطّل لجهاز الأمن عن ضبط التجاوزات التي حدثت من قبل بعض المجموعات، فعند وصول تبليغ عن تجاوز في منطقة معيّنة كان الجهاز الأمني يسارع بالتحرك نحوها لضبط الوضع لكنّ القصف الإسرائيلي كان يمنعه من أداء المهمّة ويجبره على التراجع والخروج من المشهد.
وأوضح طحّان عن رغبته طيّ صفحة الماضي مع التأكيد على استمرار التحقيقات والعمل على مداواة الجراح، وأمّا القادم على الطريق بحسب تعبيره فهو أمرٌ آخر وسيلحظ الجميع التغييرات الإيجابيّة، كما أشار إلى إعادة تدريب وتأهيل العناصر الأمنية حتّى لا يتم الوقوع مستقبلاً في أخطاء الماضي.
طحّان بيّن أنه يتفهّم انعدام الثقة بالحكومة لدى أبناء السويداء بعد الأحداث الأخيرة، وأنّه هنا يأتي دور الدولة ودوره كقائد أمن جديد في إغلاق الفجوة التي حدثت، وتحدّث عن جاهزيّة جهاز الأمن للوقوف على أيّ تجاوز يحصل على طريق دمشق – السويداء، وتأمين الطريق بشكلٍ كامل.
ووجّه طحّان رسالةً إلى أبناء السويداء لإعادة بناء الثقة مع الحكومة، ووضع نفسه أمام استحقاق إعادة الاستقرار والحياة الطبيعيّة إلى السويداء بجميع مكوّناتها ومختلف مناطقها. لكن كيف بدا الموقف من الجهة المقابلة؟
كلام اللّيل يمحوه النهار!
تحدّثت مذيعة “العربيّة” عن لقائها بشيخ العقل حكمت الهجري وجلوسها معه لأكثر من ساعتين، وجّهت له خلالها العديد من الأسئلة والاستفسارات عن كيف وصلت الأمور إلى حدّ المطالبة باستقلال السويداء؟ وكيف يشكر إسرائيل التي استخدمت الدروز للاستقواء على الدولة السورية؟

كان من مجمل ردود الهجري حسب المذيعة بأنّ الاستقلال لم يكن هدفاً للدروز ولكن فُرِضَ عليهم، وبأنّه تعاون مع إسرائيل لأنها كانت الطرف الذي قدّم اليد لحماية الطائفة الدرزية وأنّه كان مستعدّاً للتعاون حتّى مع “الشيطان” من أجل حماية الطائفة الدرزية، وأضاف بأنّه يشعر بجرحٍ عميقٍ لعدم إدانة ما حدث في السويداء.
وأشار الهجري بأنّه لن يكون هناك مفاوضات مع الإدارة الحالية، وما حدث يحتاج إلى تغيير جدري كبير يتعلّق بتشكيل حكومة جديدة ودستور يعبّر عن جميع المكوّنات السورية، وكان عاتباً ولائماً على العديد من وسائل الإعلام العربية لأنّه يعتقد أنّها “شيطنت” موقفه شخصيّاً وموقف الدروز.
ولم يكد ينبلج فجر اليوم التالي لهذا التقرير حتّى نقلت بعض صفحات “فيسبوك” عن مصادر مقرّبة من الرئاسة الروحية للموحّدين الدروز نفيها لأيّة تصريحات أو مقابلات مع أيّة إذاعة عربية في الآونة الأخيرة، وأنّ آخر زيارة كانت فقط لموفدين من إحدى القنوات العربيّة تمّ خلالها الحديث عن المجازر التي حصلت بحقّ الدروز ودور وسائل الإعلام في دعم حملات التحريض ضدّ الطائفة. وبأنّ محاولاته السابقة ودعواته (أي الهجري) إلى دستورٍ مدني ديمقراطي وحالة من الإدارات المحليّة توقّفت منذ بداية الهجوم البربري على السويداء والانتهاكات التي رافقته، وأكّد على أنّ حق تقرير المصير والاستقلال هو مطلب شعبي عام لكل أبناء الطائفة الدرزية.
كما أسف المصدر لاستمرار بعض وسائل الإعلام العربي المضلّلة في تشويه الحقائق ونشر روايات غير دقيقة حسب تعبيره. وهنا يبرز التساؤل حول هدف الرئاسة الروحيّة للموحّدين الدروز من تكذيب القناة والمذيعة!
في هذا السيقا، تعود إلى الواجهة الاتهامات التي وجهّها ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي الذي عينته الحكومة الانتقالية السورية حديثا مديراً للأمن في مدينة السويداء، إلى الشيخ حكمت الهجري حول كون مواقفه غير ثابتة وتفرّده بالقرارات وتنصّله من الاتفاقات وانسحاباته غير المبرّرة.
فاليوم تتوضّح الفجوة بين طرفي الصراع، الحكومة الانتقاليّة في دمشق، والهجري باعتباره الممسك بزمام القرار الآن داخل السويداء، ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة – سواء مع ضغوط خارجية أو بدونها – أن تتوصّل إلى حلّ في السويداء، يستمر الهجري برفض أي حلول مقترحة والتعنّت بالقرار وعدم الحوار، الأمر الذي يشي إمّا بقصورٍ سياسيٍّ وعجزٍ دبلوماسيّ أو بإملاءاتٍ خارجيّة هي التّي تحدّد مواقفه.
وبين هذه وتلك يبقى أهالي السويداء هم الضحيّة الأولى والأخيرة في المأساة التي لا تزال فصولها مستمرّة، ولا يعرف أحد متى ستكون نهايتها.

